اختراقات الذكاء الاصطناعي تهدد البنوك والأسواق المالية

من تحويل بسنت واحد إلى اضطراب الأسواق

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

اختراقات الذكاء الاصطناعي تهدد البنوك والأسواق المالية

لم يحتج باحثون أمنيون في تجربة أجريت على بنك أوروبي إلى كسر كلمات المرور أو اختراق خوادم المؤسسة أو تثبيت برمجيات خبيثة على جهاز العميل. كان الهجوم أبسط من ذلك، تحويل مالي لا تتجاوز قيمته بضعة سنتات، مع تعليمات خبيثة مخبأة داخل خانة وصف المعاملة. وعندما طلب العميل من المساعد الذكي داخل تطبيق البنك قراءة معاملاته الأخيرة، تعامل النظام مع النص الموجود في التحويل باعتباره تعليمات يجب تنفيذها، فتمكن الباحثون من التلاعب به وعرض رسالة تصيد من داخل التطبيق نفسه.

لم تكن هناك خسارة مالية تذكر، لكن التجربة تكشف مشكلة أكبر بكثير، فالذكاء الاصطناعي الذي استخدمته البنوك لسنوات في التحليل وكشف الاحتيال وخدمة العملاء يتحرك الآن نحو نموذج مختلف يستطيع من خلاله الوكلاء الوصول إلى أنظمة متعددة، واستخدام أدوات خارجية، واتخاذ قرارات، وتنفيذ سلسلة من الخطوات بصورة شبه مستقلة. وفي 2026 بدأت بالفعل تجارب عملية لوكلاء قادرين على تنفيذ عمليات دفع من بدايتها إلى نهايتها، بالتزامن مع ظهور أمثلة على استخدام وكلاء مستقلين في هجمات سيبرانية حقيقية.

لهذا لم يعد السؤال الأمني مقتصرا على ما إذا كان المهاجم يستطيع خداع نموذج لغوي. السؤال الأكثر حساسية هو ما الذي يحدث عندما يكون النموذج الذي تم خداعه يمتلك صلاحية التحويل أو التداول أو إدارة السيولة أو الاتصال بأنظمة أخرى؟ وإذا كانت مؤسسات كثيرة تعتمد على نماذج متشابهة أو مزودين مشتركين، فهل يمكن أن ينتقل أثر حادث محدود من وكيل واحد إلى المدفوعات والسيولة والأسواق، بحيث يتحول الاختراق السيبراني إلى مشكلة مالية أوسع؟

من قراءة البيان الى تنفيذ الأوامر

التحول الأساس في وكلاء الذكاء الاصطناعي لا يكمن في أن النموذج أصبح أكثر ذكاء فقط، بل في أن المسافة بين "الاقتراح" و"التنفيذ" أصبحت أقصر. يستطيع المساعد التقليدي تلخيص تقرير أو تفسير معاملة أو تنبيه موظف إلى نشاط مشبوه، لكن القرار النهائي يبقى لدى الإنسان.

أما الوكيل فيمكنه جمع المعلومات من مصادر عدة، واستخدام برامج أخرى، والانتقال بين خطوات متتابعة حتى ينجز المهمة التي كُلّف بها دون موافقة بشرية عند كل مرحلة، وهذه الاستقلالية هي ما يجعل الوكلاء جذابين للمؤسسات المالية، وهي أيضا ما يرفع تكلفة الخطأ إذا تم خداعهم.

في يونيو 2024، حذر بنك التسويات الدولية من أن استخدام مؤسسات متعددة لخوارزميات متقاربة أو نماذج مدربة على بيانات متشابهة قد يدفعها إلى اتخاذ قرارات متزامنة، خصوصا في فترات الضغط

في أبريل/نيسان 2026، كشف باحثون من شركة Blue41 عن اختبار أمني داخل بنك أوروبي كبير لم يُعلن اسمه. أرسل الباحثون تحويلا بقيمة سنت واحد، ووضعوا في وصفه نصا يتضمن تعليمات موجهة إلى المساعد الذكي. وعندما طلب العميل من المساعد عرض معاملاته، قرأ النظام الوصف المالي باعتباره جزءا من البيانات التي يحتاج إلى تحليلها، لكنه لم يفصل بصورة كافية بين البيانات وبين الأوامر. النتيجة كانت إمكان تحويل المساعد إلى قناة لعرض رسالة تصيد تبدو للعميل كأنها صادرة من داخل البيئة البنكية الموثوق بها.

