واشنطن وطهران… خفايا الصراع ومحركات استدامة العداء

ما من شعارٍ رفعه المتقاتلون في هذه الحرب يمكنه إخفاء الذرائع والخلفيات الدينية له

أ.ف.ب
أ.ف.ب
لوحة تحمل صورة "المرشد" الإيراني السابق علي خامنئي في ساحة "ولي عصر" بطهران في 22 مارس 2026

واشنطن وطهران… خفايا الصراع ومحركات استدامة العداء

بصرف النظر عن التصريحات المتضاربة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وبعض القادة الإيرانيين بشأن التوصل إلى اتفاق عامٍ وشاملٍ ينهي الحرب الدائرة بين إيران وكل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وسواء كانت تأكيداً على اتصالاتٍ جدية بين طرفي الصراع أم "تكتيكيةً" من جانب ترمب بهدف "خفض أسعار الطاقة وكسب الوقت لخططه" كما قالت وزارة الخارجية الإيرانية، فإن التأكيد والنفي يكشفان عما هو أعمق من مجرد خلافٍ واختلافٍ في التفكير والأداء بين ذهنية رجل الصفقات الأميركي المتعجل للخروج من هذا المأزق وعقلية حائك السجاد الإيراني المتمهل الذي يبدو كأنه لم يعد لديه شيءٌ ليخسره، ويذهب بنا هذان التناقضان إلى جوهر هذا الصراع الذي لا يمكن لأي اتفاق أن يجتثه من جذوره ويمنع هذه الحرب من أن تتكرر وتلد حروباً أخرى.

مشاهد الدم والدمار وسحب الدخان التي تعالت في سماء الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأربعة الماضية لم تكن جديدةً على المنطقة، لكنها أعادت بشكلٍ أكثر دراماتيكية رسم صورة المشهد القائم في هذه المنطقة منذ قيام إسرائيل في 14 مايو/أيار 1948. وتكرر طرح ذات الأسئلة الكبرى حول مستقبل العلاقة بين هذا الجزء الحيوي من العالم والولايات المتحدة الأميركية التي تتسيد النظام العالمي اليوم منذ نهاية الحرب الباردة عام 1990.

لطالما كان البحث دائماً يتركز دون نتائج على إمكانية أن يحل السلام بديلاً عن النزاع الذي كان أساسه الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ليتحوَّل اليوم إلى صراع أيديولوجي وجيوسياسي أوسع خصوصاً بعد أن انضمت إليه إيران منذ أول يوم على اندلاع الثورة في طهران وقيام "الجمهورية الإسلامية" قبل 47 عاماً. وزادت من تعقيدات هذا الصراع طموحات طهران النووية وبرنامجها الصاروخي وتدخلاتها في شؤون الكثير من البلدان العربية والتي تفاقمت اليوم أكثر بالاعتداءات غير المبررة لإيران على دول الخليج المجاورة.

رغم التأكيدات المتكررة لإيران على سلمية مشروعها النووي وأنه مخصصٌ لأغراض مدنية فإن ظلالاً من الشك وعدم اليقين ظلت تحيط بمصداقية تصريحاتها وتتهمها بعدم الشفافية

سحب الدخان تلك لم تكن لتحجب "الحقائق الأساسية" لهذا الصراع المرير والمستفحل خصوصاً بين الجانبين الإيراني والأميركي، وتطلق السؤال ذاته عما إذا كان تجنب الحرب الدائرة اليوم قد بات مستحيلاً. المشهد المأساوي الراهن للحرب الضروس الدائرة الآن لا يبرر تماماً حدوثها ولا يجيب في الوقت نفسه عن السؤال الأهم السالف طرحه.

 شرارة هذا الصراع كانت في الأساس قد جاءت من فكرةٍ تفتق عنها ذهن قائد "الثورة الإسلامية" في إيران، الخميني، وهي أن إسرائيل كيانٌ "يجب أن يكون مصيره الزوال" وأن الولايات المتحدة هي "الشيطان الأكبر"، وتولدت في مقابل هذه الفكرة فكرة أخرى مقابلة لدى تل أبيب وواشنطن وهي أنه دون إسقاط حكم "الولي الفقيه" لا يمكن ضمان مستقبل إسرائيل ولا المصالح الاستراتيجية لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط، ففي هذا المناخ من "الأوهام" لدى الجانبين تولدت محركات للخلاف وقادت إلى صعوبات في الاتفاق وانتهت إلى توترات معقدة أفضت في النهاية إلى ما نشهده اليوم.

