معادن أفريقيا... دور الثروات الطبيعية في معادلات الجماعات المتطرفة والميليشيات

المتصارعون جهاديون وقبليون

أ.ف.ب
أ.ف.ب
شعار قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات على زي جندي خلال زيارة إلى مقاطعة بحيرة تشاد، تشاد، في 26 نوفمبر 2025

معادن أفريقيا... دور الثروات الطبيعية في معادلات الجماعات المتطرفة والميليشيات

تتصارع الجماعات الإرهابية حول السيطرة على خرائط مناجم الذهب في حوض بحيرة تشاد، وهي منطقة واسعة، تشمل شمال شرق نيجيريا، ومنطقة ديفا في جمهورية النيجر، والشمال الأقصى للكاميرون وجزءا من غرب تشاد، يتمركزون فيها ويكثفون عملياتهم، ويتهمون بأنهم يمارسون أنشطة تعدينية غير نظامية كمصدر للتمويل، إلى جانب تجنيد الشباب الفقراء الذين يجدون أنفسهم عالقين بين خيار الانضمام إلى الإرهاب أو المغامرة في التنقيب.

المنطقة حول بحيرة تشاد غنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك الذهب والمعادن الأخرى، لكنها تعاني من الفقر والفوضى الأمنية، مما يجعلها مخبأ مثاليا للإرهابيين، الذين يستغلون الفراغ الأمني للسيطرة على التجارة غير المشروعة، ويستخدمون العائدات لشراء أسلحة أو تجنيد مقاتلين، لذا فإن الصراعات بينها نفسها (مثل بوكو حرام وجماعة نصرة الإسلام-ISWAP) غالبا ما تكون حول السيطرة على أراضٍ غنيةٍ بالموارد. وبالإضافة إلى الجهاديين، هناك جماعات عرقية أو انفصالية في المنطقة قد تشارك في أنشطة مشابهة، مثل بعض الميليشيات في تشاد أو النيجر، وهي في الأغلب تتعاون مع شبكات تهريب عابرة للحدود لتصدير الذهب إلى أسواق دولية.

بالإضافة إلى الذهب، تشير التقارير إلى تورط الجماعات الجهادية والإرهابية مثل "بوكو حرام" و"ISWAP" في استغلال موارد طبيعية أخرى في حوض بحيرة تشاد، بما في ذلك بعض المعادن والموارد غير المعدنية لتمويل عملياتها. ومع ذلك فتركيزها الأكبر على المعادن (مثل اليورانيوم أو الحديد، والذهب)، وموارد مثل النفط والغاز، والسمك، والماشية، والتجارة غير المشروعة المرتبطة بها.

تقول منظمة الأزمات الدولية إن الجماعات المسلحة تستولي على مواقع التنقيب عن الذهب منذ عام 2016

تقول منظمة الأزمات الدولية (مقرها بروكسل، وتقدم تقارير لتقييم الأزمات للحكومات والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي)، إن الجماعات المسلحة تستولي على مواقع التنقيب عن الذهب منذ عام 2016 في المناطق التي تكون فيها الدولة ضعيفة أو غائبة. ويتورط في التعدين غير القانوني جماعات مثل "بوكو حرام" و"نصرة الإسلام" (ISWAP)، حيث يسيطرون على مناطق غنية بالمعادن في شمال شرق نيجيريا ومناطق حدودية مع بحيرة تشاد، فيستخرجون الذهب بشكل غير قانوني، وتساعدهم هذه الأنشطة على التمويل.

ويشير تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) عن تهريب الذهب في الساحل، الذي يفصل سيطرة جماعات مسلحة تشادية على مواقع بمنطقة تيبيستي وكوري عن أخرى في تشاد، حيث يستخدمونها للتمويل والتجنيد، وهو ما أكده أيضا تقرير مجلس الأطلسي عن التعدين الصيني وكيف تقدم الجماعات الجهادية الحماية للخبراء الصينيين نظير حصولها على نصيب وافر من الذهب.

