كل عام تعقد منظمة المجلس الاستشاري لبرمجيات الترفيه غير الهادفة للربح مؤتمرها السنوي في مدينة سان فرانسيسكو، الذي يعد أحد أبرز وأكبر التجمعات العالمية في مجال الأمن السيبراني.
لا تقتصر أهمية ذلك المؤتمر -الذي يسمى اختصارا "آر ساك"- على كونه يجمع عشرات الآلاف من الخبراء والشركات وصناع القرار، بل لأنه يعكس في الغالب الاتجاهات الكبرى التي ترسم ملامح النقاش السيبراني العالمي خلال العام، بدءا من الهجمات المتقدمة ووسائل الدفاع الرقمية، مرورا بالذكاء الاصطناعي وأمن البنية التحتية، وصولا إلى العلاقة المتزايدة بين التكنولوجيا والتنافس الجيوسياسي.
وفي نسخة عام 2026، التي انعقدت خلال الفترة من 23 إلى 26 مارس/آذار تحت شعار "قوة المجتمع" في مركز موسكوني، بدا المؤتمر مختلفا، مقارنة بالسنوات الأخيرة، إذ فرضت الحرب الجارية مع إيران نفسها كخلفية استراتيجية ثقيلة على كثير من النقاشات، حتى في الحالات التي لم تذكر فيها إيران صراحة ضمن العناوين الرسمية لبرنامج المؤتمر. وقد جمع الحدث قادة القطاع والباحثين والمبتكرين لمناقشة التهديدات الرقمية الملحة وتحديات أمن الذكاء الاصطناعي، والعمل على تطوير حلول فعالة لها.
زاد خصوصية هذه النسخة، أن المشهد الرسمي داخل المؤتمر اتخذ طابعا سياسيا مغايرا، فعلى الرغم من حضور عدد من الشخصيات والمسؤولين الأوروبيين، وبروز أصوات أوروبية في النقاشات المرتبطة بالتنظيم والمرونة السيبرانية، غاب عدد كبير من المسؤولين الفيديراليين الأميركيين الذين اعتادوا المشاركة في الدورات السابقة. وجاء هذا الغياب عقب انسحاب وكالات فيديرالية أميركية من المشاركة، وذلك بعد تعيين جين إيسترلي، المديرة السابقة لوكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، في منصب الرئيسة التنفيذية للمؤتمر في يناير/كانون الثاني 2026.
الغياب الأميركي
تشير هذه المعطيات إلى أن غياب الحضور الرسمي الأميركي لا يمكن فصله عن التوترات السياسية والمؤسسية داخل واشنطن، بالتوازي مع أزمة تمويل حادة طالت الجهة المعنية، نتيجة الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين في شأن تمويل صلاحيات الهجرة والجمارك وحدود الرقابة المفروضة عليها.
شكلت الحرب مع إيران إحدى أبرز الزوايا التي يمكن من خلالها قراءة ملامح مؤتمر هذا العام، ليس لأن اسم إيران طرح بشكل مباشر في جميع الجلسات، بل لأن تأثير الحرب بدا واضحا على مستويات متعددة داخل الحدث نفسه، سواء في حركة سفر ممثلي الشركات، أو في طبيعة النقاشات، أو في نوعية التهديدات التي تصدرت أجندة الأمن السيبراني. وبالتالي لم يكن السؤال المطروح هو ما إذا كان المؤتمر قد تناول إيران صراحة، بل كيف جعلت هذه الحرب القضايا السيبرانية الأكثر أهمية هذا العام أكثر إلحاحا وارتباطا بالواقع.

