ثلاثة سيناريوهات لعالم ما بعد ترمب

بعد عشرة أعوام سيغدو العالم مختلفا إلى حد كبير

(المجلة)
(المجلة)

ثلاثة سيناريوهات لعالم ما بعد ترمب

كتب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي عام 1930: "العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد لا يزال يصارع كي يولد". وعلى الرغم من قناعات غرامشي الماركسية، فإنه كان سيجد نفسه قريبا من روح العصر الترمبي. فالعالم القديم هنا هو النظام الدولي الذي شيدته الولايات المتحدة في الغرب عقب الحرب العالمية الثانية، ثم عملت على تعميمه على مستوى العالم بعد انتصارها في الحرب الباردة. وأتاح ذلك المشروع قدرا من السلام والازدهار والحرية، ما أسهم في تغيير العالم. غير أن ذلك النظام القديم استنفد اليوم الأغراض التي قام من أجلها.

على مدى سنوات، دأبت القوى التعديلية، وفي مقدمتها الصين وروسيا، على تقويض هذا النظام بصورة تدريجية، فيما تبدو الولايات المتحدة نفسها أحيانا وكأنها في مواجهة معه. وبعد عشر سنوات من اليوم، سيغدو العالم مختلفا إلى حد بعيد. أما ما لا نعرفه بعد، فهو ما الذي ينتظرنا عند نهاية هذه المرحلة الانتقالية، وما الهيئة التي سيرسو عليها ذلك العالم الجديد.

أحد السيناريوهات المحتملة هو انقسام العالم إلى "معسكرين" على غرار الحرب الباردة، تتزعم واشنطن أحدهما وبكين الآخر. أما السيناريو الثاني، فيقوم على عالم لا تحكمه كتلتان، بل عدة إمبراطوريات، تفرض فيه قوى متنفذة هيمنتها على دوائر نفوذ إقليمية. فيما يتمثل السيناريو الثالث في عالم تحكمه شريعة الاعتماد على الذات، حيث ينزلق السلوك الأميركي نحو نهج عدواني يدفع النظام الدولي إلى أتون الفوضى.

تبدو اللحظة الراهنة شديدة الهشاشة، لأن أيا من هذه السيناريوهات يبدو واردا، ولأن كلا منها يجد ما يدعمه في سياسات خارجية تنتهجها قوى عظمى متصارعة. وما يزال الكثير رهن الاحتمالات، إذ يتوقف جانب كبير من ملامح المرحلة المقبلة على قرارات الولايات المتحدة والاستحقاقات الانتخابية القادمة. غير أن استشراف ما قد ينتظرنا بعد هذه المرحلة الانتقالية يظل الخطوة الأولى في الاستعداد لعالم سيكون، حتى في أفضل السيناريوهات، أكثر تشرذما وأشد ضراوة من ذلك الذي تركناه وراءنا.

العالم الحديث نتاج القوة الأميركية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، نسجت الولايات المتحدة شبكة من التحالفات العالمية امتدت عبر أطراف أوراسيا. كما نهضت بدول دمرتها الحرب، وأسهمت في إعادة بناء التجارة العالمية. وحمت حرية الملاحة في الممرات البحرية البعيدة، إلى جانب توفير سلع عامة أخرى. وكانت الولايات المتحدة، لا الأمم المتحدة، هي الأقرب إلى لعب دور الحكومة العالمية. وفي ظل هذه السياسات، نشأ نظام غربي مزدهر تمكن لاحقا من هزيمة الاتحاد السوفياتي، ثم تحول بعد الحرب الباردة إلى نظام ليبرالي آخذ في التوسع.

(أ.ف.ب)
زائر يقف قرب عمل فني يجسد قادة الصين والولايات المتحدة وروسيا خلال معرض فني في سورابايا، 2 أغسطس 2025

ولكن، ككل إنجاز كبير، لم تخل صورة هذا الإنجاز من المبالغات، ولا من جوانب جرى إغفالها أو التهوين من شأنها. ففي بعض الأحيان، عمدت واشنطن إلى ترسيخ نظام ليبرالي بوسائل بعيدة عن الليبرالية، من خلال تدخلات عسكرية عنيفة وتدابير سرية. كما أن الخطاب الذي يحتفي بالتضامن بين الحلفاء يتجاهل ما شهدته تلك العلاقة من خلافات حادة، من أزمة السويس عام 1956 إلى الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وهي خلافات هزت العالم الديمقراطي. كذلك لم تتردد الولايات المتحدة في مخالفة القواعد التي وضعتها، أو تعديلها حين لم تعد ملائمة، كما حدث عندما تخلت عام 1971 عن نظام "بريتون وودز" للتمويل الدولي. إذا، لا يوجد نظام يخلو من النفاق أو الإكراه.

