هل يخنق حظر الذهب اقتصاد الحرب في السودان؟

قيود الاتحاد الأوروبي تفتح اختبارا جديدا لفاعلية العقوبات القطاعية، في سوق يستطيع فيها المعدن النفيس تغيير هويته عند أول مصهر

رويترز
رويترز
سبائك وعملات من الذهب والفضة على طاولة داخل غرفة صناديق الأمانات في دار بروأوروم للذهب بمدينة ميونيخ، 3 مارس/آذار 2014

هل يخنق حظر الذهب اقتصاد الحرب في السودان؟

أصبح الذهب السوداني عصبا ماليا يتقاطع عنده التعدين الأهلي والتهريب وتجارة السلاح وشبكات النفوذ الإقليمية. ومن هذا المنطلق، قرر الاتحاد الأوروبي في 13 يوليو/تموز 2026 فرض حظر على شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني، إلى جانب حظر تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، ومنع تقديم المساعدة الفنية وخدمات الوساطة والتمويل المرتبطة بهذه التجارة. ووصف مجلس الاتحاد الأوروبي هذه الإجراءات بأنها استهداف مباشر لـ"اقتصاد الحرب"، إذ لا تقتصر على تجميد أصول أفراد أو معاقبة شركات، بل تستهدف السلعة التي تولد الإيرادات نفسها. كما تعكس إقرارا بأن الذهب يمثل مصدرا رئيسا للدخل لكل من الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع"، بينما تتيح شبكات التهريب انتقال المعدن عبر مناطق السيطرة والحدود وصولا إلى الأسواق والمصافي الخارجية.

يقول نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة، في حديث إلى "المجلة"، "إن الذهب اكتسب أهمية متزايدة في تمويل الميليشيات والقوى الفاعلة من غير الدول، ولا سيما في نزاعات القرن الأفريقي وغرب القارة ووسطها، مستفيدا من سهولة نقله وتسييله خارج القنوات المصرفية". ويرى "أن الحالة السودانية تكشف كيف تتحول ثروة الدولة إلى أداة للحصول على السلاح وتجنيد المقاتلين وتمويل العمليات العسكرية".

لكن السؤال ليس ما إذا كان الذهب يمول الحرب فحسب، بل كذلك ما إذا كان إغلاق السوق الأوروبية قادرا على وقف هذا التمويل، أم أنه سيدفع المعدن إلى طرق أطول وأكثر غموضا.

اقتصاد كامل خارج الدفاتر

تفسر خصائص الذهب سبب اختياره هدفا مباشرا للعقوبات. فهو يحتفظ بقيمة مرتفعة في حجم ووزن محدودين، ويمكن صهره وخلطه وإعادة تشكيله، كما يمكن تداوله خارج النظام المصرفي من دون المرور بشبكة "سويفت". ولهذا تشير مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف) إلى أن الذهب يتمتع بقيمة مستقرة نسبيا، وقابلية عالية للتحويل وإعادة التشكيل والتبادل، فضلا عن إمكان تداوله بدرجة من إخفاء الهوية، وهي خصائص تجعله أداة جاذبة لغسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

اكتسب الذهب أهمية متزايدة في تمويل الميليشيات والقوى الفاعلة من غير الدول

نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة

وبعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان الخرطوم معظم إنتاجها وإيراداتها النفطية، تحول الذهب إلى أبرز صادرات السودان وأحد أهم مصادر النقد الأجنبي، وإن لم يعوض بالكامل خسائر النفط. ومع اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، ازدادت أهمية المعدن مع تعطل قطاعات إنتاجية ومؤسسات الدولة واتساع الاعتماد على التعدين الأهلي والتهريب والاقتصاد غير الرسمي، مما جعل الذهب أحد أهم مصادر التمويل والسيولة في اقتصاد الحرب.

تفيد بيانات نقلتها وكالة "أسوشيتد برس" بأن السودان أنتج نحو 64 طنا من الذهب في عام 2024 ونحو 70 طنا في عام 2025، ليصبح بذلك أحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا. وبلغت إيرادات الذهب نحو 1.8 مليار دولار في عام 2025، وفق بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية المملوكة للدولة. في المقابل، يُهرَّب أكثر من نصف الإنتاج إلى الخارج وفق تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة.

