هكذا صار الخطاب جزءا من صنع العمل الفني وتلقيه

حيث يغدو التمييز بين الأصل والنسخة مسألة إجرائية

 ANNE-CHRISTINE POUJOULAT / AFP
ANNE-CHRISTINE POUJOULAT / AFP
الفنانة الصربية مارينا أبراموفيتش خلال عرض السيرة: ريمكس" في مهرجان أفينيون، 2005

هكذا صار الخطاب جزءا من صنع العمل الفني وتلقيه

يفرض التأمل في الممارسة الفنية المعاصرة الانتباه إلى انقلاب عميق في موقع المادة داخل العمل، وذلك منذ منعطف الفن الجديد مع "نافورة" دوشان، حيث لم تعد الكتلة المادية أو السطح أو التشكيل -كما في بنائه الكلاسيكي- غاية في ذاته، وإنما غدت كلها وسيطا أنطولوجيا يتيح معاينة الفكرة في تجليها الحسي أو شبه الحسي، فتتراجع قيمة الحضور المادي لصالح بنية مفاهيمية تشكل جوهر التجربة الإستتيقية. ينشأ عن هذا التحول انفصال نسبي بين ما يرى وما يفكر فيه، حيث يشتغل العمل على إنتاج توتر بين المرئي والمفكر به، فيصير الإدراك الحسي مدخلا نحو بناء تصور ذهني يتجاوز حدود الشيء المعروض. وتتحول المادة إلى أداة تفعيل، أي إلى محفز إدراكي يفتح إمكانات التأويل، وتغدو الفكرة هي الحقل الذي تتحدد داخله قيمة العمل وفاعليته.

إعادة تعريف

يندرج هذا التحول ضمن أفق أوسع يتصل بإعادة تعريف ماهية العمل الفني ذاته، حيث يغدو العمل بنية مركبة تتداخل فيها عناصر مادية ولا مادية، وتتوزع عبر وسائط متعددة (ملموسة أو رقمية)، فيتخذ أشكالا متحولة تبعا للسياق والوسيط. تتأسس هذه البنية على تصور يعتبر أن العمل لا يقيم في مادته، وإنما في شبكة العلاقات التي تنتجه وتعيد إنتاجه، فتغدو الفكرة مركز الثقل، وتتحول المادة إلى تجل عابر أو إلى صيغة ممكنة من صيغ الظهور. يسمح هذا التصور بانفتاح العمل على احتمالات لا حصر لها، حيث يمكن الفكرة الواحدة أن تتجسد في أكثر من هيئة، أو أن تظل في حالة تعليق دون تجسد كامل، مكتفية بإشارات أو تعليمات أو آثار رقمية.

يتأكد هذا المسار مع بروز الممارسات المفاهيمية (الفن المفاهيمي) التي منحت الأولوية للفكرة على حساب الشكل والمادة، فصار العمل يتمثل في تصور أو مشروع أو بيان، وقد يكتفي بوجوده كنص أو كتعليمات قابلة للتنفيذ. في هذا الإطار، يغدو التنفيذ مجرد احتمال من احتمالات التحقق، وتفقد النسخة المنفذة امتيازها التقليدي، حيث تتساوى مع غيرها من التحققات الممكنة، فالأصل انعدم أمام قابلية التكرار. يفتح هذا المنظور المجال أمام تعددية في الصيغ، حيث يمكن العمل الواحد أن يوجد في أكثر من مكان وزمن وهيئة وأن يتخذ أشكالا مختلفة دون أن يفقد هويته، لأن هذه الهوية تقيم في بنيته المفاهيمية لا في مادته المحددة، وهذه البنية المفاهيمية أساسها الخطابي، أي مجموعة الأنواع الخطابية المرافقة للمنجز، من قصاصات تفسيرية وتوضيحية ونقدية أو حتى تعليمات إعادة الإنشاء في حالات معينة من أعمال التركيب الفني والفن الرقمي وغيرها. فالمعرض نفسه ذريعة خطابية، لأنه يتحول إلى حامل (جدران، أرضية، سقف...) لخطاب سردي معين.

