أذريو إيران.. القنبلة الباردة

طرأت تحولات على الشرائح العمرية الأحدث من الأذريين الإيرانيين، والتي سمحت لهم بمراكمة مزيد من الوعي القومي والقدرة على الانتظام الداخلي

أ ف ب
أ ف ب
عناصر الشرطة الايرانية يحاولون تفريق متظاهرون اذريون يرفعون لافتة كتب عليها "تحيا أذربيجان" خارج وزارة الثقافة الايرانية في طهران في 28 مايو 2006

أذريو إيران.. القنبلة الباردة

على الرغم من قسوة ظروف الحرب، أعلن "مجلس بلدية العاصمة الإيرانية طهران" إلغاء تسمية أحد شوارع المدينة باسم لاعب كرة القدم الإيراني الأشهر علي دائي، مُقترحاً استبداله بـ"شهداء مدرسة ميناب"، التي استهدفتها غارة أميركية في ثاني أيام الحرب. المجلس برر قراره تجاه اللاعب الإيراني المعروف بخلفيته القومية الأذرية في بيان رسمي قال فيه: "إن هذا القرار يأتي في ظل استياء شعبي من صمت بعض الشخصيات والرموز تجاه الظروف الحربية الحالية التي تمر بها البلاد"، قاصداً تفاعل دائي مع مؤسسات ودعاية السلطات الرسمية في البلاد.

بعد القرار بيوم واحد، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية عن اعتقال 25 شخصاً في محافظة أذربيجان الغربية، ذات الغالبية القومية الأذرية، بتهم تشمل "نشر الشائعات" وتوثيق "أعمال تخريبية" وإرسالها إلى "شبكات معادية". وهي التُهم التقليدية التي توجهها السلطات الإيرانية إلى النشطاء السياسيين الإيرانيين من أصول أذرية.

تشكل الحادثتان نموذجاً عن عشرات أخريات، إذ يوثق وينشر النشطاء والمثقفون والساسة الإيرانيون من أبناء القومية الأذرية حوادث يومية خاصة بهم، يؤكدون أن كل واحدة منها تدل على تعرضهم للاضطهاد السياسي والثقافي والاقتصادي في البلاد، مؤكدين ارتياب أجهزة الأمن و"الحرس الثوري" الإيراني منهم، لأنهم "جماعة قومية كبيرة وتشغل منطقة جغرافية استراتيجية"، كما كتب أحد المعلقين على قرار تغيير اسم الشارع، مضيفاً أن "عددا لا يُحصى من اللاعبين والفنانين والشعراء والموسيقيين المشهورين عبّروا عن رفضهم للحرب ودعموا الاحتجاجات الشعبية طوال السنوات الماضية، لكن لم يتم تغيير اسم أي شارع، إلا الخاص بعلي دائي".

ثلاثة أطياف سياسية من الأذريين

حسب الإحصاءات غير الرسمية، فإن تعداد الأذريين في إيران يتراوح بين 15-20 مليون نسمة، يشكلون الغالبية المطلقة للمحافظات الشمالية الغربية الأربع: أذربيجان الشرقية، أذربيجان الغربية، أردبيل، وزنجان. تشكل الحرب الحالية وصعود النقاش العام، الداخلي والخارجي، بشأن مستقبل الدولة والنظام السياسي في إيران مناسبة للكشف عن آراء ومواقف الأذريين الإيرانيين، التي تنقسم إلى ثلاثة مستويات واضحة ومتباينة فيما بينها حسب رأي المتابعين.

ثمة المندمجون في هياكل مؤسسات الدولة وأجهزة السلطة الإيرانية، الذين يعتبرونها دولتهم ونظامهم السياسي. مستندين إلى تزعم "المرشد" الثاني علي خامنئي، ذي الخلفية العرقية الأذرية، سُدة الحكم في البلاد، ومن بعده نجله مُجتبى خامنئي، ومثلها رئيس الجمهورية الحالي مسعود بيزشكيان والكثير من الوزراء والمسؤولين من الدرجة الأولى من أبناء القومية الأذرية كدليل على ذلك.

 أ ف ب
الرئيس الايراني الاسبق محمود أحمدي نجاد يتسلم قميص الفريق الايراني من اللاعب الشهير علي دائي قبيل توجه الفريق الى ألمانيا للمشاركة في بطولة العالم لكرة القدم في 3 يونيو 2006

غالباً ما يأتي هؤلاء من مرجعيات سياسية ذات خلفية أيديولوجية دينية/طائفية. إذ يعتبرون النظام السياسي الحاكم في إيران خاصا بالشيعة الإثنى عشرية، بغض النظر عن الخلفية العرقية لحكامها. إذ يشكل أعضاء شبكات رجال الدين وكبار التجار ورجال الأعمال المحليون وزعماء العشائر وكبار موظفي مؤسسات الدولة في المناطق الأذرية عضد هذه الطبقة الاندماجية.