بعد عقد من اليوم، سيغدو العالم مختلفا. وما لا نعرفه بعد، هو ما الذي ينتظرنا عند نهاية هذه المرحلة الانتقالية، وما الهيئة التي سيرسو عليها ذلك العالم الجديد

لكن "السلام الأميركي" سخّر، في نهاية المطاف، قوة استثنائية في خدمة فهم واسع للمصلحة الذاتية، قوامه أن حتى القوة العظمى المعزولة جغرافيا لا تستطيع أن تزدهر ما لم تسهم في تمكين الدول الأضعف من نيل الأمن والرخاء. وأفضى هذا المزيج إلى مكاسب غيرت مجرى التاريخ. فبعد حربين عالميتين في غضون جيل واحد، أتاح النظام الذي شيدته الولايات المتحدة عقودا من السلام بين القوى الكبرى. وأفرز الاقتصاد الذي قادته واشنطن قفزة كبيرة في مستويات المعيشة. كما أسهم النفوذ الأميركي في ترسيخ الديمقراطية بوصفها النموذج الغالب، وجعل "موت الدولة"، أي الإلغاء العنيف للدول المستقلة، أمرا نادرا وصادما. وفي المقابل، جنت واشنطن نفسها مكاسب هائلة، لا لأنها عاشت في عصر أكثر سلما وحيوية فحسب، بل لأن تحالفاتها وشبكات التعاون الأخرى ضاعفت قوتها التي لا تضاهى ورسخت امتدادها العالمي.

ولكن، لا شيء يدوم، والنظام الذي قادته الولايات المتحدة، ولا سيما نسخته الأكثر اندفاعا نحو العولمة بعد الحرب الباردة، يقترب اليوم من نهايته. فهذا النظام يتعرض لضغط متزايد من الخارج، إذ تنظر إليه بكين وموسكو وشركاؤهما بوصفه عائقا أمام طموحاتهم وتهديدا لأنظمتهم السلطوية. ومن ثم، يعملون على تقويض توازنات القوة والقواعد الأساسية، مثل حرية الملاحة وحظر الغزو بالقوة، عبر المجال الأوراسي الواسع. كذلك سعت هذه الدول، وفي مقدمتها الصين، إلى إضعاف النظام من الداخل أيضا، إذ استخدمت بكين اندماجها في الاقتصاد العالمي لبناء قوة صناعية وعسكرية توظفها اليوم في منافسة الولايات المتحدة. وفي المقابل، بدت واشنطن منهكة، وربما واقعة تحت وطأة خيبة أمل عميقة إزاء النظام الذي شيدته بيديها.

وينبع هذا التردد من مشكلات حقيقية، منها اختلالات مزمنة، وتحمل الولايات المتحدة داخل تحالفاتها عبئا يفوق ما يتحمله الآخرون، وتراجع الأمنين الاقتصادي والشخصي الذي رافق العولمة، وارتدادات الحروب الأميركية في الشرق الأوسط الأوسع، فضلا عن الكيفية التي أسهم بها النظام الليبرالي في صعود الصين. وتجسد هذا المنحى اليوم في إدارة تسعى، في الحد الأدنى، إلى إعادة التفاوض بشدة على شروط انخراط الولايات المتحدة، وتذهب مرارا إلى أن استعادة القوة الأميركية تمر عبر هدم النظام القائم.

ومن هنا ينبع الإحساس بعدم الاستقرار الذي يطبع لحظتنا الراهنة. فما تزال قوة واشنطن بلا منازع، وما تزال ركائز أساسية في النظام القائم، مثل تحالفات الولايات المتحدة ومجموعة السبع، قائمة بدورها. لكن التوقعات بشأن مصير هذا النظام تبدو قاتمة، وربما كارثية. فما الذي ينتظر العالم بعد اكتمال أفوله؟

خلال معظم العقد الماضي، بدا أن العالم الأحادي بقيادة الولايات المتحدة يقترب من أفوله، ويفسح المجال لولادة عالمين، وأن حلم النظام العالمي المتكامل ينزلق نحو صراع بين تكتلات متنافسة. وفي هذا السيناريو، ستنشأ كتلة تقودها الصين، تضم الأنظمة السلطوية العدائية في أوراسيا، ومعها طيف من القوى المتعاطفة معها، من كوبا إلى باكستان، وصولا إلى أجزاء واسعة من الجنوب العالمي. وفي المقابل، ستقود الولايات المتحدة كتلة تضم حلفاء ديمقراطيين يمتدون على أطراف أوراسيا. وبين المعسكرين، ستنحاز دول متأرجحة، من الهند والسعودية إلى البرازيل وإندونيسيا، بصورة انتقائية إلى هذا الطرف أو ذاك، فيما تواصل الموازنة بينهما بدافع المصلحة. وعلى هذا النحو، سيعيد مستقبل السياسة الدولية العالم إلى أجواء الحرب الباردة.

