لم تعد الاتفاقيات الطاقوية الأخيرة بين الجزائر ونيامي مجرد صفقات طاقة عابرة. فقدتحولت إلى ركيزة في استراتيجيا أوسع تسعى الجزائر من خلالها إلى إعادة بناء نفوذها في عمق منطقة الساحل والقارة الأفريقية. ويأتي هذا التموضع الجزائري كاستجابة مباشرة للتحولات السياسية والأمنية المتسارعة التي شهدتها منطقة الساحل، مستفيدا من ديناميكية تراجع أدوار بعض القوى التقليدية، لملء الفراغ الجيوسياسي وترسيخ نموذج جديد من الشراكة التنموية.
في هذا السياق، تجاوزت المقاربة الجزائرية في هذا الفضاء الإقليمي المتشابك أطر التعاون السياسي والأمني لتنتقل إلى شراكة إقتصادية وطاقوية متعددة المستويات عبر خطوات عملانية وتنفيذية.
وتجلى ذلك في الشروع في تصدير أولى شحنات وقود الطائرات (JET A1)، انطلاقا من مصفاة أدرار المعروفة محليا بـ (RA1D) نحو النيجر، في إطار عقد بيع وشراء أبرمته "سوناطراك" مع الشركة الوطنية النيجرية للنفط (SONIDEP)، بما يمهّد لإمدادات منتظمة من المنتجات النفطية الجزائرية إلى النيجر.
ولم تقتصر هذه الحركية على ضمان الإمدادات الحيوية، إنما تعدتها نحو ضوغ شراكة استراتيجية في مجالات التنقيب والإنتاج ويتجسد ذلك في إطلاق أشغال حفر البئر الاستكشافية "كفرا جنوب شرق 1" وهس حوض رسوبي يقع بمنطقة أغاديز بشمال النيجر، ويمتد على مساحة 23,737 كلم، ويبعد 85 كلم فقط عن الحدود الجزائرية. وتستهدف عمليات الحفر عمقا يصل إلى نحو 3,900 متر. وتشير التقديرات الرسمية النيجرية إلى احتياطيات بنحو 260 مليون برميل في "بلوك كفرا"، وهو المشروع الذي يعود عقد تقاسم إنتاجه إلى عام 2015، وجُدّد في 2022. .
ويأتي هذا التجسيد تتويجا لنجاح لوجستي لافت قادته المؤسسة الوطنية للتنقيب "إينافور" (ENAFOR)، التابعة للمجمع النفطي "سوناطراك" المملوك من الدولة الجزائرية، التي أثبتت كفاءة هندسية وعملياتية بنجاحها في نقل آلات الحفر الثقيلة وقواعد الحياة لأكثر من 2,000 كيلومتر عبر مسارات صحراوية معقدة انطلاقا من حقول حاسي مسعود (تقع في الجنوب الشرقي للجزائر) وصولا إلى عمق أغاديز. وتحمل مشاركة "سوناطراك" في تطوير قطاع النفط النيجري أبعادا استراتيجية عميقة.
وفي قراءته الاقتصادية لهذا التوجه، يقول الأستاذ المتخصص في المالية والاقتصاد بجامعة البويرة، الدكتور بوبكر مصطفى في حديثه الى "المجلة" إن "هذا الحضور يمثل تقديما عمليا لنموذج تعاون جنوب-جنوب متكافئ يعتمد على تقديم خيار أفريقي – أفريقي خالص يرتكز على نقل التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وتصدير الخبرة الجزائرية المتراكمة لعقود".




