هل تنهار المحكمة الجنائية الدولية؟

قراءة قانونية في أخطر أزمة وجودية تواجه المحكمة منذ تأسيسها

(رويترز)
(رويترز)
رئيسة جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية، بايفي كاوكورانتا، تلقي كلمة أمام المندوبين قبل التصويت على إقالة المدعي العام كريم خان، في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، الولايات المتحدة، في 24 يوليو 2026

هل تنهار المحكمة الجنائية الدولية؟

لم تواجه المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها، اختبارا وجوديا مركبا شديد التعقيد كالذي تمر به هذه الأيام فللمرة الأولى في تاريخها، لم تعد التحديات التي تواجهها تقتصر على نقص التعاون أو الاتهامات بالانتقائية، بل اجتمعت ثلاث أزمات متزامنة تضرب المحكمة في صميم شرعيتها القضائية واستقلالها المؤسسي وقاعدة عضويتها، كان أول هذه الأزمات قيام جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، المؤسس للمحكمة، بعزل المدعي العام للمحكمة كريم خان من منصبه بتاريخ 24 يوليو/تموز المنصرم، في إجراء غير مسبوق في تاريخ المحكمة، على خلفية اتهامات بسوء سلوك جنسي جسيم، بينما ثاني هذه الأزمات حملة عقوبات أميركية-إسرائيلية غير مسبوقة طالت قضاة ومدعين ومسؤولين بالمحكمة عقب إصدارها مذكرتي أمر بالقبض ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، في حين كان ثالث هذه الأزمات حملة الانسحابات الجماعية غير المسبوقة من نظام روما الأساسي التي قادتها الولايات المتحدة وأسفرت عن خروج عدد من الدول من نظام المحكمة، وهي تشاد وفنزويلا والنيجر ومالي وبوركينا فاسو.

ونتيجة لتوقيت هذه الأحداث المتقاطعة وخلفياتها السياسية المتشابكة، يبرز سؤال جوهري بشأن مستقبل القانون الدولي الجنائي والمنظمات القضائية الدولية: هل تملك المحكمة الجنائية الدولية القدرة المؤسسية على الصمود أمام هذا الحصار متعدد الجبهات، أم إن هذه اللحظة تؤرخ لبداية تفكك تدريجي لأحد أهم صروح العدالة الجنائية الدولية؟

المحكمة بين الاستقلال عن الأمم المتحدة والارتباط بها

تعد المحكمة الجنائية الدولية جهة قضائية دولية دائمة ومستقلة عن المؤسسات القضائية التقليدية للأمم المتحدة، وإن كانت مرتبطة بها على سبيل التعاون بموجب اتفاقية خاصة موقعة بين المحكمة والأمم المتحدة، وقد أنشئت المحكمة بموجب نظام روما الأساسي الذي اعتمد في يوليو/تموز 1998 ودخل حيز التنفيذ في يوليو/تموز 2002، ومقرها بمدينة لاهاي الهولندية في حي المنطقة الدولية والذي يضم عدة مؤسسات قضائية وعدلية دولية.

وتختص المحكمة الجنائية الدولية بالفصل في الدعاوى الجنائية الخاصة بأربع جرائم دولية جسيمة، تعتبر أشد الجرائم خطورة من منظور القانون الدولي الإنساني، وهي: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان "التي أضيفت عام 2018"، وتعمل المحكمة وفقا لمبدأ التكامل مع الولايات القضائية الوطنية للدول الأعضاء، بحيث لا تحل محل القضاء الوطني إلا حين يثبت عجزه أو عدم رغبته الحقيقية في الملاحقة.

وتتألف المحكمة من أربعة أجهزة رئيسة: هيئة الرئاسة، والدوائر القضائية "التمهيدية والابتدائية والاستئنافية" ، التي تضم 18 قاضيا، ومكتب المدعي العام المستقل بحكم النظام الأساسي عن أي جهاز آخر في المحكمة أو خارجها، وقلم المحكمة، المختص بالمسائل الإدارية غير القضائية واللوجستية.