صار العمل الفني يتمثل في تصور أو مشروع أو بيان، وقد يكتفي بوجوده كنص أو كتعليمات قابلة للتنفيذ

بالتالي، يتعزز هذا التوجه مع التحولات الرقمية التي أعادت صوغ العلاقة بين العمل ووسيطه، فصار العمل قابلا للتداول عبر شبكات غير مادية، ويتخذ هيئة بيانات أو إشارات قابلة للنسخ والتحويل دون فقدان جوهره. تترتب على ذلك، زعزعة مفهوم الأصل، لصالح التكرار، حيث تتكاثر النسخ دون أن تفقد قيمتها، ويغدو التمييز بين الأصل والنسخة مسألة إجرائية أكثر منها جوهرية، مثلما نلامسه في تجربة أندي وارهول. في هذا السياق، تتلاشى الحدود بين الحضور والغياب، حيث يمكن العمل أن يوجد دون أن يكون مرئيا بالمعنى التقليدي، مكتفيا بوجوده كملف أو كإشارة أو كخوارزمية أو كنسخ ميكانيكية تنتج صورا أو أحداثا وفق شروط محددة.

 TIMOTHY A. CLARY / AFP
زائرة تتأمل عمل "علب حساء كامبل" لآندي وارهول في متحف الفن الحديث في نيويورك، 2020

تجربة التلقي

تترتب على هذا الوضع إعادة تشكيل تجربة التلقي، حيث لم يعد المتلقي يواجه موضوعا ماديا مستقرا، وإنما ينخرط في عملية إدراك مركبة تتطلب تفعيل قدراته التأويلية والمعرفية، فيصير الفهم، بالمعنى الغاداميري (نسبة إلى الفيلسوف الألماني هانز غادامير) شرطا أساسيا للمعاينة، وتغدو الرؤية جزءا من عملية أوسع تشمل القراءة والتفكير والتخيل. بالتالي، ففي سياق المعاصرة، يواجه المتلقي عملا قد لا يقدم نفسه مباشرة، وقد يتطلب وسائط إضافية لفهمه، كالنصوص المرافقة أو السياقات المؤسسية، فيتوزع العمل بين ما يعرض وما يقال عنه، وتتداخل هذه المستويات لتنتج تجربة إستتيقية.

 STEPHANE DE SAKUTIN / AFP
موظف في "دار كريستيز" إلى جانب لوحة "كاليفورنيا" لإيف كلاين في باريس، 2025

يتصل هذا التحول أيضا بإعادة توزيع الأدوار داخل الحقل الفني، حيث يتجاوز الفنان موقع المنتج المادي نحو موقع المنشئ المفاهيمي، فيشتغل على بناء أفكار وتنظيم علاقات، ويترك للمادة وظيفة التنفيذ أو التفعيل، كما نعاين في تجربة الفرنسي إيف كلاين الذي يورط المتلقي عبر أعمال استفزازية توظف تارة اللون الأحادي وتارة الفراغ "المطلق" وأخرى تجعله في مواجهة عرض جسدي حيّ أو أمام دهشة القفز في الفراغ أو الانخراط في بناء مساحات وهمية واقتنائها بمقادير ذهب. يتقاطع هذا الدور مع دور المؤسسة التي تساهم في تأطير العمل وتقديمه، ومع دور المتلقي الذي يشارك في إنتاج معناه، فتتشكل بنية تشاركية تتوزع فيها المسؤولية بين أطراف متعددة. يعكس هذا التوزيع طبيعة العمل المعاصر بوصفه عملية جماعية تتجاوز حدود الفرد، ضمن دائرة يطلق عليها كل من أرثر دانتو وهاورد بيكر بعالم -أو عوالم- الفن، حيث المنجز الفني ليس صنيع "يد" الفنان فقط، إنما هو وليد دينامية تفاعلية بين أطراف فاعلين في "صناعته"، من الفنان نفسه والمؤسسة الحاضنة او العارضة والنقاد والإعلاميين والمنشورات والدوريات، وصولا إلى المتلقي، حيث تتعدد القصديات المتدخلة في بناء معنى العمل الفني، لتجعل منه حمال أوجه، منخرطا بوصفه غرضا ذهنيا في الحياة المعاصرة.