رويترز
طائرتان من طراز إف/إيه-18 سوبر هورنت على سطح حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن"، من فئة نيميتز، لدعم عملية "الغضب الملحمي" التي استهدفت إيران من موقع لم يُكشف عنه في 3 مارس

ينشغل كثيرون اليوم بما هو مرحليٌ وآنيٌ عما هو تاريخيٌ لجذور هذا الصراع أو مستقبلي من تطورات محتملة له، ويحول هذا الالتباس دون فهمٍ أعمق وأدق لتفاعلاته التي يتم اختزالها في قضية واحدة أو مشكلتين أو ثلاث من قبيل الخلاف النووي والتهديد الصاروخي ووكلاء طهران في بعض بلدان الإقليم.

محركات الخلاف وديناميكيات العداء

واقع الأمر أن المخاوف من قرب امتلاك إيران سلاحاً نووياً ثم الخشية من تطوير صواريخها الباليستية لتصل بقنابل أسلحة الدمار الشامل النووية إلى أوروبا والولايات المتحدة، بحسب المزاعم الإسرائيلية، لم تكن أكثر من ذرائع لتبرير الذهاب إلى الحرب، مثلما حدث ذلك عندما اخترعت واشنطن فزاعة امتلاك العراق لهذه الأسلحة وخشيتها من أن تصبح في متناول تنظيم "القاعدة". أي إن الحرب تحتاج كالعادة ما يبرر اندلاعها أيا كانت كلفتها المادية والأخلاقية والإنسانية، كما يعمل على إيجاد غطاءٍ لدوافعها الأساسية.

رغم التأكيدات المتكررة لإيران على سلمية مشروعها النووي وأنه مخصصٌ لأغراض مدنية فإن ظلالاً من الشك وعدم اليقين ظلت تحيط بمصداقية تصريحاتها وتتهمها بعدم الشفافية والتلاعب في الكشف عن تفاصيل هذا المشروع، فالوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة اعتبرت في أحدث تقريرٍ سريٍ لها أن إيران تماطل في السماح للوكالة بتفتيش جميع مواقعها النووية، ويشير التقرير إلى أصفهان بوصفها موقع اهتمام "بسبب منشأة تخصيبٍ جديدة ويورانيوم قريب من درجة الاستخدام في صنع القنبلة كان مخزنا هناك".

أنحت الوكالة باللائمة على إيران لعدم تقديم تقارير بشأن حالة منشآتها النووية التي تعرضت لهجمات بخصوص "المواد النووية المرتبطة بها، كما لم تسمح لمفتشيها بالوصول إلى تلك المواقع".

ما من شعارٍ رفعه المتقاتلون في هذه الحرب يمكنه إخفاء الذرائع والخلفيات الدينية له، فالإيرانيون يعتقدون أنهم يواجهون اليوم شكلاً جديداً من الحروب الصليبية ضد الإسلام

كل ذلك يعني أن المشروع النووي لإيران سوف يظل يمثل "العقدة" العصية على الحل والعقبة الكبرى أمام كل جهود وفرص التوصل إلى اتفاق جدِّيٍ لإنهاء النزاع مع طهران بشكل حاسمٍ ونهائي وينعكس سلباً على معالجة بقية الملفات الخلافية الأخرى.

 الصورة النمطية

 تختزن الذاكرة السياسية لدى الطرفين، الإيراني والغربي بوجهٍ عام، صورة سلبية وبالغة السوء عن بعضهما البعض، فالغرب الأميركي تحديداً لا يعدو في نظر إيران أن يكون نموذجاً للشر المُطلق أو "الشيطان الأكبر" ليس فقط بسبب دعمه لإسرائيل واحتلالها للأراضي العربية ولكن أيضاً لأن الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا تحديداً هما سبب كل الحروب والمظالم الواقعة على العالم الإسلامي، ولأن الغرب في الأساس يشكل في العقيدة الدينية والسياسية لطهران نقيضاً وتهديداً وجودياً لها، غير أن هذا لا يمنع من وجهة نظر كثيرين من أتباع نظام "الولي الفقيه" من الاستفادة من علوم الغرب وتقدمه التكنولوجي حيث ابتعث بعض هؤلاء أبناءهم وبناتهم للدراسة والعمل والعيش في الولايات المتحدة وأوروبا.

من حيث السوء أيضاً لا تختلف صورة إيران في العقل السياسي الغربي عن كونها نطام حكمٍ ثيوقراطي يزعم أنه يستمد سلطته من الله وقائمٌ على تطبيق الدين وفق منظوره الخاص للإسلام الذي يختلف كثيراً مع ما هو جار في أغلب البلدان الإسلامية.

