حرب السودان وانسداد الأفق

مخاوف من أمراء الحرب وتكاثر الإرهاب

أ.ب
أ.ب
عنصر مسلح من "قوات الدعم السريع" يقف فوق مركبة عسكرية خلال تجمع قبلي في ولاية شرق النيل بالسودان

حرب السودان وانسداد الأفق

استعصى حلُّ أزمات السودان الناجمة عن الحرب منذ ثلاث سنوات، ولا يزال المبادرون والمشفقون والمنخرطون في حل الأزمة يتخبطون في فراغ غير منتج وفي مبادرات لم تنجح. وقد كان لتراكم المحاولات الفاشلة دور رئيس في تعميق حالة "انسداد الأفق" التي تسيطر على المشهد في هذه اللحظات.

وحالة الانسداد هذه لها مظاهر وانعكاسات على الحرب وعلى الأطراف ذاتها. فـ"قوات الدعم السريع" أرهقتها الانشقاقات واعترى جسدَها التشققُ، ويتسرب قادتُها الميدانيون كل يوم إلى صفوف الجيش. والحال الذي تعيشه "قوات الدعم" سببه استطالة عمر الحرب ويأس القادة من قرب خط النهاية.

وفي الجانب الآخر، يكاد عتاد الجيش الجماهيري ينضب، وينفض عنه مؤيدو استمراره في الحرب، بعد أن عجز عن حسم المعركة على الرغم من وعده المتكرر "الحسم قريب". ولم يفلح أيضاً في توفير الخدمات والأمان في مناطق سيطرته، واستشرى الفساد في الحكومة المدنية التي أسسها، في ظل فقر تجاوز 50 في المئة وسط السودانيين.

وأبرز المساعي التي لم تحقق نتائج على الأرض حتى اليوم "مبادرة الرباعية" التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية بمشاركة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات وجمهورية مصر، وقد انطلقت "الرباعية" منذ سبعة أشهر. كما لم تحقق المبادرة الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية و"إيقاد" والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وقفاً لإطلاق النار أو على الأقل تفاوضاً مباشراً بين الجيش و"الدعم السريع". هذا فضلاً عن مبادرات من دول أوروبية وعربية وأفريقية، ومؤتمرات في عواصم مختلفة لم تُغيِّر إيجاباً في واقع الأزمة.

المنشقون: الطور الأول من أطوار أمراء الحرب

في 11 أبريل/نيسان 2026، تأكد انسلاخ النور القبة، القائد الميداني بـ"قوات الدعم السريع"، وانضمامه للقوات المسلحة. والنور القبة هو القائد الذي مكَّن "الدعم السريع" من الاستيلاء على أكبر مدن دارفور، الفاشر. وبعد أسبوعين، انسلخ قائد آخر من "الدعم السريع" هو علي رزق الله الشهير بالسافنا. وكلاهما صاحبا نفوذ وتأثير في مجريات القتال.

ومعلوم أن من سبقهم جميعاً للانشقاق في أكتوبر/تشرين الأول 2024 اللواء أبو عاقلة كيكل، الذي يبسط نفوذه بمساندة الجيش في مناطق ولاية الجزيرة والبطانة وسط السودان.

والمعلومات الموثقة التي تصدر عن مصادر من الميدان منذ مطلع العام الجاري تكشف عن إنهاك وضعف وسط المقاتلين من جميع الفصائل المسلحة، وتضعضع الولاء للقيادة وللفرق المقاتلة بشكل ملحوظ. ويعود ذلك إلى طبيعة التعبئة التي استُنفر بها هؤلاء الجنود للانخراط في المعركة؛ إذ أوهموا بأن المعركة قصيرة وسهلة، وهو ما تبيَّن زيفُه مع الوقت، أو بالمال الذي لم يعد متيسراً كما كان في السنوات الأولى للحرب.

المعلومات الموثقة التي تصدر عن مصادر من الميدان منذ مطلع العام الجاري تكشف عن إنهاك وضعف وسط المقاتلين من جميع الفصائل المسلحة


وما يحدث في صفوف "قوات الدعم السريع" أحد هذه الشواهد. وظاهرة انسلاخ القيادة الميدانية من صفها مؤشرٌ على أن استخبارات القوات المسلحة مدركة لحالة انحسار ولاء المقاتلين للقيادة وعوامله، ونجحت في استثمار هذه الأوضاع لصالحها. غير أن الجيش ليس في حال أفضل بكثير، ومظاهر التوتر بينه وبين حلفائه كثيرة، ولا سيما القوات المشتركة المكوَّنة من الحركات المسلحة الدارفورية الموقِّعة على سلام جوبا، وتُعدّ أكبر قوة عسكرية منظمة حليفة للجيش.