رويترز
معداتٍ ثقيلة في محجر بمنجم أرياب في ولاية البحر الأحمر شرقي السودان، 28 سبتمبر/أيلول 2011

ولا تتيح هذه الأرقام تتبع منشأ كل شحنة أو تحديد الجهة التي استفادت من عائداتها، لكنها تكشف حجم التحدي الذي يواجهه الحظر الأوروبي، إذ إن جزءا كبيرا من الذهب السوداني يغادر البلاد أصلا عبر قنوات غير رسمية، ولا تكون الأسواق الأوروبية محطته الأولى. فالذهب المنتج في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش يدخل، جزئيا، قنوات التصدير الرسمية التي توفر موردا مهما للنقد الأجنبي للسلطات في بورتسودان، بينما تعتمد "قوات الدعم السريع" وشبكاتها التجارية على مناجم وممرات تهريب في دارفور وكردفان، إضافة إلى شركات ووسطاء سبق أن فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عقوبات على عدد منهم لدورهم في تمويل النزاع أو تجارة الذهب المرتبطة به.

ويرى حليمة أن فاعلية الخطوة الأوروبية "ستظل ناقصة ما لم تشمل العقوبات الوسطاء والأطراف الخارجية المتورطة في شراء الذهب أو تسهيل نقله وتمويله، فاستهداف بلد المنشأ من دون إحكام حلقات العبور والتكرير يترك منفذا واسعا لإعادة تقديم الذهب في السوق بهوية جديدة".

من مطاردة الأشخاص إلى ضرب الإيراد

لا يمثل حظر السلع ابتكارا تاريخيا، إذ استُخدِمت قيود النفط والمعادن والأخشاب منذ عقود من الزمن. الجديد في الحالة السودانية هو انتقال نظام العقوبات الأوروبي الخاص بالسودان من الإدراج الفردي وتجميد الأصول إلى تدبير قطاعي يضرب طرفي السلسلة، أي السوق التي تستقبل الذهب، والمدخلات الضرورية لاستخراجه ومعالجته.

بدأ أحد أبرز النماذج الحديثة مع "ألماس الدم" (Blood diamond) الذي موّل حركات متمردة وحروبا في سيراليون وليبيريا وأنغولا. أُطلِق نظام "عملية كيمبرلي" في عام 2003 لإلزام تجارة الألماس الخام شهادات منشأ ومنع التداول مع الأطراف غير المشاركة. وقد أسهم النظام في تضييق السوق القانونية أمام ألماس النزاعات، لكنه لم يُنهِ التهريب ولم يعالج انتهاكات حقوق الإنسان كلها، كما بقي تعريفه لـ"ألماس النزاع" أضيق من التحولات اللاحقة في طبيعة الحروب.

ملاحقة شركات الواجهة وحدها تشبه "مطاردة الأشباح"، لأن الجماعات المسلحة تستطيع إغلاق شركة وإنشاء أخرى بأسماء مختلفة

النائبة سميرة الجزار

وفي ليبيريا، فرض مجلس الأمن في عام 2003 حظرا على صادرات الأخشاب، بعدما كان قد فرض قيودا على تجارة الألماس الخام، إثر استخدام عائداتهما في تمويل النزاع وشراء السلاح. ثم رُفعت عقوبات الأخشاب في عام 2006، وأُلغيت قيود الألماس في عام 2007 عقب إصلاحات مؤسسية واعتماد ترتيبات رقابية متوافقة مع "عملية كيمبرلي".

أما في سوريا والعراق، فلم تقتصر مواجهة تنظيم "داعش" على فرض عقوبات على قادته ومموليه، بل شملت أيضا استهداف سلسلة إنتاج النفط ونقله وتسويقه، عبر ضرب الحقول والمنشآت والمصافي البدائية وصهاريج النقل، إلى جانب ملاحقة الوسطاء وشبكات التهريب والتمويل، بهدف تقليص قدرة التنظيم على تحويل سيطرته على الموارد النفطية إلى إيرادات تمول عملياته العسكرية.

