منذ أبريل/نيسان 2023، أطلقت "قوات الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) آلة قتل وتدمير بلا كوابح في السودان. لم تكن الميليشيا منذ يومها الأول في الحرب مجرد طرف مسلح في نزاع، ولم تكن أداة قتال عادية تتبع منطق الحرب وأعرافها، بل كانت، في جوهرها، نظام عنف متكاملا؛ بندقية تتغذى على الغنيمة، وتعيش على اتساع الخراب، ولا تتوقف حين تنتهي المعركة، بل تتمدد في سعيها لتحطيم الدولة.
مارست "قوات الدعم السريع" أسوأ ما في الحروب من مناهج الإبادة والنهب والترويع والتهجير كشفت فيه عن طبيعتها بامتياز. وهذا التوصيف ليس بلاغة خطابية، ولا غضبا سياسيا عابرا، بل هو أدق وصف تحليلي لطبيعة مشروع الميليشيا وأدواته. فهي لم تمارس العنف باعتباره سلاحا في الحرب؛ بل كطريقة في الحكم، وأداة لاقتصاد افتراس مسلح، ووسيلة لإخضاع وترويع المجتمعات.
اليوم، تتصدّع هذه المنظومة وتتساقط أركانها. لا لأنها استيقظت على ضمير غائب، ولا لأن العنف تاب عن نفسه، بل لأن البنية التي منحتها سرعة التمدد الأولى كانت تحمل في داخلها بذرة انهيارها. فقد بنت "قوات الدعم السريع" أركان الانتماء إليها على الغنيمة لا على المؤسسة، وعلى العصبية لا على الوطنية، وعلى الرعاية الخارجية لا على الشرعية الداخلية، مما جعلها تبدو صلبة ساعة الانقضاض الأولى، لكنها تبدأ في التفتت حين تغيرت الكلفة والمصلحة والمآل.
بداية الانقسامات
بدأت سلسلة الانقسامات من "قوات الدعم السريع"، في أكتوبر/تشرين الأول مع اقتراب الجيش السوداني من تحرير ولاية الجزيرة، حين أعلن "أبو عاقلة كيكل" أحد أبرز قادتها هناك بل كان القائد الأعلى للميليشيا في ولاية الجزيرة، انضمامه إلى القوات المسلحة السودانية. وبعد انشقاقه، شهدت قرى في شرق الجزيرة موجة عنف وانتقام واسعة بواسطة "قوات الدعم السريع"، شملت القتل والنهب والاعتداءات، في مشهد يكشف اعتماد الميليشيا على العقاب الجماعي.