(أ.ف.ب)
سياح يراقبون سفينة شحن تنتظر دخول قناة بنما في ظل ازدحام الملاحة العالمية، 28 فبراير 2026

غير أن ذلك لن يكون استعادة حرفية للماضي، فالصين، بحكم اندماجها العميق في العالم، تملك من أدوات الجذب الاقتصادي والإكراه ما يفوق بكثير ما امتلكه الكرملين في أي مرحلة. ومع ذلك، سيدفع هذا السيناريو نحو تفكك تدريجي للاقتصاد الدولي، مع تحول العقوبات وسلاسل الإمداد إلى أدوات صراع. وسيغدو فك الارتباط مسألة وقت لا أكثر، فيما يبقى الخلاف قائما حول شروطه والجهة التي تفرض إيقاعه. وكما في الحرب الباردة، ستشد المنافسة الثنائية كل منطقة إلى قلب المواجهة. أما أخطر البؤر، مثل أوكرانيا وتايوان وبحر الصين الجنوبي، فستقع على خطوط التماس الجيوسياسي.

بعد حربين عالميتين في غضون جيل واحد، أتاح النظام الذي شيدته الولايات المتحدة عقودا من السلام بين القوى الكبرى

شئنا أم أبينا، فإن قوى بنيوية هائلة تدفع العالم في هذا الاتجاه. فقد ترتفع حدة التوتر بين الولايات المتحدة والصين أو تنخفض تبعا لقمة هنا أو أزمة هناك. وقد يبدي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعجابا بالزعيم الصيني شي جينبينغ وتقديرا له. لكن جوهر الصراع يزداد احتداما، مع اصطدام طموح الصين إلى الهيمنة، في التقنيات الحيوية والتجارة العالمية وغرب المحيط الهادئ، بقوة الولايات المتحدة وما تتمتع به من امتيازات. وتميل صراعات القوى الكبرى بطبيعتها إلى استقطاب السياسة العالمية، فيما تتحول الاعتمادية المتبادلة، وسط النزاعات الحادة، إلى مصدر للهشاشة. وفي جوانب كثيرة، تتسارع القوى الدافعة نحو هذا المستقبل. فقد سرعت حرب روسيا في أوكرانيا وتيرة الاصطفاف الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري بين الأنظمة السلطوية في أوراسيا. ويدرك شي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن فرصتهما في الانتصار تتوقف على خوض المواجهة جنبا إلى جنب في وجه العالم الديمقراطي. أما السؤال الأهم، فهو ما إذا كانت واشنطن لا تزال قادرة على جمع العالم الحر تحت رايتها.

قد تهيئ أفضل جوانب سياسة ترمب واشنطن وحلفاءها لكسب حرب باردة جديدة. لكن أسوأ جوانبها توحي بمآل مختلف.

ويحسب لترمب أن إدارته تمضي في بناء معسكر ديمقراطي أكثر تسلحا، عبر الضغط لزيادة الإنفاق العسكري في مواجهة تهديدات مترابطة. وقد تسهم الاتفاقات التجارية التي تستقطب استثمارات الحلفاء إلى قاعدة الابتكار الأميركية في حشد الموارد والطاقات الإنتاجية اللازمة لمعادلة الثقل الاقتصادي الصيني. كما تتيح شراكات المعادن الحيوية مسارا، وإن طال، للتخفف من القبضة الصينية الخانقة. كما أن ترمب وجه ضربة إلى محور الأنظمة السلطوية باستهداف أضعف حلقاته، أي إيران وفنزويلا، وقد تلحق بهما كوبا أيضا. وإذا كان التاريخ دليلا، فإن سعيه إلى إعادة ترسيخ الهيمنة في نصف الكرة الغربي، أي "عقيدة دونرو"، يعد شرطا أساسيا لبسط النفوذ على المسرح العالمي الأوسع.

غير أن الروح التي تحكم ترمب، والقائمة على أن الدول الكبرى تفرض إرادتها فيما ترضخ الدول الأصغر لما يفرض عليها، تجعله أقرب في نظرته إلى شي وبوتين منه إلى معظم حلفاء الولايات المتحدة. كما أن صفقاته القسرية المختلة توحي بأنه أقل اهتماما بتعزيز المعسكر الديمقراطي، وأكثر حرصا على انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات منه. وتزيد مطالباته بغرينلاند وكندا من خطر وضع واشنطن في خانة القوى المتعطشة إلى التوسع، بما يهدد بتمزيق القلب الأطلسي للعالم الحر. وتصاعدت مخاوف الحلفاء الأوروبيين من أن يجدوا أنفسهم عالقين بين ثلاث قوى نهمة: الصين وروسيا والولايات المتحدة. وإذا صح ذلك، فلن تكون هناك حرب باردة جديدة، لأنه لن تكون هناك كتلة ديمقراطية قادرة على كبح الكتلة السلطوية.