تقول النائبة في البرلمان المصري سميرة الجزار لـ"المجلة": "تشبه ملاحقة شركات الواجهة وحدها 'مطاردة الأشباح'، لأن الجماعات المسلحة تستطيع إغلاق شركة وإنشاء أخرى بأسماء مختلفة". ومن وجهة نظرها، "كان التحول الأهم هو الانتقال من مطاردة الواجهة إلى استهداف السلعة والسوق التي تمنحها السيولة، كما حدث مع الألماس والنفط والفحم النباتي الصومالي".

أ.ف.ب
عامل يقوم بصهرالذهب لبيعه لاحقا، في الخرطوم، 20 يونيو/حزيران 2019

وتؤكد الخبيرة السياسية في الشؤون العربية والأفريقية أسماء الحسيني لـ"المجلة :"أن الذهب السوداني حلقة جديدة في هذا المسار، لا بدايته، فبعد ألماس سيراليون وليبيريا، والأخشاب الليبيرية، ونفط "داعش"، توسعت الأدوات من الحظر المالي إلى الرقابة على الإنتاج والنقل والشراء والوسطاء". لكنها تشدد على "أن نجاح العقوبات الأوروبية يعتمد على اتساع الالتزام الدولي وتطوير قدرات التتبع، وإلا انتقلت التجارة ببساطة من منطقة الحظر إلى أسواق أخرى".

كيف يُفترَض أن يعمل الحظر؟

يعمل القرار الأوروبي، نظريا، عبر ثلاث دوائر مترابطة. تتمثل الأولى في إغلاق جزء من السوق القانونية أمام الذهب السوداني. لن تستطيع المصافي والمصارف وتجار السبائك وشركات المجوهرات داخل الاتحاد الأوروبي شراء المعدن إذا كان منشؤه سودانيا، كما تُحظَر الخدمات الفنية والمالية وخدمات الوساطة المرتبطة به. ولا يعني ذلك تحول الذهب فورا إلى معدن بلا مشترين، لكنه يقلل عدد المشترين النظاميين ويرفع مخاطر التعامل معه.

 ما لا يقل عن 435 طنا من الذهب، قيمتها نحو 31 مليار دولار، خرجت من أفريقيا من دون إعلان في عام 2022. وهناك ثغرة في القواعد السويسرية لتحديد المنشأ، إذ يُعامل آخر مكان لمعالجة الذهب بوصفه بلد المنشأ

دراسة من "سويس إيد"، المنظمة التنموية السويسرية غير الحكومية (NGO) التي تعمل في مجالات التنمية المستدامة

الدائرة الثانية هي "حسم المخاطر". عندما يُحرَم المنتج أو الوسيط من الوصول المباشر إلى المصافي المعتمدة، يضطر إلى المرور عبر مهربين ومشترين يتحملون خطر المصادرة أو العقوبة أو الإقصاء من الأسواق الكبرى. وكل حلقة إضافية تقتطع عمولة من السعر النهائي. وهنا قد لا يوقف الحظر الإيراد، لكنه يخفض صافي ما يصل إلى الطرف المسلح ويبطئ دورة تحويل الذهب إلى نقد أو سلاح.

وتقول الجزار "إن قيمة الذهب في الحرب تنبع من سيولته وسهولة إخفائه، ولذلك يستهدف الحظر هاتين الميزتين إذ يضيق دائرة المصافي القانونية، ويرفع تكلفة البيع في السوق الموازية، ويعقّد صفقات المقايضة المباشرة بين الذهب والسلاح". غير أن حجم "حسم المخاطر" لا يمكن افتراضه مسبقا، إذ إنه يتغير بحسب قوة الإنفاذ، وعدد الأسواق البديلة، ودرجة استعداد الوسطاء للمجازفة.