يفتح هذا الأفق إمكان التفكير في العمل الفني ككيان متعدد الوجود، حيث يمكن أن يكون مرئيا أو غير مرئي، ماديا أو رقميا، حاضرا أو مؤجلا، متحققا أو في طور الإمكان، وتبقى وحدته قائمة في بنيته المفاهيمية، المصحوبة بالخطاب، التي تمنحه تماسكه عبر هذه التحولات. ليغدو العمل بالتالي، شبكة من الإمكانات، ويتحول حضوره إلى حالة من العبور بين صيغ مختلفة، فتتراجع فكرة الثبات لصالح فكرة الحركة، وتتغير العلاقة بين الوجود والتمثيل داخل الممارسة الفنية.

الخطاب مسكن العمل الفني

ومنه، يستدعي النظر في تحولات الممارسة الفنية المعاصرة استحضار مفهوم الإقامة داخل الخطاب بوصفه انتقالا بنيويا في موقع المنجز الفني ووظيفته، حيث يغدو العمل حاملا لطبقات دلالية تتجاوز حضوره المادي نحو اشتغاله بعده وسيطا إنتاجيا للمعنى، وتتشكل قيمته داخل شبكة من العلاقات التداولية التي تحدد كيفية استقباله وتأويله ضمن سياقات ثقافية ومؤسساتية متحركة.

لم يعد المتلقي يواجه موضوعا ماديا مستقرا، وإنما ينخرط في عملية إدراك مركبة تتطلب تفعيل قدراته التأويلية

يفترض هذا التحول إعادة صوغ العلاقة بين المادة والتعبير، حيث لم يعد الشكل يحيل على مضمون ثابت أو متعال، ولكن بخلافه ينخرط في حركية سردية تضع الخطاب في مركز الفعل الفني، فيصير العمل أثرا لخطاب سابق أو مواز، ويغدو حضوره مشروطا بقدرة هذا الخطاب على توليد المعنى وإعادة توزيعه داخل الفضاء العام. يفرض هذا الوضع قراءة العمل من داخل منظومة تأويلية تتجاوز التلقي البصري المباشر نحو تحليل البنيات الخطابية اللغوية التي تنتجه وتعيد إنتاجه. يتجلى هذا التحول بوضوح في تجربة جوزيف كوسوث، خاصة في عمله "كرسي واحد وثلاثة كراس"، حيث يعرض كرسيا وصورته وتعريفا لغويا له، فتتوزع الدلالة بين الشيء وصورته ومفهومه، ويغدو العمل تمفصلا بين مستويات إدراكية متعددة، فينقل مركز الثقل من الكيان المادي نحو البنية المفاهيمية التي تنظم العلاقة بين هذه المستويات، ويجعل الخطاب ذاته جزءا لا ينفصل عن العمل. بالقدر ذاته الذي يتضح مع كتاباته التنظيرية التي لم تنفصل عن ممارسته الإستتيقية، وخاصة في مؤلفه "فن ما بعد الفلسفة وما بعد"، حيث لم يفصل بين الفن نفسه والمفاهيمية، معتبرا أنهما شيء واحد.

 by JULIEN DE ROSA / AFP
الفنان الأميركي جوزيف كوسوث خلال معرضه "السؤال" في باريس، 2025

يكشف هذا التمفصل عن انزياح جذري في مفهوم المنجز، حيث لم يعد العمل الفني موضوعا مكتفيا بذاته، وإنما أضحى حدثا خطابيا (نقديا، تنظيريا، فلسفيا، إستتيقيا...) يتشكل عبر تفاعل نصوص وصور ومؤسسات ووسائط، فتتعدد طبقاته وتتضاعف إمكاناته الدلالية. ينتج من هذا التعدد نوع من الازدواجية التي تجعل العمل قائما في مستويين متداخلين: مستوى مادي يتجسد في الشكل أو الصورة، ومستوى غير مادي يتأسس على الحكاية أو التصور أو الإطار المفاهيمي الذي يمنحه مشروعيته.