أ.ف.ب
نساء يعملن في حقل بمدينة مونغونو، بولاية بورنو، نيجيريا، في 5 يوليو 2025

كما يذكر تقرير منظمة الشفافية الدولية ومؤشر الجريمة المنظمة في تشاد 2025 أن مجموعات متمردة شمالية تفرض ضرائب على مواقع التعدين، مع مشاركة أجانب بما في ذلك صينيون في الاستخراج غير القانوني وتهريبه. وهناك تقارير إعلامية وصحافية دولية أخرى مثل تحقيق مجلة "Mining Technology" عن تمويل متمردين في زامفارا مقابل السيطرة على مواقع الذهب، التي أصبحت وفق التقرير الذي أطلق على هذه المنطقة "قبور في الكاميرون".

الذهب ومعادن أخرى سبب الصراع

إن الجماعات الإرهابية تمول عملياتها من خلال الضرائب، والسرقة، والسيطرة على الطرق التجارية، وتقديم الحماية لعمليات التعدين، لذا فهم حريصون على السيطرة على الموارد الرئيسة حول بحيرة تشاد مثل النفط والغاز، لأن المنطقة غنية بالاحتياطيات النفطية والغازية، خاصة في شمال شرق نيجيريا وتشاد. من هنا تستهدف "بوكو حرام" و"ISWAP" عمليات الاستكشاف والاستخراج، كما حصل من هجمات على فرق التنقيب النفطي النيجيرية عام 2017.

ولا توجد تقارير موثوقة تشير إلى بحث هذه التنظيمات عن المعادن الثمينة واليورانيوم، لأنها ركزت خلال الفترة الماضية على الذهب والنفط والموارد غير المعدنية مثل مناطق الصيد في نيجيريا والنيجر وتشاد، وفرضت ضرائب على أسواق السمك المدخن، الذي يُصدّر إلى أسواق دولية، بعد سيطرتها على مراكز مثل باغا، وسرقت الماشية من المناطق الريفية وباعتها في أسواق مثل مايدوغوري عبر وسطاء، مع فرضها ضرائب على الرعاة، والسيطرة على الغابات لاستغلال الموارد الخشبية أو الزراعية، مع فرضها ضرائب على المزارعين، كما جرى في نيجيريا، حين تم الإبلاغ عن هجمات "بوكو حرام" على مجتمعات في ولايات مثل بورنو، حيث يتم استخراج الذهب.

لا توجد تقارير موثوقة تشير إلى بحث هذه التنظيمات عن المعادن الثمينة واليورانيوم، لأنها ركزت خلال الفترة الماضية على الذهب والنفط والموارد غير المعدنية

وخلال عام 2025 كان النشاط الإرهابي حول بحيرة تشاد قد أدى إلى أكبر معدل للوفيات وفق مؤشر الإرهاب العالمي، حيث شهدت النيجر (Niger) تدهورا حادا في تصنيفها، ووصلت إلى المركز الخامس عالميا بين أكثر الدول تضررا من الإرهاب. وسجلت أكبر زيادة في الوفيات الناجمة عن الإرهاب عالميا، لتصل إلى 930 وفاة مقارنة بـ479 وفاة في العام السابق.

أما في نيجيريا (Nigeria) فبلغ عدد الوفيات 565 قتيلا، بزيادة قدرها 6 في المئة عن العام السابق، وهي أعلى حصيلة وفيات منذ عام 2020، وكان ارتفاع الوفيات مدفوعا بالصراع المستمر بين تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا و"بوكو حرام"، والصراع بينهما على مناطق النفوذ.

ودخلت الكاميرون قائمة أكثر عشر دول تضررا من الإرهاب لأول مرة منذ عام 2019، واحتلت المركز العاشر عالميا، وكانت المنطقة الأكثر تضررا هي أقصى الشمال بسبب وجود أعمال تنقيب فيها.

وشهدت تشاد ارتفاعا في الوفيات بأكثر من 80 في المئة مقارنة بالعام السابق، وكان الهجوم الأكثر دموية في منطقة لاك يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2024، حيث أسفر عن 40 قتيلا.