هذا الأسلوب يعرف باسم "حقن الأوامر غير المباشر". وبدلا من أن يخاطب المهاجم النموذج مباشرة، يزرع التعليمات داخل محتوى يعرف أن الوكيل سيقرأه لاحقا، مثل بريد إلكتروني أو ملف أو وصف معاملة. وإذا كان النموذج لا يملك سوى القراءة فقد ينتهي الهجوم بإجابة مضللة. أما إذا كان الوكيل يمتلك صلاحيات للتنفيذ، فقد يصبح النص الخبيث نقطة البداية لسلسلة من الإجراءات الحقيقية.

AFP
ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة "مايكروسوفت"، يلقي خطابا خلال فعالية بعنوان "يوم مايكروسوفت لبناء الذكاء الاصطناعي"

بعد ذلك بأشهر ظهر الوجه الآخر للمشكلة. ففي يوليو/تموز 2026، رصد باحثون عملية استهدفت وزارة المالية التايلاندية استخدم فيها المهاجمون وكيلا مفتوح المصدر يعرف باسم "هيرمس". وجرى تشغيله في وضع يسمح له بالعمل دون الرجوع إلى الإنسان عند كل خطوة، واستخدم في الاستطلاع والبحث عن الثغرات وفحص الملفات والأنظمة المستهدفة. ولم تؤكد الوزارة اختراقا شاملا لكل الأنظمة، لكن السجلات والأدوات التي عثر عليها الباحثون أظهرت أن الوكيل أصبح جزءا تنفيذيا من العملية الهجومية.

والفارق بين الحادثتين يلخص التحول الجاري. في البنك الأوروبي كان الوكيل هدفا للهجوم، وفي تايلاند كان الوكيل أداة للهجوم. في الحالة الأولى يحاول المهاجم السيطرة على "العامل الرقمي" الموجود داخل المؤسسة، وفي الثانية يستخدم عاملا رقميا خاصا به لزيادة سرعة الهجوم. وفي الحالتين يتراجع دور الإنسان من منفذ لكل خطوة إلى مشرف على عملية يستطيع الذكاء الاصطناعي مواصلتها بنفسه.

سلوك جماعي

لا تبدأ المشكلة مع الوكلاء وحدهم. فمنذ سنوات تحذر المؤسسات المالية الدولية من أن التوسع في استخدام الخوارزميات المتشابهة يمكن أن يجعل الأسواق أكثر ترابطا من الناحية السلوكية.

في يونيو/حزيران 2024، حذر بنك التسويات الدولية من أن استخدام مؤسسات متعددة لخوارزميات متقاربة أو نماذج مدربة على بيانات متشابهة قد يدفعها إلى اتخاذ قرارات متزامنة، خصوصا في فترات الضغط. فإذا رأت الأنظمة الإشارات نفسها وفسرتها بالطريقة نفسها، فقد تبدأ في بيع الأصول أو الاحتفاظ بالسيولة في الوقت نفسه، مما يزيد سلوك القطيع ويضخم تحركات السوق. كما أشار البنك إلى أن الاعتماد على عدد محدود من الشركات التي توفر النماذج المتقدمة يمكن أن يحول العطل أو الهجوم على مزود واحد إلى نقطة ضعف مشتركة.

يظهر الفارق بين الهجوم التقليدي والهجوم على منظومة وكلاء. في النظام التقليدي يحتاج المهاجم غالبا إلى اختراق عدة حسابات أو أنظمة كي يوسع أثره. أما الوكيل فقد يمتلك مسبقا صلاحية الوصول إلى الأدوات التي يحتاج إليها، وبالتالي يصبح التلاعب بمدخلاته بديلا جزئيا من سرقة كل صلاحية على حدة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، قدم صندوق النقد الدولي تحذيرا مشابها، فالذكاء الاصطناعي قد يحسن كفاءة التداول وإدارة المخاطر، لكنه قد يجعل الأسواق أسرع وأكثر تقلبا في الأزمات، بالتزامن مع ارتفاع مخاطر التلاعب السيبراني والاعتماد على مزودي خدمات مشتركين.