 SAUL LOEB / AFP
عمل للفنان لورنس وينر في متحف "غلينستون" في ماريلاند، 2018

تفرض هذه الثنائية قراءة مزدوجة أيضا، حيث لا تكفي معاينة العمل في حد ذاته، وإنما يتطلب الأمر تتبع مسارات إنتاجه الخطابي، بما يشمل البيانات المصاحبة له، والخطابات النقدية، واستراتيجيات العرض داخل المؤسسات الفنية. يمكن وفق هذا البعد، استحضار تجربة لورنس وينر (Lawrence Weiner) التي تقوم على تقديم العمل في هيئة جمل لغوية تصف فعلا ممكنا أو حالة مفترضة، حيث يصبح النص ذاته هو العمل، سواء تحقق ماديا أو ظل في مستوى الإمكان، فتغدو اللغة حاملة للفعل الفني، ويغدو التنفيذ خيارا من بين خيارات متعددة، مما يعمق فكرة الازدواج بين ما يمكن أن يوجد وما يوجد فعليا.

يرتبط هذا التحول بسياق أوسع يتصل بتحولات المجال الإعلامي وبروز ما يمكن تسميته بالاقتصاد الرمزي، حيث تتحدد قيمة العمل عبر قدرته على التداول داخل شبكات الاتصال وإنتاج الأثر داخل الفضاء العمومي. في هذا السياق، يغدو الخطاب أداة أساسية في تشكيل القيمة، إذ يساهم في بناء سرديات تمنح العمل حضورا يتجاوز حدوده الفيزيائية، وتتيح له الانتشار والتأثير، لأنه يصير قابلا أن يبلغ العدد الأكبر من المتلقين ويخاطبهم تبعا لآليات تلقيهم الخاصة. بينما تشتغل هذه السرديات ضمن أنظمة خطابية تتقاطع فيها سلطة المؤسسة مع خطاب الفنان وتلقي الجمهور، فتنتج من هذا التقاطع بنية معقدة تحدد موقع العمل داخل الحقل الفني.

تقاطعات

تبرز تجربة آندي وارهول، مثلما سبق وأكدنا، في هذا البعد، بوصفها لحظة مفصلية، حيث اشتغل على إعادة إنتاج صور استهلاكية وشخصيات عامة، فحوّل العمل إلى جزء من منظومة تداولية تتقاطع فيها الصورة والإعلام والسوق، وجعل من التكرار وسيلة لإبراز الطابع التداولي للصورة، فتغدو القيمة ناتجة من الانتشار والتداول أكثر من ارتباطها بفرادة الشيء.

يغدو الخطاب أداة أساسية في تشكيل القيمة، إذ يساهم في بناء سرديات تمنح العمل حضورا يتجاوز حدوده الفيزيائية

ينعكس هذا الوضع على طبيعة التجربة الإستتيقية نفسها، حيث تتراجع مركزية الحس المباشر لصالح تجربة قائمة على الفهم والتأويل، فيصير التلقي عملية ذهنية تستند إلى معرفة بالسياقات والخلفيات والمرجعيات الثقافية والاجتماعية والتعليمية وحتى الطبقية، وتفقد العين امتيازها التقليدي كمصدر وحيد للإدراك. ومنه ينخرط المتلقي، حسب موقعه، في عملية إنتاج المعنى، فيتحول من مستهلك سلبي إلى فاعل تأويلي يساهم في بناء الدلالة، ويغدو العمل فضاء مفتوحا للتفاوض بين قراءات متعددة، تتنوع بتنوع المتلقين. هنا، تبرز تجربة مارسيل دوشان، خاصة في تقديمه أشياء جاهزة كأعمال فنية، كما تجربة روبرت راوشنبورغ التجميعية للأغراض العشوائية لبناء أعمال تجسيمية، حيث ينتقل مركز الفعل من الصنع إلى الاختيار، ويغدو العمل سؤالا موجها إلى المتلقي حول ماهية الفن، فينخرط المتلقي في إعادة تعريف العمل، ويصبح الفعل التأويلي جزءا من بنيته.