كما يأخذ كثيرٌ من الغربيين على إيران مصادرتها الحقوق والحريات المدنية والسياسية العامة لمعظم أبناء قومياتها وأقلياتها المختلفة بما في ذلك قمع الأصوات "الإصلاحية" من داخل النظام نفسه غير المعارضة له بشدة.

قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إنه "يشعر بالفزع إزاء تصاعد العنف الذي تمارسه قوات الأمن ضد المتظاهرين في جميع أنحاء إيران"، حيث تشير التقارير إلى مقتل المئات واعتقال الآلاف. وحث تورك السلطات الإيرانية على الوقف الفوري لجميع أشكال العنف والقمع ضد المتظاهرين السلميين، وإعادة الوصول الكامل إلى الإنترنت وخدمات الاتصالات. كما دعا إلى المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة.

الدوافع الدينية

ما من شعارٍ رفعه المتقاتلون في هذه الحرب يمكنه إخفاء الذرائع والخلفيات الدينية له، فالإيرانيون يعتقدون أنهم يواجهون اليوم شكلاً جديداً من الحروب الصليبية ضد الإسلام، خصوصاً بعد أن أظهرت صور عشية اندلاع الحرب لمجموعة من القساوسة في المكتب البيضاوى يتحلقون خلف الرئيس الأميركي ويدعون الله لنصرته في هذه الحرب، وهذا إلى جانب تقارير أفادت بشكاوى لضباطٍ وجنودٍ في الجيش الأميركي من تحويل هذه المواجهة مع إيران باسم الرب.

المواجهة القائمة الآن تتم في ظل هيمنة قيادات شديدة التطرف على مراكز القرار اليوم في كل من إيران وإسرائيل وتأثيرٍ واضحٍ لفريق يمينيٍ فاعلٍ يحيط بالرئيس الأميركي دونالد ترمب

بينما أكد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أن طهران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي استناداً إلى "فتوى قائد الثورة الاسلامية" في هذا الشأن الراحل علي خامنئي. وبدا أن هذا الموقف لم ولن يكون كافياً لتبديد مخاوف واشنطن والغرب عموماً إزاء سعي إيران للحصول على قنبلة نووية حتى وإن صدر هذا الموقف عن أعلى سلطة أو مرجعيّةٍ روحية لنظام حكم الملالي حيث قال مارك روبيو، وزير الخارجية الأميركي: "نحن نتعامل مع رجال دين شيعة متشددين يتخذون قراراتهم الجيوسياسية بناءً على الدين ولم يسبق لأحدٍ أن نجح في التوصل إلى اتفاقٍ مع إيران". وأضاف أنه "لا يُمكن التفاوض معهم على فنجان قهوة فهؤلاء متشددون ينظرون لكل شيء من منظور ديني".

الواقع أيضاً أن الدوافع الدينية المعروفة والمعلنة في بعض أوساط الغرب المسيحي والأوساط التوراتية في إسرائيل وغيرها، وليست السياسية أو الأمنية وليس القومية فحسب، هي التي كانت وراء الرفض القاطع في واشنطن والغرب الأوروبي وكذلك في إسرائيل لتطمينات "المرشد الأعلى" الإيراني، من أن إيران الشيعية لا تنوي أن تصبح "الدولة الإسلامية النووية الثانية" بعد جارتها السنية باكستان.

وظهرت تحذيرات من "الطابع المقدس" بين "أجندتين كارثيتين"، أي أجندة "إسرائيل الكبرى" وأجندة "عودة الإمام المغيب" في إيران. من هنا تأتي صعوبة بناء الثقة بين الجانبين وتتضح استحالة قبول أي منهما لتطمينات الطرف الآخر، فالأميركيون مقتنعون بأن "فتوى المرشد الإيراني الأعلى" إن تأكدت صحتها ليست سوى انحناءةٍ مؤقتةٍ لحين مرور العاصفة، وأنه لا بديل عن "تصفير" عمليات تخصيب اليورانيوم إلى جانب مطالب أخرى تمنع طهران من العودة إلى استئناف بناء مشروعها النووي، على رأس تلك المطالب تقزيم برنامجها الصاروخي حيث حذر الرئيس الأميركي ووزير خارجيته من إمكان أن تتجاوز صواريخ إيران الباليستية إسرائيل لتصل إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

 ‏كل ذلك يبرهن على أن العامل الديني أو العقائدي يظل محركا لمساعي إيران ليس فقط بشأن البرنامج النووي أو الصاروخي ولكن كذلك بسبب دعم وتمويل إيران لبعض المجموعات والفصائل الشيعية في بلدان عربية عدة كالعراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرهما، وهو ما يفسر في رأي الولايات المتحدة زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج والجزيرة العربية ذات الأهمية الحيوية والاستراتيجية ليس بالنسبة للشرق الأوسط فقط ولكن بالنسبة للعالم كذلك.