(أ.ف.ب)
دمار هيروشيما بعد سنوات من القصف النووي الأميركي الذي أنهى الحرب العالمية الثانية وأوقع مئات آلاف الضحايا، 1948

ومع ذلك، لا يجوز استبعاد سيناريو "العالمين". فحقبة ترمب لن تخلف وراءها خرابا فقط، بل ستترك أيضا بعض الأسس التي يمكن البناء عليها. ومع تصاعد التهديدات السلطوية، ستتعزز دوافع التعاون بين الديمقراطيات، حتى إن قام هذا التعاون على منطق المعاملات. وإذا نجح خلفاء ترمب في صوغ سردية تنطلق من هدف مشترك لا من مجرد تعزيز المكاسب الذاتية، فقد يتمكنون من بلورة ميثاق جديد للعالم الحر، يقوم على مستويات أعلى من الجهد الجماعي وصيغ جديدة لتقاسم الأعباء. وسيحمل هذا المستقبل بدوره أزمات وصراعات، ولن يكون أقل خطرا. لكنه يظل، رغم ذلك، أفضل السيناريوهات المتاحة للديمقراطيات جميعا. فوجود عالمين يبقى أهون من نظام تقوده الصين، أو من عالم أشد تفككا.

ترمب وجه ضربة إلى محور الأنظمة السلطوية باستهداف أضعف حلقاته، أي إيران وفنزويلا، وقد تلحق بهما كوبا أيضا

يقوم السيناريو الثاني على فرضية أن العالم بعد الولايات المتحدة لن ينقسم إلى كتلتين كبيرتين، بل إلى عدة دوائر نفوذ إقليمية أصغر. ففي هذا التصور، تسعى الولايات المتحدة إلى تحصين موقعها استراتيجيا عبر إعادة تركيز اهتمامها على إمبراطورية في نصف الكرة الغربي، تمتد من هونولولو إلى نوك، ومن القطب الشمالي إلى الأرجنتين. ومع تخلي واشنطن عن أعباء ما وراء البحار، تتقدم الصين إلى موقع الصدارة على امتداد القوس الواسع من جنوب شرق آسيا إلى شمال شرقها. أما روسيا، فتسعى إلى ترسيخ هيمنتها، وربما بالقوة، على الفضاء السوفياتي السابق وأجزاء من أوروبا الشرقية.

غير أن هذا التقسيم إلى دوائر نفوذ لا يقتصر على تنافس القوى الكبرى وحدها. ففي عالم آخذ في التفتت، تسعى الهند إلى انتزاع موقع الصدارة في جنوب آسيا والمحيط الهندي. وتمضي تركيا في تثبيت موطئ قدم لنفوذ ما بعد عثماني عند تقاطع أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. وفي "منطقة البحر الأحمر" الذي يصل الخليج بقرن أفريقيا، تحتدم المنافسة بين إسرائيل والسعودية وغيرهما على السيطرة. وهكذا، بعد الهيمنة الأميركية، يبدأ عصر جديد من الإمبراطوريات.

ولا يشترط أن تكون تلك الإمبراطوريات محكمة السيطرة أو قائمة على احتلال عسكري مباشر، على غرار أوروبا تحت الحكم النازي، فالهيمنة قادرة على اتخاذ أشكال متعددة. لكن في هذا المستقبل، سيتحطم النظام العالمي على صخور سياسة القوة.

يتفكك القانون الدولي حين يفرض أصحاب النفوذ الإقليمي تعريفهم الخاص للسلوك المقبول، فيسعون إلى تأديب الحلفاء المتمردين أو الإطاحة بهم. ويعيد السادة الإقليميون رسم خرائط التجارة والاستثمار وتدفقات الموارد، ويفرضون قيودا صارمة على صلات جيرانهم الأضعف بالقوى الأخرى. وفي عصر الإمبراطوريات الجديد، لن يكون هناك موطئ قدم عسكري أوروبي أو آسيوي في أميركا اللاتينية، فيما تكون تحالفات واشنطن الخارجية قد تهاوت أو غدت واهنة إلى حد بعيد. ويمكن تصور هذا المشهد على أنه مجموعة من "مبادئ مونرو" موزعة على مناطق متعددة من العالم.

تاريخيا، نشأت بعض دوائر النفوذ من تفاهمات أبرمها زعماء أقرب إلى قادة العصابات، ولعل أوضح أمثلتها تقسيم أوروبا الشرقية بين أدولف هتلر وجوزيف ستالين. ويتصور بعض المحللين اليوم أن شي وترمب وبوتين قد يحيكون صفقة مشابهة لتقاسم العالم. غير أن دوائر النفوذ قد تتشكل أيضا على نحو أقل مباشرة، أو تنشأ تدريجيا بمرور الوقت.