وعلى النقيض منهم تماماً، ثمة "القوميون الأذريون"، الذين يعتبرون الهوية الدينية/الطائفية للدولة والنظام السياسي في البلاد مجرد ستار أمام الهيمنة القومية الفارسية، التي تمتد إلى بدايات القرن التاسع عشر حسب رأيهم، حين قُسمت "أذربيجان التاريخية" بين إيران "القاجارية" وروسيا "القيصرية" وقتئذ. وتتراوح مطالب التيارات السياسية المعبرة عن هؤلاء بين الدعوة إلى الحكم الذاتي والفيدرالية والكونفدرالية وصولاً لطلب الاستقلال، وحتى المطالبة بعودة الاندماج بدولة أذربيجان. وغالباً ينتمي هؤلاء للأحزاب القومية الأذرية، التي تنشط خارج إيران، وتتلقى دعماً من عدد من الدول الإقليمية، لكنها تنظيمات سياسية أقل شهرة ونفوذاً من نظيراتها الكردية والبلوشية الإيرانية.

حسب الإحصاءات غير الرسمية، فإن تعداد الأذريين في إيران يتراوح بين 15-20 مليون نسمة، يشكلون الغالبية المطلقة للمحافظات الشمالية الغربية الأربع

بين الطرفين، ثمة "الإصلاحيون الأذريون"، الذين يدعون إلى تعزيز مكانة ودور الأذر ضمن الدولة الإيرانية من خلال دستور ومؤسسات الدولة الإيرانية، عبر مزيد من الاهتمام باللغة والثقافة الأذريتين، وسن أنواع من القوانين التي تُسبغ الشرعية على أشكال من الحكم اللامركزي وتحفظ خصوصية المؤسسات وهوية الفضاء العام في المناطق الأذرية. يحمل المؤمنون بهذا التوجه انتقادات واسعة للاندماجيين والانفصاليين في الآن عينه، متهمين إياهم إما بالانجرار لمصالحهم الخاصة، أو عدم الارتكان لقراءة سياسية واقعية لفهم أوضاع ومستويات تداخل الأذريين مع الدولة والمجتمع في إيران. وغالبا ما ينتمي هؤلاء إلى خلفيات ثقافية وأكاديمية وفنية، ويؤثرون بكثافة على الشُبان والطلبة وأبناء المُدن. 

ارتباك سياسي

يُشير الباحثون المختصون بالشأن الإيراني إلى اختلاف جذري بين مطالب التنظيمات السياسية الأذرية في إيران، وبين نظرائها من أبناء القوميات الإيرانية من غير الفرس، كالكرد والعرب والبلوش. فالآخرون وإن كان النظام السياسي يجهد بحزم من سنوات كثيرة على قمع حركاتهم السياسية ذات التوجهات القومية، التي ترفع مطالب على أساس الجغرافيا والمطالبة بتقاسم السيادة السياسية والرمزية مع نظرائهم الفرس، إلا أنها أحزاب كثيفة الحضور والتأثير والفاعلية في الأوساط الشعبية لمجتمعاتهم، ولم تتمكن المؤسسات الدينية وطبقات رجال الأعمال وزعماء العشائر من مزاحمة دور هذه التنظيمات السياسية في مجتمعات هذه الأقليات القومية. وهو شرط غير متوفر في الحيز الأذري. 
فبعد الحرب التي وقعت في صيف عام 2025، وبروز توجهات تؤكد أن الحرب سوف تتكرر في الأفق القريب، تمكن 11 تنظيماً سياسياً أذرياً إيرانياً من تشكيل "مجلس التعاون لمنظمات وأحزاب جنوب أذربيجان". وجهوا فيه بياناً عالي اللهجة إلى النظام الإيراني جاء فيه: "لم يعد خافياً على أحد أن الشعب الأذربيجاني، أكبر مجموعة قومية في إيران، يواجه قمعاً وظلماً شديدين منذ سنوات طويلة. لقد أنفق النظام الثيوقراطي موارد البلاد على مغامرات أيديولوجية لا قيمة لها سوى حماية وجوده، واحتجز أرواح وممتلكات الشعب كرهائن... في مثل هذه الظروف، لا يملك الشعب الأذري خياراً سوى تنظيم دفاعه عن نفسه، ونحن على ثقة بأن الدول والشعوب المجاورة التي تدعم السلام والاستقرار، فضلاً عن القوى التقدمية في العالم، ستكون معنا في هذا المسار". 
وقّع على البيان تنظيمات سياسية وقطاعية مثل "الحزب الديمقراطي الأذربيجاني"، و"الحزب المركزي لأذربيجان"، و"منظمة المقاومة الوطنية الأذربيجانية"، و"حركة الطلاب الأذربيجانية"، و"الحزب الجمهوري لجنوب أذربيجان"، و"حزب استقلال أذربيجان الجنوبية"، لكن الموقعين لم يُشيروا أو يحددوا الخطوات السياسية المستقبلية التي سيقومون بها.
المظاهرات الواسعة التي شهدتها المناطق الأذرية خلال شهري ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، في مُدن تبريز وأرومية وأردبيل، وصلت حد الاشتباك بين المتظاهرين ورجال الأمن، وخضوع "تجار البازار" لدعوات القوى السياسية الموقعة على البيان، لأول مرة في تاريخهم الحديث، دل على تحولٍ جذري في البنية السياسية الأذرية. 