أما جمعية الدول الأطراف، فتتكون من ممثلي جميع الدول الموقعة والمصادقة على النظام الأساسي (125 دولة حتى مايو/أيار 2026)، وتمارس دورا تشريعيا ورقابيا وإداريا، بما في ذلك الموافقة على ميزانية المحكمة، وكذلك انتخاب القضاة والمدعي العام، كما تملك صلاحية عزل هؤلاء عند ثبوت سوء سلوك جسيم من أحدهم.

(أ.ف.ب)
المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان خلال مؤتمر صحافي في قصر سان كارلوس في بوغوتا، كولومبيا، في 25 أبريل 2024

نظرياً، يؤكد نظام روما استقلال المحكمة كمؤسسة، واستقلال قضاتها الذين يُنتخبون لولاية تسع سنوات غير قابلة للتجديد، واستقلال المدعي العام الذي يعمل كجهاز منفصل ويُنتخب أيضا من الجمعية وتمتعهم بالحصانة الوظيفية وآليات انتخاب وعزل داخلية محصنة من التدخل السياسي المباشر، ويُعتبر هذا الاستقلال ركيزة أساسية في المنظومة القضائية الدولية لضمان الحيدة والنزاهة والمساءلة بعيدا عن التأثيرات السياسية، وهي الركيزة التي تُختبر اليوم في ظل الأزمة الراهنة.

اتخذت جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي قرارا غير مسبوق في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية بالتصويت بأغلبية 82 دولة لعزل المدعي العام كريم خان، على خلفية اتهامات بسوء سلوك جنسي جسيم

ويتجلى ارتباط المحكمة ببعض مؤسسات الأمم المتحدة ، دون أن تكون جهازا من أجهزتها، بموجب اتفاق تعاون خاص، فتظهر علاقة المحكمة بمجلس الأمن في صلاحيتين استثنائيتين محددتين بموجب المادتين 13 و16 من نظام المحكمة الأساسي هما: إحالة أوضاع وحالات محددة إلى المدعي العام بموجب الفصل السابع من ميثاق إنشاء الأمم المتحدة الصادر عام 1945 بشأن ما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان، حتى لو في دولة من غير الدول الأطراف. وطلب تأجيل أو تعليق التحقيقات والملاحقات لمدة اثني عشر شهرا قابلة للتجديد.

الجنائية الدولية والعدل الدولية... ما الفرق؟

تختلف المحكمة الجنائية الدولية (International Criminal Court – ICC)، عن محكمة العدل الدولية (International Court of Justice – ICJ) اختلافا جوهريا: فالأولى محكمة جنائية دائمة مستقلة تحاكم الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والعدوان، بموجب نظام روما الأساسي وتتمتع باختصاص عالمي في بعض الأحيان، بينما الثانية هي الجهاز القضائي الرئيس للأمم المتحدة، تختص بالفصل في النزاعات القانونية بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ذات السيادة وإصدار الآراء الاستشارية، ولا تحاكم أفرادا ولا يمكن اللجوء إليها إلا بموافقة طرفي النزاع على عرض الأمر عليها احتراما لمبدأ سيادة الدول.

(أ.ف.ب)
قضاة يقفون قبل إصدار حكم غير ملزم بشأن التبعات القانونية للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية في محكمة العدل الدولية في لاهاي يوم 19 يوليو 2024

سابقة فريدة: أول عزل لمدع عام بتاريخ المحكمة الجنائية الدولية

اتخذت جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي قرارا غير مسبوق في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 24 يوليو/تموز 2026، حيث صوتت بأغلبية 82 دولة من أصل 125 على عزل المدعي العام كريم خان، من منصبه. وقد جاء القرار على خلفية اتهامات له بسوء سلوك جنسي جسيم، بعد أن خلُص مكتب الجمعية إلى أن خان أقام علاقة جنسية غير لائقة مع موظفة متدربة مبتدئة في مكتبه، مستغلا اختلال توازن السلطة بين وظيفته القضائية ووظيفتها الإدارية، وحاول عرقلة الشكوى المقدمة ضده، وقد سبق ذلك تنحٍ طوعي من المدعي العام نفسه عن ممارسة مهام منصبه في مايو/أيار 2025، ثم تعليق رسمي من الجمعية في يونيو/حزيران 2026.

