أصبحت الصور الملتقطة للمقاتلين الأفارقة، سواء من المغرب العربي أو جنوب الصحراء الكبرى، الذين أسرتهم القوات الأوكرانية، موضوعا متكررا في وسائل الإعلام. ووفقا للسلطات الأوكرانية وباحثي المصادر المفتوحة والتحقيقات المستقلة، حدد أكثر من 1400 أفريقي من 35 دولة ينضوون تحت ألوية الجيش الروسي بين عامي 2023 و2025، وتأكد مقتل أكثر من 300 منهم.
وكان التفسير الذي تلى ذلك سريعا ومتسقا: الخداع والإكراه وشبكات التجنيد. إن حقيقة وجودهم في ساحة المعركة ليست موضع خلاف، لكن ما يثار حوله الجدل هو قدرة تلك السردية على فهم الظاهرة والإحاطة بمختلف جوانبها. تبدو سردية الخداع ملائمة، فهي تحدد الأدوار وتتجنب الأسئلة المحرجة وتخلق وهما بالفهم. ولهذا السبب تحديدا، تحتاج تدقيقا، لا سياسيا بل منهجيا.
إن المصدر الرئيس لهذه الرواية هو شهادات المقاتلين الأسرى، وهو مصدر لا يمكن التعويل عليه في التحليل. تعكس التصريحات التي يدلي بها الأسرى استراتيجية نجاة، وهو ما يشوه أي رواية على نحو جوهري. يعيش الأسير في ظل الخوف وعدم اليقين، ولديه حافز قوي لقول أي شيء يحسن فرصه في البقاء على قيد الحياة. وهذا ليس حكما أخلاقيا، بل سمة تميز هذا الوضع، وتمليها غريزة البقاء. إن بناء تفسير لظاهرة اجتماعية على هذا الأساس يعد خطأ منهجيا.
شارك المقاتلون الأفارقة في صراعات امتدت من الشيشان وأفغانستان وصولا إلى سوريا. وهذا ليس جديدا، ولا يقتصر على روسيا. فتجنيد الأجانب في البنى العسكرية ممارسة عالمية وراسخة تاريخيا. فالفيلق الأجنبي الفرنسي التابع للجيش الفرنسي يقبل متطوعين بغض النظر عن بلدانهم الأصلية، ولا يولي سوى قدر ضئيل من الاهتمام بوضعهم السابق أو وثائقهم. وتوفر القوات المسلحة الأميركية طريقا للحصول على الجنسية من خلال الخدمة العسكرية. كما زود الجيش البريطاني تاريخيا وحدات بأكملها بمجندين من نيبال، إذ يعود تاريخ لواء الغوركا إلى أكثر من قرنين، ويعد مصدر فخر مؤسسي، وليس موضع مساءلة أو تحقيق. وتجند شركات الأمن الخاصة الأفراد على مستوى العالم، بشكل علني ومؤسسي، ودون تدقيق إعلامي مفرط. وبالتالي يطرح سؤال منطقي نفسه: لماذا تقدم الحالة الروسية على أنها حالة شاذة؟