رويترز
طائرة بدون طيار تُظهر شاحنات قلابة مصطفة في منجم غولد فيلدز في تاركوا، غانا، بتاريخ 11 أبريل 2025

وتشير تقديرات حديثة إلى أن "ولاية غرب أفريقيا" تفوقت على "بوكو حرام" و"جماعة أنصارو" من حيث عدد العمليات والعناصر الذين بلغوا نحو خمسة آلاف مقاتل، أغلبهم تم تجنيدهم من ريع السيطرة على أماكن رعاة الماشية، والضرائب المفروضة على تنقلات عمال المناجم والصيادين في البحيرة. ويلاحظ أن هجمات الفصيل الداعشي تصاعدت خلال عام 2025 بصورة أكبر عن العام السابق، وهي تفوق أيضا جماعة "أنصارو" التي تتبع "القاعدة"، حيث وصلت إلى 482 عملية مقابل 385 في عام 2024. وتُعد الكاميرون أكثر ثاني الدول بعد نيجيريا في بُحيرة تشاد تضررا من هجمات الجماعات الثلاث.

ويتصارع على الذهب والمناجم إسلاميون جهاديون وقبليون وعصابات جريمة منظمة، وعلى رأسها جماعة "أهل السنة للدعوة والجهاد" (JASDJ) أو "بوكو حرام" التقليدية، التي عادت لـ"القاعدة" وأصبحت "جماعة أهل السنة والجهاد" وهي تنشط في بحيرة تشاد وأجزاء من نيجيريا، بقيادة ميخائيل عثمان المعروف باسم "كايلا"، وهو ينتمي لجماعة "بودوما" التي تشكل أقلية في مناطق شمال نيجيريا، إلا أنها تشكل الجماعة الرئيسة من سكان جزر بحيرة تشاد، حيث انشق كايلا بصحبة أعداد كبيرة من عناصر الجماعة في مطلع عام 2023 لينضموا جميعا إلى "القاعدة"، ليشكل ذلك متغيرا أعاد تشكيل التوازن الميداني بين الفرعين على نحو جديد.

الجماعة الثانية الرئيسة "ولاية غرب أفريقيا للدولة الإسلامية" (ISWAP)، التابعة لتنظيم "داعش"، وهي الفصيل الأكبر، ومقسمة إلى أربع "إمارات" مستقلة في كل من غابة ألاغارنو، وغابة سامبيسا، وبحيرة تشاد، ومنطقة تومبوما بابا؛ بحيث يغلب عليها الطابع المحلي، وتستطيع التحكم في الأرض، ومن أجل تقليص مساحة التباينات الأيديولوجية والخلافات التنظيمية والميدانية، فإن أغلب عناصرها هي و"بوكو حرام" التقليدية من قومية "الفولاني" إلى جانب "الهوسا".

كانت هناك جهود إقليمية لمكافحة الإرهاب، لكنها واجهت تحديات كبيرة، ومع تغير المناخ الذي يقلص بحيرة تشاد، ازدادت المنافسة على الموارد

أما الجماعة الثالثة فهي جماعة "أنصارو"، وهو فصيل انشق عن "بوكو حرام" عام 2012 متأثرا بـ"القاعدة في بلاد المغرب" ومرتبط حاليا بتنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين"، ويركز على استهداف الأجانب، ويقيم قاعدة في ولاية كادونا.

وتوجد جماعات انفصالية وعرقية، لكنها تركز بشكل أكبر على التنافس بين الرعاة الرحل والمزارعين المقيمين، مدفوعة بتقلص بحيرة تشاد بنسبة 90 في المئة بسبب التغير المناخي. وهذا يؤدي إلى عنف جماعي، وحرق قرى، وتهجير (أكثر من 871 ألف نازح في 2021، مع زيادة في 2025). فيما الجهاديون يستغلون هذه التوترات للتجنيد، خاصة بين الرعاة الفولاني. وأهمها، الحركة الانفصالية لإقليم بيافرا وجناحها المسلح "الشبكة الأمنية الشرقية" (ESN)، وبعض الجماعات الانفصالية الأخرى الأقل تنظيما في الجنوب الغربي مثل حركة "شعب أودوا". وكذلك ميليشيات عرقية ومحلية مثل "جماعات الدفاع الذاتي" في وسط نيجيريا وشمالها كميليشيات "اليان ساكاي" (Yan Sakai) في الشمال الغربي، وجماعات الفلاحين والرعاة المسلحة. وأيضا جماعات متمردة في دلتا النيجر مثل "حركة تحرير دلتا النيجر".