من منظور القانون الدولي، يعد هذا الإجراء اختبارا حاسما لآليات المساءلة الداخلية المنصوص عليها في النظام الأساسي الواردة بالمادة 46 منه، والتي تمنح الجمعية صلاحية عزل المسؤولين المنتخبين عند ثبوت سوء سلوك جسيم أو إخلال خطير بالواجب. ويبرز القرار أهمية استقلال المؤسسة عن أي تأثير خارجي، مع الحفاظ على ضمانات الإجراءات العادلة. إلا أن توقيت القرار، في ظل الضغوط السياسية الراهنة، يثير تساؤلات بشأن قدرة المنظومة القضائية الدولية على الفصل بين المساءلة الشخصية وحماية استقلالية المحكمة وأعضائها ككل، خاصة أن خان ينفي الاتهامات جملة وتفصيلا ويطعن في مشروعية قرار إقالته.

عقوبات أميركية-إسرائيلية تضرب استقلال القضاء

عقب إصدار المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي أمر بالقبض ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أثناء الحرب على غزة، أطلقت الولايات المتحدة حملة عقوبات غير مسبوقة طالت المدعي العام كريم خان وعددا من القضاة والمدعين والمسؤولين في المحكمة، تجاوز عددهم العشرة، وتمثل هذه التدابير تحديا مباشرا لمبدأ استقلال القضاء الدولي وعدم التدخل في شؤون المؤسسات القضائية، المنصوص عليه في نظام روما الأساسي والاتفاقات الدولية.

عقب إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي قبض ضد نتنياهو وغالانت بتهم جرائم حرب في غزة، أطلقت واشنطن حملة عقوبات غير مسبوقة طالت المدعي العام كريم خان وقضاة آخرين، في تحد لاستقلال القضاء الدولي

وقد فرضت إدارة الرئيس دونالد ترمب هذه العقوبات بموجب أمر تنفيذي صدر في فبراير/شباط 2025، شمل تجميد أصول المحكمة منع دخول قضاة المحكمة وموظفيها إلى الأراضي الأميركية وقطع الوصول إلى النظام المالي، بمشاركة ضغوط إسرائيلية مكثفة، وذلك على الرغم من أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد وقعتا على اتفاقية نظام روما الأساسي بتاريخ 31 ديسمبر/كانون الأول 2000، إلا أنهما أعلنتا بعد ذلك عدم نيتهما المصادقة على الاتفاقية، وقد سحبت الولايات المتحدة توقيعها بالفعل بتاريخ 6 مايو/أيار 2002، في حين قامت إسرائيل بسحب توقيعها بتاريخ 28 أغسطس/آب 2002.

انسحابات جماعية وتآكل قاعدة العضوية

شهد "نظام روما الأساسي" موجة انسحابات جماعية غير مسبوقة قادتها الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة، أسفرت عن خروج خمس دول هي مالي وبوركينا فاسو والنيجر ثم فنزويلا وتشاد. أعلنت دول الساحل الأفريقي الثلاث نيتها في الانسحاب خلال سبتمبر/أيلول 2025، ووصفت المحكمة بـأنها تحولت إلى "أداة قمع استعماري جديد"، قبل أن تقوم هذه الدول بإيداع وثائق الانسحاب الرسمية فعلا من المحكمة لاحقا بالجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما أخطرت فنزويلا وتشاد الأمم المتحدة بقرارهما في يوليو/تموز 2026، مدفوعتين باتهامات بالانحياز الجغرافي وضغوط أميركية مباشرة في حالة تشاد، ووفقا للمادة 127 من النظام، يدخل الانسحاب حيز النفاذ بعد عام من الإخطار، مع استمرار الالتزامات السابقة.