تراكب بين الداخلي والإقليمي

في حديث مطول مع "المجلة" يشرح الناشط الإيراني الأذري عباس بدر وارثي التموضع السياسي للأذريين في إيران، رابطاً إياه بمجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية ذات البعد التاريخي، والتي تميزهم عن نظرائهم الأكراد والعرب والبلوش، متوقعاً أن يؤدي أي صِدام واسع بين الأذريين والفرس إلى تفكك عُرى الدولة الإيرانية نفسها، منبهاً إلى استحالة استمرار هذا النمط من تغليف المسألة الأذرية بالخطابات الوطنية والطائفية. 

سمحت وسائل التواصل الاجتماعي والزيادة في متابعة وسائل الإعلام التي تبث من الخارج باللغة التركية (اللهجة الأذرية)، وتضاعف مستويات القمع السياسي في عهدي أحمدي نجاد وروحاني، إلى مزيد من التضامن الداخلي على أساس عرقي أذري

يضيف وارثي الناشط في مجالات الحقوق السياسية والثقافية للأذريين قائلاً: "وجود جمهوريتي أذربيجان وتركيا على الحدود الغربية لإيران يُزيد المسألة الأذرية تعقيداً. فبينما تُظهر الدولتان دعماً ثقافياً وإعلامياً وحتى سياسياً مستداماً للأذريين منذ التأسيس الحديث للدولة الإيرانية بداية القرن العشرين، إلا أنهما تملكان حذراً أمنياً ومخاوف استراتيجية مستدامة من إمكانية صِدامهم مع الدولة الإيرانية. ولأجل ذلك دفعتا الأذريين أكثر من مرة لأن يكونوا توافقيين مع سلطات بلدهم، وأن لا يلجأوا لخيارات مواجهة مفتوحة معها في أي وقت. فتركيا تعتبر الارتباط الثقافي والوجداني الأذري عامل نفوذ لها داخل إيران، يوازي النفوذ الإيراني تجاه أكراد تركيا، لكنها تخشى دوماً من أن يؤدي صعود نزعتهم القومية لإمكانية تفكيك أو إضعاف الدولة الإيرانية وقدرتها على الإمساك بزمام السيادة التامة على البلاد. فحدوث هذا الشيء سيؤذي الأمن القومي التركي. أذربيجان تملك النزوع نفسه تجاه الأذر، لكنها مليئة بالخشية من الرد الإيراني داخل إقليم القوقاز، والذي قد يؤذي المصالح وشكل استقرار أذربيجان، بالذات مع أرمينيا. كذلك تحرص أذربيجان على خلق نوع من التوازن الطائفي ضمن المجموعة العرقية التركية، ولا ترى مصلحة في جنوح أذريي إيران تماماً لصالح تركيا". 

 أ ف ب
انقاض مدرسة ميناب للبنات التي تعرضت الى قصف من الطائرات الاميركية في 28 فبراير

لكن الناشط عباس بدر وارثي يشير أيضا إلى تحولات طرأت على الشرائح العمرية الأحدث من الأذريين الإيرانيين، والتي سمحت لهم بمراكمة مزيد من الوعي القومي والقدرة على الانتظام الداخلي، ويقول: "سمحت وسائل التواصل الاجتماعي والزيادة في متابعة وسائل الإعلام التي تبث من الخارج باللغة التركية (اللهجة الأذرية)، وتضاعف مستويات القمع السياسي في عهدي الرئيسين أحمدي نجاد، وحسن روحاني، إلى خلق مزيد من أشكال التضامن الداخلي على أساس عرقي أذري. ففي إيران اليوم ثمة مساحات من الفعل الثقافي والاقتصادي وحتى السياسي ذي الهوية الأذرية الخالصة. فأشياء مثل تحقيق المدن الأذرية أعلى مستويات الاحتجاج العام خلال السنوات الماضية، وحدوث صِدامات سياسية وشعبية بين الأكراد والأذر أكثر من مرة في المناطق المشتركة بينهما، والهتافات التي تشهدها مناسبات مثل مباريات كرة القدم، كلها دلالة على ذلك المنحى، الذي لو تمثل في تنظيم سياسي فإنه سيكون بمثابة التهديد الفعلي لوحدة إيران، لأن الأذر ليسوا أقلية قومية، كما في حالة الأكراد والعرب والبلوش، بل العنصر العرقي الموازي للفرس في الدولة الإيرانية، وتفجر هويتهم سيعني تفجر إيران نفسها".

font change

مقالات ذات صلة