عوامل جديدة ذات خطورة إضافية

إلى جانب كل ما تقدم، فإن المواجهة القائمة الآن تتم في ظل هيمنة قيادات شديدة التطرف على مراكز القرار اليوم في كل من إيران وإسرائيل وتأثيرٍ واضحٍ لفريق يمينيٍ فاعلٍ يحيط بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لا تستطيع واشنطن اليوم إعادة حاملات طائراتها، لما سيكون لهذا من ضرر على هيبتها وسمعتها، لكنها تعلم أيضا أن الذهاب نحو نهاية أبعد للحرب يمكن أن تنجم عنه مشكلة وأزمة لا تقل خطورة عن البرنامج النووي أو المشروع الصاروخي لإيران

وبالإضافة إلى ذلك فدائرة الحرب صارت أوسع ولم تعد مباشرة أو تقتصر على تراب إيران وإسرائيل ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة بل شملت كذلك دول الخليج العربية التي بات من غير المستبعد أن تضطر إلى الرد على اعتداءات إيران عليها.

ثم هناك عنصر آخر في الصراع ويتمثل في خطر صواريخ إيران البالستية وطائراتها المسيرة الموجودة بحوزة ميليشيات "الحوثيين" الموالية لطهران في اليمن، والتي دخلت السبت الماضي للمرة الأولى في المواجهة الإقليمية من خلال إطلاق صاروخ على إسرائيل. هذا بعدما كانت طهران قد ألمحت إلى إمكان تهديد أمن وسلامة الملاحة الدولية في منطقة جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، من خلال هذه الميليشيات تحديدا كما كان يحصل طيلة "حرب غزة".

أ ف ب
يلوح متظاهرون بالأعلام الإيرانية أثناء تجمعهم في مسيرة لدعم "المرشد" الجديد في ساحة "انقلاب" بوسط طهران في 9 مارس 2026

والخلاصة أن هناك في الغرب "المادي الرأسمالي" ما يمكن اعتباره عدم فهم متعمد لـ"روحية" إيران، كما هي، كأمةٍ وبلدٍ يضربان بجذورهما في أطناب التاريخ ولهما موروثهما الثقافي المختلف كثيراً حتى عن جيرانهما العرب والباكستانيين والأفغان والأتراك وغيرهم في الشرق الأوسط، يقابل هذا موقفٌ فلسفي مقصودٌ مغايرٌ ومخالف للغرب في إيران ابتداء من شكل النظام السياسي وليس انتهاءً بطريقة العيش والمأكل والملبس.

وقد فشلت إيران في تغيير نفسها من الداخل وتحسين صورتها أمام الخارج. كما تعثرت في التكيف مع متغيرات العالم وتقلب مناخاته السياسية ومصالحه الاقتصادية، وفي المقابل انقسم الغرب في موقفه تجاه إيران خلال الحرب الدائرة الآن بين واشنطن وتل أبيب اللتين ذهبتا إلى أبعد مدى في استهدافهما العسكري لإيران، وبين أوروبا الحائرة والمترددة وغير القادرة على اتخاذ قرار موحد سواء للمشاركة في الحرب أو كبح جماحها وإقناع طرفيها بالجلوس على طاولة الحوار لإنقاذ العالم من عواقبها.

‏لا تستطيع واشنطن اليوم إعادة حاملات طائراتها من منتصف الطريق الذي قطعته، لما سيكون لهذا من ضرر على هيبتها وسمعتها لكنها تعلم أيضا أن الذهاب نحو نهاية أبعد للحرب يمكن أن تنجم عنه مشكلة وأزمة لا تقل خطورة عن البرنامج النووي أو المشروع الصاروخي لإيران وتدخلاتها في شؤون الدول المنطقة، تلك الأزمات يمكن أن تُلحق بمكانة أميركا وصورتها الضرر ذاته.

المشكلة إذَن ليست في انعدام الحلول أو في الخلاف على مبادئها إن تم الاتفاق عليها بل في التفاصيل التي يظهر من بينها الشيطان. لذلك، ودون تشاؤم، يبدو العداء مستحكماً على مستقبل العلاقة بين إيران وخصومها في الغرب، والحل وفق هذا مستعص، والسلام بناءً على كل ذلك بعيد المنال.

font change

مقالات ذات صلة