من منظور فقه القانون الدولي العام، تُضعف هذه الانسحابات قاعدة العضوية العالمية للمحكمة وقدرتها على الردع، وتعيد إحياء نقاش مبدأ "العدالة الانتقائية" مقابل السيادة الوطنية. وتطرح تساؤلات حول هشاشة المنظومة القضائية الدولية أمام نفوذ القوى الكبرى، وإمكانية إنشاء آليات إقليمية بديلة، ومدى تأثير تآكل العضوية على شرعية نظام روما ككل كأداة لمكافحة الإفلات من العقاب على صعيد القضاء الوطني.

تقاطع الأزمات الثلاث

لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل أزمة عزل المدعي العام كريم خان عن حملة العقوبات الأميركية-الإسرائيلية وموجة الانسحابات الجماعية، فالأحداث الثلاث تقاطعت زمنيا بين عامي 2025 و2026 في سياق ضغوط سياسية متصاعدة أعقبت إصدار مذكرات إلقاء القبض ضد نتنياهو وغالانت، حيث جاء العزل في يوليو/تموز 2026 بعد أشهر من العقوبات التي طالت خان نفسه وقضاة آخرين، بينما تزامنت إعلانات الانسحاب مع تصعيد الحملة الأميركية لتفكيك المحكمة.

يكشف هذا التداخل هشاشة المؤسسات القضائية الدولية أمام نفوذ القوى الكبرى، ويهدد مبدأ استقلال القضاء وعدم الإفلات من العقاب الذي يقوم عليه نظام روما. وتثير الخلفيات السياسية المتشابكة تساؤلات حول قدرة المنظومة على الفصل بين المساءلة الداخلية والضغوط الخارجية، ومدى تأثير تآكل الشرعية والعضوية على فعالية المحكمة كـ"محكمة الملاذ الأخير"، خاصة أن المحكمة ليست جهازا تابعا للأمم المتحدة ولا تخضع لسيادة أي دولة.

إنقاذ المحكمة: دروس من "عصبة الأمم" ونورنبرغ ومحاكم دولية سابقة

رغم خطورة الأزمة الوجودية الراهنة، فإن المحكمة الجنائية الدولية لا تزال تحتفظ باختصاصها على الجرائم السابقة للانسحاب، ومذكرات القبض الصادرة تظل سارية. من منظور القانون الدولي العام والمنظمات الدولية، يمكن استخلاص دروس تاريخية مشابهة لمنظمات دولية سابقة في هذا الصدد، فقد فشلت عصبة الأمم بسبب غياب الإرادة السياسية والدعم من القوى الكبرى، فانحلت.

 أما محاكم نورنبرغ فقد نجحت كنموذج مؤقت بفضل التوافق الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، في حين أثبتت محكمتا رواندا ويوغوسلافيا السابقة قدرة الآليات المخصصة على إنجاز ولاياتها رغم التحديات، عن طريق إنشاء هيئات تكميلية لاحقا تتولى استكمال المهام القضائية والإدارية المتبقية بعد انتهاء الولاية الأساسية.

(أ.ب)
المحكمة الجنائية الدولية، في لاهاي، هولندا

يمكن إنقاذ المحكمة عبر إصلاحات داخلية تعزز الشفافية والمساءلة، وتوسيع قاعدة العضوية، وبناء تحالفات سياسية أقوى، ودعم مالي مستدام، ويبقى السؤال الأبرز: هل ستنجح المحكمة في الحفاظ على استقلالها كمحكمة دائمة، أم ستتحول إلى مؤسسة ضعيفة؟ الإجابة مرهونة بإرادة الدول الأطراف في حماية مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

font change