أ.ف.ب
متجر مجوهرات يبيع عقد من الذهب، في العاصمة الخرطوم، 20 يونيو/حزيران 2019

أما الدائرة الثالثة، وربما الأكثر إيلاما على المدى المتوسط، فتستهدف الإنتاج نفسه عبر حظر تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما من أهم المواد المستخدمة في استخلاص الذهب. وقد يكون تقييد مدخلات الإنتاج أكثر تأثيرا من حظر استيراد الذهب إذا تعذر الحصول على موردين بديلين، لأنه يمس القدرة على الإنتاج عند المصدر، لكنه قد يدفع أيضا إلى تنشيط التهريب واللجوء إلى مواد أو أساليب أشد خطرا على العاملين والبيئة. وفي المقابل، استثنى القرار الأوروبي المواد المخصصة للأغراض الإنسانية، وحالات الطوارئ الصحية العامة، والاستجابة للكوارث، فضلا عن الاستخدامات الرامية إلى الوقاية العاجلة أو الحد من أخطار جسيمة على صحة الإنسان أو البيئة.

الذهب يغيّر جواز سفره

المشكلة أن الذهب من أصعب السلع تتبعا بعد صهره. تبدأ عملية "تبييض بلد المنشأ" بنقل الخام أو السبائك عبر حدود برية ضعيفة الرقابة إلى بلد عبور. وهناك يمكن صهرها وخلطها بذهب آخر، ثم إصدار فواتير وشهادات منشأ جديدة، قبل إرسالها إلى مركز تكرير أو تجارة عالمي. وكلما تعددت عمليات الصهر، ازدادت صعوبة الربط بين السبيكة النهائية والمنجم الأول.

تقدر دراسة من "سويس إيد" (SWISSAID)، المنظمة التنموية السويسرية غير الحكومية (NGO) التي تعمل في مجالات التنمية المستدامة والحد من الفقر والشفافية في إدارة الموارد الطبيعية، نشرت في مايو/أيار 2024، أن ما لا يقل عن 435 طنا من الذهب، قيمتها نحو 31 مليار دولار، خرجت من أفريقيا من دون إعلان في عام 2022. كذلك تشير إلى ثغرة في القواعد السويسرية لتحديد المنشأ، إذ يُعامل آخر مكان لمعالجة الذهب بوصفه بلد المنشأ. وبذلك قد يصل ذهب مستخرج في أفريقيا إلى سويسرا مسجلا كذهب من بلد آخر إذا كانت آخر عملية معالجة قد جرت في البلد الآخر.

الفارق بين عقوبة رمزية وأخرى مؤثرة يكمن في حسم التطبيق وتعاونه الدولي، لا في إعلان الحظر وحده

خبير المعادن النفيسة طاهر مرسي

يشكك خبير الذهب والمعادن النفيسة وأسواق المال طاهر مرسي، في حديث إلى "المجلة"، في قدرة الحظر منفردا على إنهاء النزاعات. ويقول " أوجدت العقوبات السابقة على الذهب والنفط والألماس أساطيل ظل وأسواقا موازية وشبكات لإعادة التصدير وتغيير بلد المنشأ، فتستطيع السلعة المحظورة الوصول إلى المستهلك عبر طرف ثالث". ومن ثم، يرى "أن الفارق بين عقوبة رمزية وأخرى مؤثرة يكمن في حسم التطبيق وتعاونه الدولي، لا في إعلان الحظر وحده".

ويذهب مرسي إلى أبعد من ذلك، إذ يحذر من "توظيف العقوبات لأغراض سياسية أو تجارية ومن استفادة بعض الوسطاء من شراء السلع المحظورة بحسوم كبيرة". وهذا رأي تختلف حوله التقديرات، لكنه يسلط الضوء على أثر جانبي معروف، وهو أنه كلما اتسعت الفجوة بين السعر النظامي والسعر المتاح للمنتج المعاقب، ارتفعت أرباح الوسطاء القادرين على إخفاء مسار السلعة.