(أ.ف.ب)
قوات بريطانية تُخلي جرحى عبر مروحية بحرية خلال أزمة السويس في بورسعيد، 9 نوفمبر 1956

فإذا مضت الولايات المتحدة في إضعاف حلف شمال الأطلسي، عبر السعي إلى انتزاع أراض من بعض أعضائه، فقد يمهد صعود دائرة نفوذ أميركية في نصف الكرة الغربي الطريق أمام دائرة نفوذ روسية في أوروبا الشرقية. وإذا جعل التوسع الصيني المتواصل الدفاع عن "سلسلة الجزر الأولى"، الممتدة من اليابان إلى تايوان ثم الفلبين، أمرا متعذرا، فإن غرب المحيط الهادئ سيقع تحت هيمنة بكين، حتى إن لم يقر البنتاغون بذلك صراحة. وعليه، إذا اندفعت واشنطن بكل ثقلها لفرض هيمنتها على نصف الكرة الغربي، متبنية الرأي الذي عبر عنه ترمب نفسه، ومفاده أن ما يجري وراء المحيط شأن يخص الآخرين، فقد تكون النتيجة عالما موزعا بين دوائر نفوذ متعددة.

بعد الهيمنة الأميركية، يبدأ عصر جديد من الإمبراطوريات.. ولا يشترط أن تكون محكمة السيطرة أو قائمة على احتلال عسكري مباشر، فالهيمنة تتخذ أشكالا متعددة

وفي أحيان كثيرة، يبدو أن العالم يمضي بالفعل في هذا الاتجاه. فمنذ سنوات، تعمل روسيا والصين على إحكام قبضتهما على محيطيهما الإقليميين. واليوم، يمضي ترمب بلا هوادة في فرض نفوذ واشنطن داخل الأميركتين، عبر الإطاحة القسرية بحكام معادين، وادعاء حق في موارد حيوية، واستخدام القوة القاتلة في أعالي البحار، فيما يدفع الحلفاء الأوراسيين القابعين على خطوط المواجهة إلى تحمل مسؤولية الدفاع عن أنفسهم. كما أن تحدي ترمب السافر للقانون الدولي يستعيد، في القرن الحادي والعشرين، صدى لإعلان وزير الخارجية ريتشارد أولني في القرن التاسع عشر أن واشنطن "عمليا صاحبة السيادة على هذه القارة". وما يلوح هنا هو احتمال أن تحل الهيمنة على نصف الكرة الغربي يوما محل الحضور العالمي، بدلا من تعزيزه.

ومع ذلك، فإن ترمب ليس من أنصار الانكفاء الصارم إلى نصف الكرة الغربي. فهو يروج لـ"عقيدة دونرو" في الوقت نفسه الذي يدفع فيه نحو صفقات سلام في قارات بعيدة، ويخوض حروبا بالغة الطموح في الشرق الأوسط. وربما كان ذلك لأنه يدرك أن عالما موزعا بوضوح بين دوائر نفوذ سيعني انكفاء موجعا لقوة عظمى.

لن يكون هناك بعد اليوم اتفاقيات تجارية أحادية الجانب مع حلفاء أوراسيين يتشبثون بالحماية الأميركية، كما لن يعود ثمة ما يحمل اليابان أو ألمانيا على دعم هيمنة الدولار. وإذا ما استبعدت الولايات المتحدة من شرق آسيا، بما تضمه من اقتصادات دينامية وسيطرة على ممرات تجارية حيوية وسلاسل إمداد عالية القيمة، فستتراجع حتما قدرتها على منافسة الصين. فمقايضة تايوان بهندوراس ليست صفقة رابحة، إذ إن النفوذ الدولي يولد من الانخراط العالمي.

وإذا كان نظام دوائر النفوذ يفضي إلى إضعاف القوة الأميركية، فإنه قد يقوض أيضا الاستقرار الذي يعلق أنصاره عليه الآمال. فمن حيث المبدأ، يقوم نظام دوائر النفوذ على حفظ التفاهم بين القوى الكبرى على حساب الدول الأصغر، إذ تتقاسم الدول الكبرى العالم وتسعى إلى تطويع الأطراف المتمردة. وقد لا يقع بالفعل صدام أميركي-صيني حول تايوان إذا انسحبت واشنطن من غرب المحيط الهادئ، لكن التعويل على سلام دائم يظل رهانا واهيا.

كما أن الاعتمادية المتبادلة المعقدة تجعل الانتقال إلى عالم تحكمه دوائر النفوذ مسارا مليئا بالتجاذبات، إذ ستحتاج الولايات المتحدة إلى قدر كبير من الضغط لتقليص التغلغل الرقمي والحضور البنيوي الصيني في أميركا الجنوبية. وفي المقابل، قد لا يكون ترسيخ بكين دائرة نفوذ لها في شرق آسيا نهاية طموحاتها، بل بدايتها فقط. فقد كانت الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، قاعدة انطلاق نحو دور أوسع على مستوى العالم.

