ما الذي قاله إدغار موران عن كرة القدم بوصفها ظاهرة مركبة؟

نظرية غيرت نمط تفكير مورينيو وغوارديولا

by Mauro PIMENTEL / AFP
by Mauro PIMENTEL / AFP
مشجعون برازيليون قبل مباراة البرازيل والمغرب في كأس العالم 2026

ما الذي قاله إدغار موران عن كرة القدم بوصفها ظاهرة مركبة؟

قلة ربما تعرف أن نظرية الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، الذي غادر عالمنا في مطلع يونيو/ حزيران الجاري، حول "الظاهرة المركبة"، التي طبقها على الفنون (السينما خصوصا) وعلى الرياضة (كرة القدم خصوصا)، كان لها أكبر الأثر على عدد من المدربين العالميين، وفي طليعتهم البرتغالي جوزيه مورينيو، والإسباني بيب غوارديولا، إذ ساعدهم في فهم الديناميكات التي تنشأ من السيناريوهات اللامتناهية التي تفرضها مباراة كرة القدم على أرض الملعب، بحيث يمكن وضع خطط لعب متماشية مع هذه الديناميكيات، بما في ذلك حتى الفوضى التي تحكم نسق عمل المواجهات الكروية.

ففي كتابه "الرياضة تحمل في طياتها المجتمع بأكمله" (2020)، الذي كان صدر قبل النسخة الورقية على هيئة مقابلة فيلمية (2010)، أجاب إدغار موران عن السؤال: "بصفتكم داعية إلى الفكر المركب، ألن تنجح الرياضة، أو الظاهرة الرياضية، كما هو شأن الظاهرة الثقافية عموما، في أن ينظر إليها باعتبارها ’واقعا اجتماعيا كليا’ أخذا بعبارات مارسيل موس، فتشكل بهذا موضوعا للبحث متعدد التخصصات، بل متداخلها؟".

يقول موران إجابة عن هذا السؤال: "أن نتكلم عن رياضة باعتبارها واقعا اجتماعيا كليا هو أن نأخذ في الاعتبار رياضات ككرة القدم أو الكرة المستطيلة، التي لا ترهن الحشود فحسب، وإنما، وخصوصا حينما يتعلق الأمر بالرياضات الاحترافية، تجلب العائد وقوى المال، ويتم شراء اللاعبين المحترفين بثمن باهظ جدا. وما يبدو قبليا فضائحيا لا يكون بالقدر نفسه كذلك بعديا. فهل الرياضة ظاهرة كلية؟ نعم، إنها كذلك، لأنها ستتسول المحبة والاستفادة معا - تلك حالة النادي المحلي، على سبيل المثل - وهي نوع من ظاهرة التماهي أو تحقق الانتماء. فنادي "أولمبيك مارسيليا" على سبيل المثل، يستطيع أن يحشد كثيرا من الشباب المهاجرين إلى فرنسا الذين سيتماهون مع الفريق. وهكذا نلاحظ أن الرياضة تفرز نوعا من الفكر القومي المحلي، على الرغم من بقاء الاختلافات والصراعات مستمرة في ميادين أخرى".

الكرة والانتماء

يرى موران أن الفرق الكروية تلعب اليوم، على الصعيد الوطني، دورا رئيسا في عملية تحقيق الانتماء الوطني. وهو يشير إلى حالة البرازيل معتبرا إياها ذات أهمية قصوى في هذا الصدد: "يتعلق الأمر ببلد لم تتغذ الوطنية لديه على تاريخ حربي سابق، أو على انتصارات أو هزائم عسكرية، كما هو الشأن بالنسبة لحالة فرنسا. فالبرازيل تتغذى على لعبة كرة القدم. ما هو صادم صارخ هو أن هذه القومية المتحمسة تنتج القليل جدا من العنف. هناك بالتأكيد حالات قصوى، مع ظاهرة المشجعين المتعصبين، لكن الملاحظ، مع ذلك، هو أنه، ومع رصد مقدار كبير من الحماسة أو الحزن، بحسب ما إذا كان الفريق قد ربح المباراة أو خسرها، بل من الغضب، إذا كانت هناك مآخذ على التحكيم، فإن الأمور تمر في غالب الأحيان بكيفية هادئة وسلمية".

يؤكد صاحب "الرياضة تحمل في طياتها المجتمع بأكمله"، أكثر من مرة، أنه يحاول أن تكون له نظرة مركبة عن الرياضة، نظرة لا أحادية التحديد، وذلك بأخذ الموضوع من خلال مظاهره المتشابكة جميعها، وليس السلبية منها فقط. وهو يستعمل لفظ "التركيب" في معناه الاشتقاقي اللاتيني complexus الذي يعني "ما ينسج في مجموعه" وفي "تشابكه" plexus. وعلى رغم ذلك، يلاحظ أن "المثير للاهتمام، هو أن الاستراتيجيا المركبة ترصد تفكيرا هو في واقع الأمر مركب، من دون أن يكون كذلك في الوعي بالسيرورات الفكرية والذهنية التي يوظفها. في عبارة أخرى، هناك في واقع الأمر كثير من التعقيد في كيفية تمثل الدماغ للفعل وإدراكه له، وتعقيد أقل بكثير في التفكير الواعي".

