على الرغم من قسوة ظروف الحرب، أعلن "مجلس بلدية العاصمة الإيرانية طهران" إلغاء تسمية أحد شوارع المدينة باسم لاعب كرة القدم الإيراني الأشهر علي دائي، مُقترحاً استبداله بـ"شهداء مدرسة ميناب"، التي استهدفتها غارة أميركية في ثاني أيام الحرب. المجلس برر قراره تجاه اللاعب الإيراني المعروف بخلفيته القومية الأذرية في بيان رسمي قال فيه: "إن هذا القرار يأتي في ظل استياء شعبي من صمت بعض الشخصيات والرموز تجاه الظروف الحربية الحالية التي تمر بها البلاد"، قاصداً تفاعل دائي مع مؤسسات ودعاية السلطات الرسمية في البلاد.
بعد القرار بيوم واحد، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية عن اعتقال 25 شخصاً في محافظة أذربيجان الغربية، ذات الغالبية القومية الأذرية، بتهم تشمل "نشر الشائعات" وتوثيق "أعمال تخريبية" وإرسالها إلى "شبكات معادية". وهي التُهم التقليدية التي توجهها السلطات الإيرانية إلى النشطاء السياسيين الإيرانيين من أصول أذرية.
تشكل الحادثتان نموذجاً عن عشرات أخريات، إذ يوثق وينشر النشطاء والمثقفون والساسة الإيرانيون من أبناء القومية الأذرية حوادث يومية خاصة بهم، يؤكدون أن كل واحدة منها تدل على تعرضهم للاضطهاد السياسي والثقافي والاقتصادي في البلاد، مؤكدين ارتياب أجهزة الأمن و"الحرس الثوري" الإيراني منهم، لأنهم "جماعة قومية كبيرة وتشغل منطقة جغرافية استراتيجية"، كما كتب أحد المعلقين على قرار تغيير اسم الشارع، مضيفاً أن "عددا لا يُحصى من اللاعبين والفنانين والشعراء والموسيقيين المشهورين عبّروا عن رفضهم للحرب ودعموا الاحتجاجات الشعبية طوال السنوات الماضية، لكن لم يتم تغيير اسم أي شارع، إلا الخاص بعلي دائي".
ثلاثة أطياف سياسية من الأذريين
حسب الإحصاءات غير الرسمية، فإن تعداد الأذريين في إيران يتراوح بين 15-20 مليون نسمة، يشكلون الغالبية المطلقة للمحافظات الشمالية الغربية الأربع: أذربيجان الشرقية، أذربيجان الغربية، أردبيل، وزنجان. تشكل الحرب الحالية وصعود النقاش العام، الداخلي والخارجي، بشأن مستقبل الدولة والنظام السياسي في إيران مناسبة للكشف عن آراء ومواقف الأذريين الإيرانيين، التي تنقسم إلى ثلاثة مستويات واضحة ومتباينة فيما بينها حسب رأي المتابعين.
ثمة المندمجون في هياكل مؤسسات الدولة وأجهزة السلطة الإيرانية، الذين يعتبرونها دولتهم ونظامهم السياسي. مستندين إلى تزعم "المرشد" الثاني علي خامنئي، ذي الخلفية العرقية الأذرية، سُدة الحكم في البلاد، ومن بعده نجله مُجتبى خامنئي، ومثلها رئيس الجمهورية الحالي مسعود بيزشكيان والكثير من الوزراء والمسؤولين من الدرجة الأولى من أبناء القومية الأذرية كدليل على ذلك.

غالباً ما يأتي هؤلاء من مرجعيات سياسية ذات خلفية أيديولوجية دينية/طائفية. إذ يعتبرون النظام السياسي الحاكم في إيران خاصا بالشيعة الإثنى عشرية، بغض النظر عن الخلفية العرقية لحكامها. إذ يشكل أعضاء شبكات رجال الدين وكبار التجار ورجال الأعمال المحليون وزعماء العشائر وكبار موظفي مؤسسات الدولة في المناطق الأذرية عضد هذه الطبقة الاندماجية.
وعلى النقيض منهم تماماً، ثمة "القوميون الأذريون"، الذين يعتبرون الهوية الدينية/الطائفية للدولة والنظام السياسي في البلاد مجرد ستار أمام الهيمنة القومية الفارسية، التي تمتد إلى بدايات القرن التاسع عشر حسب رأيهم، حين قُسمت "أذربيجان التاريخية" بين إيران "القاجارية" وروسيا "القيصرية" وقتئذ. وتتراوح مطالب التيارات السياسية المعبرة عن هؤلاء بين الدعوة إلى الحكم الذاتي والفيدرالية والكونفدرالية وصولاً لطلب الاستقلال، وحتى المطالبة بعودة الاندماج بدولة أذربيجان. وغالباً ينتمي هؤلاء للأحزاب القومية الأذرية، التي تنشط خارج إيران، وتتلقى دعماً من عدد من الدول الإقليمية، لكنها تنظيمات سياسية أقل شهرة ونفوذاً من نظيراتها الكردية والبلوشية الإيرانية.