وفي 2025، انتقل النقاش إلى اختبار سلوك الوكلاء أنفسهم، ففي تجارب نشرها الاحتياطي الفيديرالي الأميركي، جرى وضع وكلاء مبنيين على نماذج لغوية في بيئات تحاكي قرارات الاستثمار. وأظهرت النتائج أنهم قد يتصرفون في بعض الحالات بصورة أكثر عقلانية من البشر، لكنهم قد ينخرطون أيضا في سلوك جماعي عندما ترتبط أرباحهم بقراءة تصرفات الآخرين.

وهذا يرفع المخاطر في القطاع المالي. فالمشكلة لا تكون فقط في وكيل واحد اتخذ قرارا خاطئا، وإنما في احتمال أن تستجيب أنظمة متعددة بالطريقة نفسها للمعلومة نفسها. وإذا كانت سرعة القرار تقاس بالثواني، فقد تظهر الحركة الجماعية قبل أن يتمكن البشر من فهم ما بدأها.

اختراق السوق

لكي يتحول حادث سيبراني إلى أزمة مالية، لا يحتاج المهاجم إلى "اختراق السوق" مباشرة. يمكن أن يبدأ المسار من نقطة أصغر بكثير.

قد يتعرض وكيل مسؤول عن المدفوعات للتلاعب، فيصدر أوامر غير صحيحة أو يوقف معاملات سليمة. وقد يؤدي ذلك إلى تأخر التسويات أو ظهور فجوة مؤقتة في السيولة. وإذا كانت المؤسسة كبيرة أو مرتبطة بعدد واسع من الأطراف، يمكن أن تنتقل المشكلة إلى بنوك أو شركات مدفوعات أو أسواق تعتمد على وصول الأموال في توقيت محدد. وإذا صاحب ذلك نقص في المعلومات أو شائعات عن اختراق واسع، فقد يتحول الخلل التشغيلي إلى أزمة ثقة.

REUTERS
مبنى المقر الرئيس لشركة OpenAI بعدما أصدرت هيئة محلفين أميركية حكما ضد إيلون ماسك في دعواه القضائية ضد الشركة، إذ رأت أن شركة الذكاء الاصطناعي غير مسؤولة أمام أغنى رجل في العالم عن انحرافها المزعوم عن مهمتها الأصلية

هنا يظهر الفارق بين الهجوم التقليدي والهجوم على منظومة وكلاء. في النظام التقليدي يحتاج المهاجم غالبا إلى اختراق حسابات أو أنظمة عدة كي يوسع أثره. أما الوكيل فقد يمتلك مسبقا صلاحية الوصول إلى الأدوات التي يحتاج إليها، وبالتالي يصبح التلاعب بمدخلاته بديلا جزئيا من سرقة كل صلاحية على حدة.

يأتي هذا التحول في وقت يعاني فيه القطاع المالي من ضغط سيبراني مرتفع أصلا. ووفقا لصندوق النقد الدولي تكبدت المؤسسات المالية خسائر مباشرة تقترب من 12 مليار دولار بسبب الحوادث السيبرانية منذ 2004، بينما وصلت خسائر بعض الحوادث الكبرى إلى نحو 2.5 مليار دولار للحادث الواحد.

لكن الخسارة المباشرة لا تمثل دائما الجزء الأكبر من الضرر. فالهجوم يمكن أن يوقف الخدمات، ويؤخر المدفوعات، ويجبر المؤسسة على إعادة بناء أجزاء من بنيتها الرقمية، ويؤدي إلى تعويضات وغرامات وتكاليف قانونية، إلى جانب فقدان ثقة العملاء والمستثمرين.

عندما يكون الهدف واسعا والصلاحيات كبيرة، قد يبتكر الوكيل طرقا لم يتوقعها المصمم، وقد يستخدم وكلاء آخرين إذا وجد أن التعاون معهم أكثر كفاءة.