إلا أن سيطرة "الدعم السريع" على دارفور وأجزاء من كردفان سببت لها حرجاً بالغاً، وخلقت توتراً بينها وبين الجيش. ثم إن انضمام المنشقين من صفوف العدو، وخاصة الدارفوريين، ضاعف التوترَ والشعور بخذلان أهل دارفور، وتولدت لدى بعضهم قناعة بأن الجيش استخدمهم في حربهم وتقاعس عن مناصرتهم ودعمهم لاستعادة مناطقهم. وكثيراً ما تقع اشتباكات بينهم، غير أنها تُوصف بأنها تصرفات فردية، وكثيراً ما تُسمع نبرة تذمُّر من قيادي في المشتركة.

وخطورة الاعتماد على القادة العسكريين المنشقين أو الداعمين للجيش أنها بمثابة الطور الأول لأمراء الحرب، بعد أن يُدعم كل قائد منفرداً لبسط سيطرته على مناطق نفوذه القبلي وحمايتها من الأعداء. وإن استمرأ أطراف الحرب ذلك سنذهب إلى أبعد من التقسيم، وسيواجه يومها السودان خطر التفتت إلى أجزاء ومناطق صغيرة. وهذا السيناريو يهدد بقاء بلد اسمه السودان وفق حدوده الجغرافية المعروفة حالياً.

الجيش ليس في حال أفضل بكثير، ومظاهر التوتر بينه وبين حلفائه كثيرة، ولا سيما القوات المشتركة المكوَّنة من الحركات المسلحة الدارفورية الموقِّعة على سلام جوبا، وتُعدّ أكبر قوة عسكرية منظمة حليفة للجيش


أوان سداد الفواتير

من بين التداعيات الخطيرة الناجمة عن حالة انسداد الأفق قلقُ المشاركين في الحرب سنداً لهذا الطرف أو ذاك من عدم حصولهم على نصيب من كعكة السلطة في مرحلة ما بعد الحرب. ويذهب تفكيرهم مباشرة إلى صرف فاتورة قتالهم لجانب الدعم أو الجيش. ومعلوم أن الشيطان يسكن في التفاصيل، وفي لحظة تقسيم الأنصبة والحصص.

وعلى الرغم من أن قادة الكتائب المساندة والميليشيات يزعمون أنهم أصحاب قضية وسيضعون السلاح فور تحقق النصر، كما ردَّد أكثر من مرة قائد كتيبة الإسلاميين المعروفة بـ"كتائب البراء بن مالك"، المصباح أبو زيد، وعدد من قادة الكتيبة، فإن ذلك لا يُغني عن الاستعداد. ويتعين على قادة الجيش وقادة "الدعم السريع" على حدٍّ سواء الاستعداد لسداد الفواتير، أو الاستعداد لحرب ستكون أوسع نطاقاً وأشد عنفاً هذه المرة.

وحالة البحث عن مكاسب الحرب على مستوى الكيانات والكتائب والميليشيات والأفراد، وما يترتب عليها، تُعدّ أبرز تداعيات إطالة أمد الحرب. والأمر يضع المجتمع الدولي والمنخرطين في أزمة الحرب في السودان أمام مسؤولية جسيمة تتعقد معالجتها كل صباح جديد.

أميركا: العودة للتأسيس

في مطلع شهر مايو/أيار الجاري، قدمت الولايات المتحدة الأميركية ورقة تفاوضية جديدة لطرفي الحرب في السودان، تضمنت ترتيباً جديداً لخطة "الرباعية". وبدلاً من "هدنة إنسانية" تمزج بين وقف إطلاق النار وتقديم المساعدات وحماية المدنيين، انتقلت الورقة الجديدة إلى خطة "متفق عليها" بين الأطراف في تقديم الإغاثة والمساعدات وحماية المدنيين دون التقيد بوقف إطلاق النار.

وفي الحقيقة، إن تجاهل وقف إطلاق النار والالتفاف عليه في الورقة الجديدة ناجمٌ عن تحوله إلى عقبة كؤود يصعب تخطيها في مسار الحل. وأكثر من ذلك، تعنَّت الطرفان حيال وقف إطلاق النار لارتباطه بالدعاية العامة للحرب، وخاصة عند الجيش الذي يصدّر للرأي العام أن المعركة لن تنتهي إلا بالقضاء على آخر عنصر من "الدعم السريع". فضلاً عن أن وقف إطلاق النار في حاجة إلى ترتيبات معقدة نسبياً.

وهذه المرة، ووفقاً للمقترح الجديد، تجرب أميركا وشركاؤها في الرباعية أن يكون المدخل إنسانياً صرفاً تتوافق عليه الأطراف، ثم تنتقل إلى وقف إطلاق النار وإنهاء العدائيات.

وبالتزامن مع ورقة أطراف الحرب، مرَّرت الولايات المتحدة عبر مستشار ترمب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس رؤية جديدة للشركاء في الرباعية، تتضمن أفكاراً توافقية لحل النزاع في السودان تراعي مصالح ومخاوف دول إقليمية، في محاولة للعودة إلى نقطة التأسيس الأولى سعياً لتحريك الجمود وإنهاء حالة "انسداد الأفق". إلا أن المحاولة لا تزال محدودة الأثر.