(رويترز)
دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان خلال لقاء ثنائي على هامش قمة "أبيك" في كوريا الجنوبية، 30 أكتوبر 2025

والأهم أن دوائر النفوذ لا تنشأ ببساطة، ولا تمنح على سبيل الهبة، إذ كثيرا ما تكون ولادتها مضرجة بالدم. وتميل الأنظمة السلطوية الطامحة إلى ممارسة القسوة، وربما الإبادة الجماعية، في المناطق التي تفرض سيطرتها عليها. أما الدول الصغيرة والمتوسطة، وهي تدرك ما قد ينتظرها، فلا تقتصر خياراتها على القبول السلبي بالهيمنة. فقد قاتلت أوكرانيا بضراوة كي تبقى خارج الإمبراطورية الروسية. وقد تقدم اليابان على الخيار نفسه، أو تلجأ ببساطة إلى امتلاك السلاح النووي تفاديا للخضوع لبكين. ومن هنا يبرز خطر آخر يقودنا إلى السيناريو الثالث الذي قد يعقب نظامنا الآفل، أي فوضى قبيحة وعنيفة.

يقوم نظام دوائر النفوذ على حفظ التفاهم بين القوى الكبرى على حساب الدول الأصغر، إذ تتقاسم الدول الكبرى العالم وتسعى إلى تطويع الأطراف المتمردة

وفي المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام، قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إن تصدع النظام القديم فتح نافذة أمام القوى المتوسطة. ورأى أن هذه الدول قادرة، إذا عملت معا وعززت قدراتها، على شق مسار مستقل بين القوى الكبرى، والحفاظ على نظام مقبول بالنسبة إليها.

وليس هذا حلما جديدا. فمنذ سبعينات القرن الماضي، راود الباحثين والاستراتيجيين أمل في أن يحكم العالم نظام بلا حكام، وأن تتمكن الدول الأصغر، على نحو أو آخر، من الحفاظ على أفضل ما في النظام الذي شيدته الولايات المتحدة حتى بعد انحسار قيادتها. لكن ذلك لا يعدو كونه وهما. فلا نظام يصمد من دون التزام القوى الكبرى، ويغدو استبقاؤه مستحيلا إذا وقفت هذه القوى في وجهه. لذلك، فإن البديل الأرجح لحرب باردة جديدة أو لعصر إمبراطوريات جديد ليس سوى فوضى عارمة.

في هذا السيناريو، تنحرف الولايات المتحدة عن المسار، إذ توحي أشد دوافع ترمب قتامة بصعود قوة عظمى متوحشة لا تقيم وزنا للأعراف. وتنخرط واشنطن في توسع إقليمي عدواني، وتنتزع، بالقوة أو بالإكراه، موارد حيوية من قوى أضعف. كما تفرض على الكيانات التابعة لها جزية متزايدة. وتواصل، خدمة لشعبويين غير ليبراليين، التدخل في سياسات أوروبا ومناطق أخرى. وفي هذا المسار، لا تتخلى الولايات المتحدة عن دورها العالمي، بل تجعل من هذا الدور نفسه أداة للضغط والابتزاز.

ويبدو هذا السيناريو شديد القتامة، لأن سلوك الولايات المتحدة يدفع نحو عالم تصبح فيه القوى الكبرى الثلاث جميعا قوى طامعة وجشعة. وفي مثل هذا العالم، تتعرض القوى الأصغر، ولا سيما تلك الواقعة على خطوط التماس في أوراسيا حيث تتقاطع الصراعات، لضغوط متزايدة من جهات عدة. وعندئذ، يغدو "الاعتماد على الذات"، أي أن يدبر كل بلد أمره بنفسه، الاستجابة الوحيدة المعقولة.

(أ.ف.ب)
منقذ أوكراني يقف بجوار منزل متضرر بعد غارة جوية قرب كييف مع تصاعد الهجمات الصاروخية الروسية، 22 فبراير 2026

كما يغدو الاعتداء على الأراضي، بل وحتى اختفاء بعض الدول، أكثر شيوعا بكثير، في غياب قوة عظمى ملتزمة بحماية الوضع القائم أو بصون سيادة الدول الأضعف. ولذلك، في عالم يقوم على منطق الاعتماد على الذات، تجد بعض الدول الهشة نفسها في مواجهة التدمير أو الإخضاع أو التمزيق. وقد لا تكون حرب أوكرانيا مجرد تذكير قاس بالماضي، بل إرهاصة مبكرة بما قد يحمله المستقبل. وفي المقابل، ستمضي دول أخرى في سباق محموم نحو التسلح، ويمكن أن تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية بوصفها الضمانة الأنجع للبقاء.