بدوره، يتوقع عضو المجلس المصري للعلاقات الخارجية، السفير ماجد رفعت، في حديثه مع "المجلة""أن يكون الأثر المباشر للعقوبات الأوروبية محدودا إذا تمكنت "قوات الدعم السريع" أو سواها من نقل الذهب إلى بلدان مجاورة وإعادة تصديره". ويحدد ثلاثة شروط للنجاح، وهي "القدرة على تتبع المصدر الأساس، واستعداد دول الجوار لضبط حدودها، وحماسة القوى الكبرى ومراكز التجارة لإنفاذ القيود".

أ.ف.ب
عمال في منجم الذهب التابع لشركة أرياب في الصحراء السودانية، على بعد 800 كيلومتر شمال شرق العاصمة الخرطوم، 3 أكتوبر/تشرين الأول2011

ويلفت رفعت إلى "أن الدول غير الأوروبية ليست ملزمة تلقائيا بالعقوبات الأوروبية، وحتى داخل الأسواق المتقدمة، قد يصل الذهب السوداني بعد إعادة صهره أو تحويله إلى سبائك في بلد ثالث". لذلك يرى "أن التهريب وإعادة التصدير يمثلان أكبر عاملين في إضعاف الحظر، وخصوصا إذا كانت الجهات التي تشتري الذهب مرتبطة في الوقت نفسه بتدفقات السلاح إلى طرفي النزاع".

فاتورة الامتثال تنتقل إلى الشركات

لا تتوقف تكلفة القرار عند المنتجين والمقاتلين. فالشركات التي تستخدم الذهب في المجوهرات والإلكترونيات وصناعة السيارات والقطاع المالي ستكون مطالبة بتشديد إجراءات العناية الواجبة، عبر التحقق من المنشأ الحقيقي للذهب، ورسم خريطة سلسلة التوريد وسلسلة الحيازة، ومراجعة ممارسات المصاهر والمصافي، والتدقيق في الفواتير وشهادات المنشأ، ومقارنة بيانات التجارة والإنتاج لرصد أي تناقضات أو كميات لا تنسجم مع مستويات الإنتاج المعروفة في بلد المنشأ، باعتبارها مؤشرات تستدعي مزيدا من الفحص.

الليثيوم والكوبالت والكولتان مرشحة لقيود أشد إذا ثبت استخدامها في تمويل جماعات مسلحة، خصوصا في مناطق النزاع الأفريقية

نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة

ويطبق الاتحاد الأوروبي، منذ الأول من يناير/كانون الثاني 2021، لائحة تُلزم مستوردي القصدير والتنغستن والتنتالوم والذهب، ممن تتجاوز وارداتهم الحدود الكمية المحددة في التشريع، إجراء العناية الواجبة في سلاسل التوريد عند استيراد هذه المعادن من المناطق المتأثرة بالنزاعات والعالية المخاطر، وذلك استنادا إلى إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

لكن الحظر السوداني يذهب أبعد من واجب التحقق، فهو يحظر التعامل بالذهب السوداني المنشأ نفسه كما سبق وأشرنا، وبالتالي، يرفع مخاطر الغرامة والسمعة على الشركة التي لا تكتشف أن مورّدها أخفى منشأ المعدن عبر بلد ثالث.

رويترز
سبائك ذهب في طبق قبل صهرها في أحد الأسواق في الخرطوم، 15 يوليو/تموز 2012

وتقول الجزار "إن الامتثال تحول إلى مركز تكلفة قائم بذاته، يشمل منصات التتبع والتدقيق المستقل وزيارة المناجم والتخلي عن موردين منخفضي السعر. ومع ذلك، تبقى هذه الفاتورة أقل من خسائر الغرامات أو الضرر الذي قد يصيب العلامة التجارية إذا ثبت ارتباط منتجاتها بـ'ذهب الدم'".

وتضيف الحسيني أن "ازدهار التهريب وغسل المنشأ سيفرض أعباء متزايدة على الشركات والأسواق العالمية للتحقق من المصدر، لكن التكنولوجيا لا تقدم حلا سحريا. تساعد السجلات الرقمية عندما تكون البيانات المدخلة صحيحة، وقد تساعد بعض تقنيات التحليل الكيميائي في مقارنة الذهب غير المكرر بعينات مرجعية من المناجم، لكن فاعليتها تتراجع بشدة بعد تكرار الصهر والتنقية والخلط".