REUTERS/Toby Melville
"النافورة" لمارسيل دوشان و"النافورة (بوذا)" لشيري ليفين في غاليري وايت تشابل في لندن، 2010

يتصل هذا التغير أيضا بتحول دور المؤسسة الفنية، كما تحدده المدرسة التحليلية الأميركية، حيث لم تعد فضاء عرض محايدا، وإنما أصبحت فاعلا أساسيا في إنتاج الخطاب وتوجيهه، فتساهم في تحديد ما يعد فنا وما يمنحه الاعتراف. تعمل هذه المؤسسة عبر آليات تنظيمية ورمزية تشمل المعارض، والبيانات، والنصوص المرافقة، فتنتج إطارا تأويليا يحدد كيفية قراءة العمل، ويؤثر في مسارات تداوله واستقباله. يمكن في هذا السياق استحضار تجربة هانس هاكه (Hans Haacke) الذي اشتغل على كشف علاقات السلطة داخل المؤسسات الفنية نفسها، حيث قدم أعمالا تعتمد على معطيات ووثائق تكشف البنية الاقتصادية والسياسية التي تحكم هذه المؤسسات، فيتحول العمل إلى أداة مساءلة، ويغدو الخطاب النقدي جزءا من بنيته.

ينتج من هذا التداخل بين الخطاب والمنجز نوع من التضاعف يجعل العمل قائما في حالة من التعليق بين حضوره المادي وامتداده الخطابي، فتغدو هويته غير مستقرة، وتبقى مفتوحة على إمكانات متعددة. يتيح هذا الوضع للفنان إمكان الاشتغال على مستويات مختلفة، أن يوظف المادة كوسيط لإنتاج خطاب، أو أن يجعل الخطاب ذاته موضوعا للعمل، فتتداخل الحدود بين الفن والنص، بين الصورة واللغة، بين العرض والسرد. تتجلى هذه الدينامية في تجربة باربرا كروغر (Barbara Kruger) التي توظف الصورة والنص في تركيبات بصرية تشتغل على تفكيك الخطابات الإعلامية والإشهارية، حيث تتقاطع اللغة مع الصورة لإنتاج دلالة نقدية تكشف آليات الهيمنة الرمزية.

 Dimitar DILKOFF / AFP
"بلا عنوان (آسفة، لست آسفة)" لباربرا كروغر في معرض "باريس آرت بازل"، 2023

تغير مفهوم الأصالة

يؤدي هذا الوضع إلى إعادة النظر في مفهوم الأصالة، حيث لم يعد الإبداع مرتبطا بإنتاج شكل جديد بقدر ما يرتبط بقدرة الفنان على إعادة تركيب الخطابات وتوليد علاقات جديدة بينها.

لم يعد الإبداع مرتبطا بإنتاج شكل جديد بقدر ما يرتبط بقدرة الفنان على إعادة تركيب الخطابات وتوليد علاقات جديدة بينها

 تشتغل الممارسة الفنية ضمن منطق الاقتباس وإعادة التدوير، فتغدو الأعمال نتاجا لشبكة من الإحالات والتداخلات، ويغدو المعنى نتيجة حركة مستمرة من الإحالة والتأويل، مما يلغي الحدود بين منجز ومنجز سابق وبين تجربة وأخرى، فكل الجغرافيات متداخلة في فضاء فني متبخر، قد تتشابه فيه الأعمال ماديا وتختلف خطابيا. يمكن رصد ذلك في تجربة شيري ليفين (Sherrie Levine) التي أعادت تصوير أعمال فوتوغرافية سابقة ونسبتها إلى نفسها، ففتحت سؤال الملكية والإبداع، وجعلت العمل موقعا لإعادة التفكير في علاقة الفنان بالموروث البصري، مثلما سبق أن وقع بين فناني فن الأرض والفوتوغرافيين الذين أوكلت اليهم مهمة تصوير تلك المنجزات الزائلة، حيث كان السؤال لمن يرجع العمل الفني هل من صوّر وعُرِضت أعماله أم لمن أنجز المنجز في الهواء الطلق؟

