قلة ربما تعرف أن نظرية الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، الذي غادر عالمنا في مطلع يونيو/ حزيران الجاري، حول "الظاهرة المركبة"، التي طبقها على الفنون (السينما خصوصا) وعلى الرياضة (كرة القدم خصوصا)، كان لها أكبر الأثر على عدد من المدربين العالميين، وفي طليعتهم البرتغالي جوزيه مورينيو، والإسباني بيب غوارديولا، إذ ساعدهم في فهم الديناميكات التي تنشأ من السيناريوهات اللامتناهية التي تفرضها مباراة كرة القدم على أرض الملعب، بحيث يمكن وضع خطط لعب متماشية مع هذه الديناميكيات، بما في ذلك حتى الفوضى التي تحكم نسق عمل المواجهات الكروية.
ففي كتابه "الرياضة تحمل في طياتها المجتمع بأكمله" (2020)، الذي كان صدر قبل النسخة الورقية على هيئة مقابلة فيلمية (2010)، أجاب إدغار موران عن السؤال: "بصفتكم داعية إلى الفكر المركب، ألن تنجح الرياضة، أو الظاهرة الرياضية، كما هو شأن الظاهرة الثقافية عموما، في أن ينظر إليها باعتبارها ’واقعا اجتماعيا كليا’ أخذا بعبارات مارسيل موس، فتشكل بهذا موضوعا للبحث متعدد التخصصات، بل متداخلها؟".
يقول موران إجابة عن هذا السؤال: "أن نتكلم عن رياضة باعتبارها واقعا اجتماعيا كليا هو أن نأخذ في الاعتبار رياضات ككرة القدم أو الكرة المستطيلة، التي لا ترهن الحشود فحسب، وإنما، وخصوصا حينما يتعلق الأمر بالرياضات الاحترافية، تجلب العائد وقوى المال، ويتم شراء اللاعبين المحترفين بثمن باهظ جدا. وما يبدو قبليا فضائحيا لا يكون بالقدر نفسه كذلك بعديا. فهل الرياضة ظاهرة كلية؟ نعم، إنها كذلك، لأنها ستتسول المحبة والاستفادة معا - تلك حالة النادي المحلي، على سبيل المثل - وهي نوع من ظاهرة التماهي أو تحقق الانتماء. فنادي "أولمبيك مارسيليا" على سبيل المثل، يستطيع أن يحشد كثيرا من الشباب المهاجرين إلى فرنسا الذين سيتماهون مع الفريق. وهكذا نلاحظ أن الرياضة تفرز نوعا من الفكر القومي المحلي، على الرغم من بقاء الاختلافات والصراعات مستمرة في ميادين أخرى".
الكرة والانتماء
يرى موران أن الفرق الكروية تلعب اليوم، على الصعيد الوطني، دورا رئيسا في عملية تحقيق الانتماء الوطني. وهو يشير إلى حالة البرازيل معتبرا إياها ذات أهمية قصوى في هذا الصدد: "يتعلق الأمر ببلد لم تتغذ الوطنية لديه على تاريخ حربي سابق، أو على انتصارات أو هزائم عسكرية، كما هو الشأن بالنسبة لحالة فرنسا. فالبرازيل تتغذى على لعبة كرة القدم. ما هو صادم صارخ هو أن هذه القومية المتحمسة تنتج القليل جدا من العنف. هناك بالتأكيد حالات قصوى، مع ظاهرة المشجعين المتعصبين، لكن الملاحظ، مع ذلك، هو أنه، ومع رصد مقدار كبير من الحماسة أو الحزن، بحسب ما إذا كان الفريق قد ربح المباراة أو خسرها، بل من الغضب، إذا كانت هناك مآخذ على التحكيم، فإن الأمور تمر في غالب الأحيان بكيفية هادئة وسلمية".