في عالم يقوم على منطق الاعتماد على الذات، تجد بعض الدول الهشة نفسها في مواجهة التدمير أو الإخضاع أو التمزيق

وفي الوقت نفسه، قد تشتعل مجددا خصومات كبتتها طويلا القوة الأميركية. فإذا أعادت الدول الأوروبية التسلح في وقت يتصدع فيه الاتحاد الأوروبي، وربما تحت ضغط مزدوج من الولايات المتحدة وروسيا، فاستعد لعودة سباقات التسلح ومنافسات الأمن التي كانت سمة مألوفة في تلك القارة. وودع أيضا حرية الملاحة. فمع انهيار الاستقرار الدولي، ستندفع الدول القائمة، وتلك التي في طور التكوين، إلى التنافس للسيطرة على نقاط اختناق حيوية، من قناة بنما وطريق البحر الشمالي إلى باب المندب ومضيق هرمز. وفي عالم منفلت من القيود، تزداد قيمة السيطرة المادية على التجارة والموارد والأسواق، بما يغذي، ببساطة، دوافع جديدة للغزو.

ويبدو كل ذلك كابوسيا. لكن النظر إليه من منظور التاريخ يجعله أقل غرابة مما قد يبدو.

فانحسار الهيمنة البريطانية في مطلع القرن العشرين لم يفتح الباب سريعا أمام عالم جديد، بل أفضى إلى عقود من الفوضى. وعلى امتداد قرون سبقت صعود الهيمنة البريطانية، كانت أوروبا متعددة الأقطاب، التي شكلت آنذاك مركز النظام الدولي، بؤرة ملتهبة للاستبداد والحرب.

إن النظر إلى الاستقرار النسبي بوصفه القاعدة، وإلى الوحشية المنفلتة بوصفها الاستثناء، ليس إلا واحدا من آثار أجيال من الهيمنة الأميركية الحميدة. فإذا انتهت تلك الهيمنة، أو تحولت إلى هيمنة مفترسة، فقد يكون العالم مقبلا على انتكاسة قاسية.

والفوضى، في الحقيقة، ليست أبعد مما نتصور، إذ إن ملامح عالم يقوم على منطق الاعتماد على الذات باتت تلوح بالفعل. فالتشكيك في موثوقية الولايات المتحدة يخلق شهية نووية آخذة في الاتساع. ويكفي النظر إلى اهتمام كوريا الجنوبية واليابان بالحصول على غواصات تعمل بالدفع النووي، أو إلى الجدل المتصاعد بشأن التسلح النووي حتى في السويد وألمانيا. كذلك يزداد الاستعداد لأسوأ السيناريوهات. وللمرة الأولى منذ أجيال، تتحدث تقارير عن أن كندا تتهيأ لحماية نفسها من غزو أميركي.

(أ.ف.ب)
قادة مجموعة العشرين يلتقطون صورة جماعية خلال القمة في جوهانسبرغ، 22 نوفمبر 2025

كما بدأت شراكات دفاعية جديدة بالتشكل، لكنها كثيرا ما تجلب معها توترات إضافية. فقد أثار ميثاق الدفاع الذي أبرمته باكستان والسعودية العام الماضي قلق الهند بالفعل. وقد يدفع انضمام تركيا إليه إلى زيادة حدة التنافس مع إسرائيل في الشرق الأوسط. كما تتصاعد الاضطرابات في مناطق محورية. فمنطقة الخليج، بطبيعة الحال، غارقة في الصراع. لكن ما يجري في ليبيا وعبر القرن الأفريقي، حيث تحتدم حروب بالوكالة فيما تتسابق قوى عدة على الموارد والمواقع الاستراتيجية، قد يقدم لمحة عن الاضطراب متعدد الأقطاب الذي يلوح في الأفق.

النظر إلى الاستقرار النسبي بوصفه القاعدة، وإلى الوحشية المنفلتة بوصفها الاستثناء، ليس إلا واحدا من آثار أجيال من الهيمنة الأميركية الحميدة

إلا أن تلك الفوضى لن تدوم إلى الأبد. ففي نهاية المطاف، ستترسخ تراتبية جديدة تحكمها قواعد جديدة. غير أن الانتقال من "السلام البريطاني" إلى "السلام الأميركي" لم يتحقق إلا بعد كساد اقتصادي عالمي وحربين عالميتين. وحتى إذا نجح العالم، في نهاية المطاف، في العثور على صيغة جديدة للاستقرار، فقد يكتشف أيضا أن الإنجازات الكبرى التي طبعت حقبة ما بعد عام 1945 قد تبددت وسط الفوضى التي تلت ذلك.

تخيل أن لحظتنا الراهنة مفترق طرق، نقطة يمكن أن تنطلق منها السياسة العالمية في واحد من مسارات عدة. ويعود هذا القدر الكبير من الغموض إلى أن هذه المسارات تقود إلى نهايات شديدة التباين. أما المؤكد، فهو أن الحقبة المقبلة ستكون أكثر انقساما وأشد خطورة من الحقبة التي مضت.