يرتبط هذا التحول أيضا بتغير مفهوم الزمن داخل العمل الفني، حيث لم يعد العمل لحظة مكتملة، وإنما أصبح عملية مفتوحة تتشكل عبر الزمن، وتستمر عبر تفاعلات متعددة. يكتسب العمل بعدا زمنيا يتجاوز لحظة إنتاجه، فيتجدد مع كل قراءة أو عرض أو إعادة توظيف، ويغدو كيانا ديناميا يتغير باستمرار. تتجلى هذه الخاصية بشكل واضح في أعمال الأداء التي قدمتها مارينا أبراموفيتش، حيث يقوم العمل على الحضور الزمني والتفاعل المباشر مع الجمهور، فيغدو الزمن مادة أساسية في تشكيل التجربة، ويتحول العمل إلى حدث متجدد لا يستقر في شكل نهائي.

Daniel LEAL / AFP
"شارلين، 1954" لروبرت روشنبرغ في "تيت مودرن" في لندن، 2016

تتجلى هذه التحولات في بروز أشكال فنية تعتمد على السرد -والحكي- كعنصر مركزي، حيث تتأسس الأعمال على حكايات أو مفاهيم أو مشاريع بحثية، ويغدو العرض جزءا من بنية سردية أوسع. إذ تشتغل هذه الأعمال على إنتاج معنى عبر تنظيم عناصر مختلفة داخل بنية حكائية وقصصية تعنى بالمنجز أو بصاحبه أو بهما معا، فتتداخل الصورة مع النص، والوثيقة مع التخييل، ويغدو العمل فضاء لإنتاج معرفة بقدر ما هو فضاء جمالي. ضمن هذا الأفق القصصي يمكن استحضار تجربة وليد رعد ومشروعه "مجموعة الأطلس"، حيث يوظف وثائق متخيلة من نصوص وصور، وأرشيفا مفترضا لإعادة كتابة تاريخ، من أجل استيعاب وتوثيق إنتاجه المتزايد من الأعمال التي توثق الحروب الأهلية اللبنانية، من عام 1975 إلى 1990. فيتداخل الواقعي بالمتخيل، ويغدو السرد أداة لبناء معرفة بديلة.

ويفرض هذا التداخل إعادة التفكير في مفهوم الحقيقة داخل العمل الفني، حيث لا يعود العمل تمثيلا لواقع خارجي، وإنما يصبح إنتاجا لواقع خطابي، تتحدد حقيقته داخل شبكة من العلاقات والتأويلات المبنية أساسا على التقاطع البصري اللغوي، في مناطق جوار وحوار بينهما، مما يؤسس لثلاثية إستتيقية: الظهورية (visibilité) والمفهومية (Conceptualité) والخطابية -أو البلاغية (Rhétorique). فيغدو الفن مجالا لإنتاج معارف بديلة، ويشارك في إعادة صوغ التصورات السائدة، فيشتغل كأداة نقدية تسائل البنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية، في مجمل أبعادها العلائقية.

يصير الفن مجالا لإقامة داخل الخطاب، حيث تتقاطع الصور مع الحكايات، وتتولد المعاني عبر هذا التقاطع في حركة لا تستقر


ينتهي بنا النظر في هذه التحولات إلى تصور للفن بوصفه ممارسة خطابية (بلاغية وبصرية) تتجاوز حدود الشكل نحو إنتاج المعنى داخل فضاء اجتماعي وثقافي معقد، حيث يتحدد العمل عبر علاقاته لا عبر جوهره، ويغدو الخطاب مكونا أساسيا في بنيته، فيتشكل المنجز في حالة تضاعف مستمر بين ما يظهر وما يقال، بين ما يرى وما يؤول، فيصير الفن مجالا لإقامة داخل الخطاب، حيث تتقاطع الصور مع الحكايات، وتتولد المعاني عبر هذا التقاطع في حركة لا تستقر.

font change