اختبار يتجاوز الذهب

يضع القرار الأوروبي التجارة العالمية أمام مفارقة واضحة. فنجاح الحظر يتطلب إغلاق عدد كبير من المنافذ، لكن الإغلاق الكامل قد يعاقب عاملي المناجم الأهليين والمجتمعات المحلية التي تعتمد على الذهب، ويدفع النشاط أعمق إلى اقتصاد الظل. لذلك لا تقاس الفاعلية بوقف كل غرام، وهو هدف شبه مستحيل، إنما بزيادة التكلفة التي تتكبدها الشبكات المسلحة، وتقليص هوامش أرباحها، وحرمانها من المصافي والتمويل والخدمات اللوجستية النظامية، من دون خنق سبل عيش المدنيين.

ويحذر حليمة من "أن دائرة الاستهداف قد تمتد إلى سلع استراتيجية أخرى تتنافس عليها الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي، ولا سيما المعادن النادرة". وترى الحسيني "أن الليثيوم والكوبالت والكولتان مرشحة لقيود أشد إذا ثبت استخدامها في تمويل جماعات مسلحة، خصوصا في مناطق النزاع الأفريقية".

وحذرت الأمم المتحدة في يوليو/تموز 2026 من أن التجارة غير المشروعة بالصمغ العربي، الذي كان السودان يوفر نحو 70 إلى 80 في المئة من صادراته العالمية قبل الحرب، أصبحت بدورها جزءا من اقتصاد الحرب، مع اتهامات بالنهب والتهريب من مناطق سيطرة طرفي النزاع. ويشير ذلك إلى أن التدقيق في سلاسل التوريد قد لا يقتصر مستقبلا على المعادن المرتفعة القيمة، بل قد يمتد إلى سلع زراعية استراتيجية تدخل في صناعة المشروبات والأدوية ومستحضرات التجميل، بما يفرض على الشركات تشديد إجراءات العناية الواجبة والتحقق من مسارات النقل والوسطاء ووثائق المنشأ.

لا يقدم حظر الذهب السوداني إجابة نهائية على قدرة العقوبات على وقف الحرب، لكنه يطلق اختبارا مزدوجا. فإذا بقي أوروبيا فقط، قد تتغير الخريطة ولا يتوقف التدفق

ويربط رفعت هذا التحول باتساع مفهوم الأمن القومي: "لم تعد الموانئ وشركات الشحن والمصافي والمضائق مجرد بنية تجارية، بل أصبحت أدوات نفوذ، والدول التي تملك القدرات اللوجستية ومراكز التكرير وقواعد البيانات والقدرة على فرض المعايير تستطيع أن تحدد أي سلعة تدخل السوق وبأي هوية."

في هذا المعنى، لا يقدم حظر الذهب السوداني إجابة نهائية عن قدرة العقوبات على وقف الحرب، لكنه يطلق اختبارا مزدوجا. فإذا بقي أوروبيا فقط، قد تتغير الخريطة ولا يتوقف التدفق.

أ.ف.ب
شخص يمسك بمعدن ذهب خام، وسط سوق الذهب بوسط العاصمة السودانية الخرطوم، 20 يونيو/حزيران 2019

أما إذا انضم إليه تعاون من دول العبور ومراكز الذهب، وعقوبات على الوسطاء، وتبادل للبيانات، ورقابة على المدخلات والمصافي، فقد يخفض الإيرادات المتاحة للقتال حتى من دون القضاء عليها كليا.

تكشف تجربة الذهب السوداني أن الصراع تخطى حدود الموارد وحدها، ليشمل سلاسل توريدها أيضا. فكل حلقة، من المنجم إلى المصفاة ثم إلى المشتري النهائي، أصبحت موضع تدقيق ورقابة. ومع تزايد استخدام العقوبات لاستهداف مصادر التمويل، تغدو الإشكالية أقل ارتباطا بسعر السلعة وأكثر ارتباطاً بكيفية وصولها إلى السوق ومن استفاد من رحلتها.

font change

مقالات ذات صلة