وإزاء ذلك، ينتظر الجميع دوراً مختلفاً ومنفرداً من الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإدارته، يُنهي حالة لعبة المصالح المعلنة والخفية للفاعلين في مبادرات حل الأزمة السودانية من دول ومنظمات إقليمية ودولية. ولا سيما أن مسارات حل الأزمة واضحة ولم تتغير، ولم تخرج مما جاء في منبر جدة الذي انعقد في الأسابيع الأولى للحرب، المتمثل في إنهاء القتال وتوزيع المساعدات وحماية المدنيين وترتيبات أمنية وعسكرية وعودة إلى مسار الانتقال المدني الديمقراطي.

اتساع الدائرة: البحر الأحمر والإرهاب حاضر

في الأسبوع الماضي، وتحديداً يوم 4 مايو/أيار، استهدفت طائرة مسيَّرة مطار الخرطوم الذي كان قد بدأ للتو في استقبال رحلات دولية. وكانت المسيرة تتبع "الدعم السريع". والمفارقة أن الجيش السوداني أعلن رسمياً أن الطائرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، فيما أعلنت إثيوبيا أن السفير السوداني غير مرغوب فيه. وهنا بدت التحيزات والخلافات الإقليمية جليةً في الملفات الساخنة للمنطقة.

وقالت مصادر مطلعة لـ"المجلة" إن تحذيرات الولايات المتحدة جاءت مدعومةً بمعطيات استخباراتية دقيقة، تُشير إلى أن الفراغ الأمني الناجم عن الحرب بات يُوفِّر بيئةً خصبة لتمدد الجماعات المتطرفة، وأن منطقة البحر الأحمر شهدت تحركات لقيادات حوثية رفيعة بين باب المندب ومدينة بورتسودان، فضلاً عن تنسيق ملحوظ بين أطراف إيرانية نافذة وعناصر من تنظيم "الحركة الإسلامية" في السودان.

ينتظر الجميع دوراً مختلفاً ومنفرداً من الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإدارته، يُنهي حالة لعبة المصالح المعلنة والخفية للفاعلين في مبادرات حل الأزمة السودانية


ومن بين الأدلة كشف أميركا لتفاصيل صفقات السلاح بين إيران والجيش التي نفذتها الإيرانية شميم مافي، التي اعتقلتها السلطات الأميركية وأحالتها للمحاكمة في ولاية كاليفورنيا. وتشير المصادر إلى تحركات جماعات دينية متطرفة في مناطق غرب أفريقيا، باتت تتحرك بحرية أكبر في مناطق "الدعم السريع" في غرب السودان الذي يربط دولاً أفريقية عديدة.

والتقرير بشأن الإرهاب في أفريقيا الصادر عن دوائر استخباراتية أميركية لمَّح إلى استثمار الجماعات الإرهابية مناخَ الحرب في السودان للتخفي في أراضيه أو تهديد السلم والأمن العالميين. ومن المرشَّح تنامي هذا التهديد وفق قناعات الإسلاميين المتحكمين في المعركة، والذين جاهر أكثر من قيادي بينهم بمساندتهم إيران في حربها ضد أميركا وإسرائيل. وأشار المصدر إلى أن جهات عديدة لا تستبعد مضاعفة الإسلاميين استخدامهم ورقة البحر الأحمر في المساومات القادمة، وخاصة بعد تأثيرات الحرب الإيرانية على مضيق هرمز.

الأمم المتحدة: السيطرة متبادلة والحسم مستحيل

أصدر مجلس الأمن في الأول من فبراير/شباط تقريراً جاء فيه: "سعت الولايات المتحدة إلى تكثيف جهودها لإحياء محادثات السلام بشأن السودان بهدف تحقيق نتائج ملموسة؛ إلا أن تحقيق انفراجة قريبة يبدو مستبعداً". وأشارت تقارير أخرى إلى أن تبادل السيطرة بين القوات لا يزال قائماً، ويعمل كل طرف على توسيع دائرة نفوذه والاستيلاء على مدن حيوية.

فالدعم السريع يسيطر على دارفور وأجزاء من كردفان وعلى مناطق في النيل الأزرق، بينما يسيطر الجيش على ولايات الوسط والشمال والشرق. وبات في حكم المؤكد بعد ثلاث سنوات استحالة حسم المعركة عسكرياً لأي طرف من الأطراف.

وفي المقابل، لا سبيل سوى الحل التفاوضي الدبلوماسي. غير أنه مع تعنُّت الأطراف وانشغال المستشار الأميركي بملفات عديدة في الكونغو وإثيوبيا وإريتريا والصحراء الغربية، يبدو أن السودانيين على موعد مع حرب متطاولة ذات تداعيات معقدة وآثار كارثية محلياً وإقليمياً ودولياً.

font change