يثير الحديث عن مدينة الإسكندرية شجونا متعددة، أولها شجن فقدان مدينة قديمة وفائقة في زمن تداعت فيه المدن واحدة تلو الأخرى، ثم شجن الشعور بالفوات عند قراءة تاريخ المدينة في المئة سنة الأولى من عمرها وكيف كانت تبدو مدينة أسطورية ومعجزة بشرية، انتهت فجأة وزالت ولم يبق لها أي أثر، وأيضا شجن الحنين إلى تعددية مثلتها هذه المدينة على مر عصورها وقامت عليها كمبدأ ميزها بين سائر المدن. وربما كانت حالات الشجن المتشعبة تلك هي الدافع وراء غالبية الأعمال الإبداعية التي تتناول سيرة المدينة، وتحاول القبض على لحظات من زمنها المفقود.
لكن، أي إسكندرية نعني؟ فالمدينة التي تلقب بعروس البحر المتوسط تغير وجهها مع تقلبات الزمن، وتعود من الفناء والموت مدينة جديدة تماما لا تشبه السابقة التي كانت موجودة في الموقع نفسه قبلها, قدر الإسكندرية أنها تتبدل، وأنه لا يمكن القبض أبدا على شكل ثابت لها.
وجه المدينة الأول: إسكندرية البطالمة
يقال إن الإسكندرية ولدت في حلم من أحلام الإسكندر، وإن كانت الحقيقة تؤكد أن ميلاد هذه المدينة كان في صندوق ذهبي، يقبع بجوار مخدع داريوس الثالث الذي كان ينام فيه الإسكندر، وكان بهذا الصندوق نسخة خاصة من "الإلياذة" لهوميروس، نقحها وعدلها للإسكندر خصيصا معلمه الفيلسوف أرسطو .
فإن كانت الروايات تتواتر حول زيارة هوميروس للإسكندر في منامه، وأنه أرشده إلى جزيرة في البحر المتوسط تدعى فاروس، ما دفع القائد المقدوني لاستلهام هذه الرؤية ووضع حجر الأساس لمدينته، فإن القراءة المتأنية للتاريخ تشير إلى أن جغرافيا المنطقة لم تكن غائبة تماما عن إدراك الإسكندر، خاصة مع الوجود اليوناني السابق له في مصر، وبالذات في مدينتي كانوبوس وهيراكليون (ضاحية أبي قير حاليا)، وذكر جزيرة فاروس صراحة في ملاحم هوميروس. لذا، فمن المرجح أن يكون اختيار الموقع قرارا درسه الإسكندر مسبقا، وأن قصة الإلهام الشعري ما هي إلا أسطورة نسجها الإسكندر لنفسه أو كتبت عنه لتكريس صورته كبطل ملحمي، يجمع بين القوة والرؤى الحالمة.