وتلعب جماعات قطّاع الطرق، التي تنتشر في ولايات الشمال الغربي والشمال الأوسط (مثل زمفرا وكاتسينا وكادونا والنيجر). دورا رئيسا في الصراع، وبعض زعماء هذه العصابات ذاع صيتهم مثل بيلو تورجي في زمفرا وسوكوتو، وهم يتداخلون أحيانا مع الجماعات الإرهابية الجهادية، لتبادل المنافع (حماية مقابل سلاح، أو عدم اعتداء متبادل).

أ.ف.ب
جندي تشادي من وحدة مكافحة الإرهاب ينتظر على ظهر مركبة في قاعدة باغا سولا العسكرية، تشاد في 26 نوفمبر 2025

يضاف إلى ما سبق جماعات انفصالية في الجنوب الشرقي، مثل حركة "IPOB" التي أنشأت جناحا مسلحا لحماية مجتمع الإيبو من هجمات رعاة الفولاني، وجماعات متمردي دلتا النيجر، (أغلبهم من مجموعتي الإيبو) الناجم عن استخراج النفط دون استفادة السكان، ومن أبرزها حركة "تحرير دلتا النيجر".

ومن المرجح أن يستمر الصراع حول المناجم والذهب في حوض بحيرة تشاد لعدة أسباب تتعلق بمزيج من العوامل المحلية والإقليمية، مثل التدهور البيئي والمناخي، وانكماش بحيرة تشاد بسبب الجفاف الذي أدى إلى نقص الموارد، مما دفع الشباب إلى الانضمام إلى الجماعات. وكذلك الضعف الحكومي والمؤسسي، مثل الفساد، وانتهاكات حقوق الإنسان، والصراعات الانفصالية والتوترات العرقية والاجتماعية. وهناك أسباب تتعلق بالتأثيرات الجيوسياسية مثل: تحول التحالفات نحو روسيا والصين، مع انسحاب الغرب (مثل عملية برخان الفرنسية)، مما عزز الفراغ. وأيضا الروابط بين الإرهاب والجريمة المنظمة التي تتفاقم.

وهناك أسباب أيضا تتعلق بأن هذه الجماعات وجدت أن أفضل سياسة للسيطرة على المنطقة بإحكام هي الوصول للذهب والمناجم، ومنح السلطة للفئات التي لم تكن تحظى بأي قيمة، والآن تتعاون التنظيمات مع جميع طبقات المجتمع في مناطق انتشارها وسيطرتها، سواء كانوا من الزعماء القبَليين، أو الزعماء الدينيين، أو الوجهاء والأعيان، أو النساء والشباب والفتيان، فيما تُوظَّف النساء والأطفال لجمع المعلومات الاستخبارية، ويمكن القول: إن لدى جميع الجماعات الإرهابية الموجودة بدول بحيرة تشاد أنظمة حكم متشابهة، فهي تحاول إشراك سكان القرى في أنشطتها الدينية، وتخطف الأشخاص الذين يعارضون حكمها، وتقودهم إلى الأدغال ليقرِّرَ قادة الجماعة مصيرهم، وتصدر الأحكام وسط الأدغال بعيدا عن المجتمع ومؤسسات الدولة.

وتستغل هذه الجماعات التعدين غير الشرعي لتمويل عملياتها، بما في ذلك تجارة الذهب غير المشروعة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في حوض بحيرة تشاد، ويؤدي إلى نزوح جماعي وتوترات مع السكان المحليين. على سبيل المثال في عام 2022، أمرت الحكومة التشادية بإجلاء العمال بعد اشتباكات مع تنظيم "داعش"، بعد سعيه لتنظيم التعدين لزيادة الإيرادات.

وكانت هناك جهود إقليمية عبر قوة "MNJTF" لمكافحة الإرهاب، لكنها واجهت تحديات كبيرة، ومع تغير المناخ الذي يقلص بحيرة تشاد، ازدادت المنافسة على الموارد، وفي ظل الأوضاع السالفة الذكر، ساهمت بعض الظواهر في إقامة التنظيمات الإرهابية وتأسيس اقتصاد بديل يضمن لها فرض الضرائب في إطار مساعيها للسيطرة باستمرار الإرهاب، وإذا استمر التجاهل للأسباب الجذرية، قد يتوسع نشاطها، خاصة مع اندماج التهديدات (الجماعات الجهادية– عصابات الجريمة المنظمة- الميليشيات الانفصالية)، حيث ستظل منطقة بحيرة تشاد رهينة للصراع على المناجم والذهب.

font change

مقالات ذات صلة