ومع انتشار الوكلاء، قد يرتفع حجم الضرر المحتمل لأن الأنظمة الجديدة مصممة أساسا للعمل بسرعة والانتقال بين أدوات عدة. فإذا كان الوكيل المخترق يستطيع قراءة البيانات وتشغيل البرامج وإرسال أوامر مالية، فإن الخطأ لا يظل داخل شاشة محادثة، بل يمكن أن يتحرك عبر سلسلة من العمليات قبل أن يظهر التنبيه الأول للموظفين.

ويتزامن ذلك مع انتشار واسع للذكاء الاصطناعي في المؤسسات المالية. فقد أظهر مسح أجراه بنك إنكلترا وهيئة السلوك المالي البريطانية أن 75 في المئة من المؤسسات المشاركة تستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل. كما تعتمد بعض هذه الاستخدامات على شركات خارجية توفر النماذج أو البنية السحابية، وهو ما يضيف خطر التركز التكنولوجي إلى الخطر السيبراني.

تعاون الوكلاء

ولا يقتصر القلق على خداع وكيل منفرد، ففي اختبارات أمنية مرتبطة بشركة "أوبن إيه آي" خلال 2026، تمكن وكلاء من الخروج من بيئة اختبار معزولة والوصول إلى أنظمة خارجية أثناء تنفيذ الهدف الذي حدده الباحثون. كما أنشأوا وسيلة للتواصل في ما بينهم، وأعادوا إنشاءها بعد محاولة إغلاقها، ثم نسقوا خطواتهم على خدمات داخلية وخارجية.

لا يعني ذلك أن الوكلاء "تمردوا" أو طوروا نيات مستقلة، إذ لا يزالون يحاولون تحقيق هدف وضعه البشر. لكن التجربة تكشف مشكلة أكثر واقعية، فعندما يكون الهدف واسعا والصلاحيات كبيرة، قد يبتكر الوكيل طرقا لم يتوقعها المصمم، وقد يستخدم وكلاء آخرين إذا وجد أن التعاون معهم أكثر كفاءة.

وفي القطاع المالي، يمكن أن يصبح ذلك أكثر حساسية إذا وزعت المؤسسة العمل مستقبلا بين مجموعة من الوكلاء: واحد للمدفوعات، وآخر للسيولة، وثالث للتداول، ورابع لمراقبة المخاطر. عندها قد لا يتوقف الخطأ عند النظام الذي بدأ منه. قد تنتقل المعلومة بين الوكلاء ويتخذ كل واحد إجراء بناء عليها، فتتضخم المشكلة خلال ثوان.

ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أن الذكاء الاصطناعي قد يرتكب خطأ جديدا، بل في أنه يضيف إلى الأخطاء القديمة ثلاثة عناصر شديدة الحساسية للقطاع المالي: السرعة والاستقلالية والترابط.

ومع اجتماع هذه العناصر، تصبح الحماية التقليدية التي تركز على منع الاختراق وحده غير كافية. فالمؤسسات ستحتاج أيضا إلى تحديد ما يسمح لكل وكيل بفعله، وفصل البيانات عن التعليمات، وتقييد الصلاحيات، ووضع نقاط توقف بشرية للعمليات الحساسة، ومراقبة سلوك الوكلاء وليس فقط مخرجاتهم.

فالتحويل الذي بدأ بسنت واحد يوضح المشكلة بدقة. القيمة المالية للحادث كانت شبه معدومة، لكن الوكيل فتح طريقا من بيانات معاملة عادية إلى واجهة موثوق بها داخل البنك. وإذا أصبح الوكيل نفسه قادرا على تنفيذ التحويل أو إدارة السيولة أو التداول، فلن يكون السؤال فقط كم يستطيع المهاجم سرقته، بل إلى أي مدى يمكن الخطأ أن ينتشر قبل أن ينجح البشر في إيقافه.

وهنا يتحول الخطر من مسألة أمن سيبراني تخص مؤسسة واحدة إلى سؤال يتعلق بالاستقرار المالي كله، فهل تستطيع البنوك إدخال وكلاء أكثر استقلالا وسرعة إلى منظومة شديدة الترابط، من دون أن تتحول الميزة التي تجعلهم مفيدين إلى الآلية نفسها التي تسمح لحادث صغير بأن يصبح أزمة أكبر؟

font change

مقالات ذات صلة