قبل عقد من الزمن، كان اندلاع حرب باردة جديدة يبدو أسوأ السيناريوهات. أما اليوم، فربما غدا أفضل ما يمكن التعويل عليه. صحيح أن سيناريو "العالمين" ينذر بأزمات خطرة ويعمّق تشظي الاقتصاد العالمي، وأن التفوق على الصين، بما تملكه من ثقة واستعداد للمواجهة، سيفرض على الكتلة الديمقراطية استخدام موارد هائلة وقدرا كبيرا من الحنكة، لكنه، في الحد الأدنى، يحفظ "نصف عالم"، على حد تعبير وزير الخارجية الأميركي الأسبق دين أتشيسون. وهو يفترض قدرا من التعاون بين الديمقراطيات يكفي لصون توازن معقول للقوى، ولجم أكثر اندفاعات بكين طموحا. أما السيناريوهات الأخرى، من عصر إمبراطوريات جديد يثبت أنه أقل استقرارا وأضعف جدوى مما يروّج له أصحابه، إلى انزلاق جديد نحو الفوضى، فهي أشد قتامة. وقد تغوي هذه المسارات قوة عظمى نسيت، إلى حد بعيد، كم كان العالم الذي سبق "السلام الأميركي" موحشا، لكن مآلها، في نهاية المطاف، ليس إلا الظلام.

والمفارقة أن الولايات المتحدة ما تزال صاحبة الكلمة الأرجح في رسم ما سيعقب النظام الذي أقامته، لأن خيارات أقوى فاعل في العالم تبقى، شاء المرء أم أبى، الأشد وقعا في تحديد المسار. فإذا أحسنت استثمار أفضل ما في سياسات ترمب، فقد تقود مجتمعا ديمقراطيا رمم صفوفه، رغم ما يعتريه من اضطراب عميق، نحو الجهد الجماعي اللازم لصد الضغط السلطوي. أما إذا انكفأت واشنطن عن مسارح ما وراء البحار، فإنها ستطلق سباقا على دوائر النفوذ. وإذا انقلبت الولايات المتحدة إلى قوة متمردة، فإنها ستلتحق بالقوى التي تهدم النظام القديم، وتدفع العالم إلى حقبة جديدة يغدو فيها كل طرف منشغلا بتدبير أمره بنفسه.

(رويترز)
سفن شحن في الخليج قرب مضيق هرمز وسط التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، 11 مارس 2026

وتكشف السياسة الخارجية الانتقائية التي ينتهجها ترمب عن ملامح الاتجاهات الثلاثة كلها. أما السنوات المقبلة، ومعها الدورات الانتخابية الأميركية، فستحسم أي من هذه الاتجاهات سيتكرس مسارا يصعب العدول عنه مع مرور الوقت.

إذا نجح العالم، في العثور على صيغة جديدة للاستقرار، فقد يكتشف أن الإنجازات الكبرى التي طبعت حقبة ما بعد عام 1945 تبددت وسط الفوضى

وربما دل غياب التأييد الشعبي داخل الولايات المتحدة للاستيلاء على غرينلاند على أن تجاوزات ترمب ستصطدم، في نهاية المطاف، بسقف لا تستطيع تجاوزه. وقد يفلح من يخلفه، سواء كان ديمقراطيا أم جمهوريا، في المواءمة بين تصورات أكثر تقليدية للسياسة الخارجية وواقع السياسة الداخلية في عصر "أميركا أولا". وعندئذ، قد يكون قادرا على كبح الاضطراب الذي خلفه ترمب، مع استثمار أكثر عناصر إرثه فائدة في إعادة بناء العالم الحر استعدادا لحرب باردة جديدة.

وعلى نحو مغاير، قد ترتد إحدى مغامرات ترمب العسكرية عليه. وعندها، قد يحسم الجناح الانعزالي الجديد داخل حركة "ماغا" الصراع لمصلحته، وهو الجناح الذي يستلهم مواقفه من أصوات مثل تاكر كارلسون، فتغدو القوة العظمى منكفئة داخل نصفها من العالم. أو قد يكون الوريث الحقيقي لترمب، داخل الحزب الجمهوري وفي البيت الأبيض، شخصية ترى أنه لم يستثمر القوة الأميركية بالقدر الكافي لتحطيم النظام القائم. ولن تكون تلك سابقة في التاريخ، إذ كثيرا ما تنتهي الثورات إلى وقوعها في يد أكثر تياراتها تطرفا.

(أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا قبيل اجتماع رسمي في نيودلهي، 21 فبراير 2026

إن النظام القديم يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولن تفلح مراثي النظام الدولي الليبرالي المنفتح عالميا في إحيائه من جديد. أما السؤال الحاسم، الذي ستتولى السنوات العشر المقبلة الإجابة عنه، فهو ما إذا كانت واشنطن ستسعى إلى استبدال ذلك العالم بصيغة محفوفة بالمخاطر لكنها قابلة للاستمرار، أم إنها ستدفع حالة الغموض الراهنة إلى ما هو أشد سوءا بكثير.

font change

مقالات ذات صلة