غلاف "الرياضة تحمل في طياتها المجتمع بأكمله"

وضع متشابك

وهو يعطي مثالا على ذلك مباراة كرة القدم فيقول: "في مباراة كرة القدم، يحدد مدرب ما مبدئيا، خطة المباراة بمساعدة المدير الفني للفريق. ولا تخص خطة فريق كرة القدم فقط كيفية بناء اللعب، وإنما تتعلق أيضا بكيفية إفشال اللعب المزعوم للفريق الخصم. ولعب الخصم موجه بدوره للهدف نفسه. وعلى كل منهما أن يفكر في كيفية تفكير الآخر في لعبه الخاص، وهكذا...".

يضيف موران: "إنه وضع مركب متشابك شديد التعقيد سلفا. وهنا تنشأ بدائل لا تنقطع. على سبيل المثل، تعرفون جيدا أن الهدف الأعلى للفريق، هو الوصول من طريق سلسلة من التمريرات المراعية للتنسيق المحكم، وفي لحظة سيمرر لاعب الجناح الكرة إلى قلب الهجوم الذي يكون في المكان المناسب، والذي سيسجل الهدف بمخادعة الحارس، لكننا نعرف أن الخصم، من فرط ما نجري التمريرات القصيرة المركزة، قد يختطف منا الكرة.

 CHARLY TRIBALLEAU / AFP
لاعب الوسط المغربي نيل العيناوي خلال مباراة المغرب والبرازيل في كأس العالم 2026

في هذه اللحظة تدخل الخطة الأخرى حيز التطبيق. إذا استحوذ أحد اللاعبين على الكرة، فإنه سيجرب حظه فرديا، وحتى لو لم يكن في المكان المناسب، سيحاول تسجيل الهدف، وأحيانا ينجح في ذلك، وأحيانا أخرى يخفق. والحال أنه اختيار اللحظة الأخيرة، وقرار اللاعب، أعني معرفة ما إذا كان سيجري تمريرة أم سيختار تسجيل الهدف. على المنوال نفسه يتم الانتقال من الهجوم إلى الدفاع  - بمعنى الانتقال من اللعب الهجومي حيث نلقي باللاعبين تجاه مرمى الخصم، إلى اللعب الدفاعي حيث يتم التكتل لحماية المرمى  - وهذا الانتقال لا يتوقف فحسب على خطة ثابتة -الخطط الفقيرة هي التي تقول: "لنكن جدارا واحدا"، "لنكن جدارا واحدا"، وإنما هو انتقال رهين بخطة مرنة متحولة سواء ما إذا تم تسجيل الهدف أو لم يتم".

هناك حالات أخرى يتبلور فيها هذا "التركيب" بشكل أكثر وضوحا. فعلى سبيل المثل، "حينما كانت تتم محاصرة اللاعب الفرنسي ميشال بلاتيني بقوة من طرف لاعبين خصمين أو ثلاثة، فإنه كان ينتظر خلال التسعين دقيقة تلك الثانية أو "بضع" الثواني التي يتراخى فيها الضغط عليه، وتسنح له الفرصة أن يتحرك بالكيفية الملائمة. بمعنى أن ذاك الذي لا يفعل عمليا شيئا على رقعة الملعب، باستطاعته، وفي لحظة معينة من المباراة، أن يسجل مع ذلك الهدف الحاسم. إضافة إلى ذلك، فاللاعبان أو الثلاثة الذين كانوا يحاصرونه كانوا يتركون بقية الفريق أحرارا يفعلون ما يشاؤون".

ما يتجاوز الفكر

وهكذا نلاحظ أن الخطة مركبة معقدة. وعليها أن تتحول دون انقطاع، إذ تظهر الثغرات من جديد في كل لحظة. الفن العظيم في كرة القدم، هو استغلال أخطاء الخصم، في تلقي الكرة، والنجاح في تسجيل الهدف. "في عبارة أخرى، فنحن نبني خطتنا على حساب أخطاء الخصم، وهفواته ونقائصه. أعتقد إذن أن هناك تفكيرا ساري المفعول يوميا في ملاعبنا، وفي جميع العروض الرياضية التي نشاهدها. وهذا التفكير يوجد من غير الاستعانة بالفكر النظري المبني على الربط بين المفهومات، خصوصا أن لعبة كرة القدم تقتضي، كما هو شأن السياسة على الدوام، شيئا إضافيا يتجاوز الفكر ولا يقبل التحديد والوصف، ما يحلو للبعض أن يسميه البديهة، أو الحدس، أو الفن، أو شيئا آخر ربما".

 Oli SCARFF / AFP
المدرب الإسباني بيب غوارديولا يوجه لاعبيه خلال مباراة لـ"مانشستر سيتي" في دوري أبطال أوروبا، 2026

صحيح أن كرة القدم تقوم على التدريبات والاستعدادات والمواهب الفنية، لكن، "بالنسبة إلى كل واحد من اللاعبين، كل شيء يتم لعبه لحظة بلحظة في سلسلة من الحسابات وفي سياق من تداخل الحسابات الحدسية المتداخلة في ما بينها، ومن حيث إن هذه التقديرات هي عناصر حساب رهينة بإدراك للأحداث، ما دام لا بد من النظر إلى الأمام وإلى الوراء، والإصغاء لما ينادي به رفيق اللعب. وسيحدد القرار نوع من الانتقاء للعناصر الحاسمة الذي هو ذاته انتقاء عرضي. وماذا بعد؟ هذا يدل على أن دماغنا من حيث هو آلة مدركة وآلة لتنظيم السلوكات، على الأقل تنظيم حركة أطرافنا، وبصفة خاصة، الأطراف السفلى، في حالتنا نحن البشر، تعمل على منوال تلقائي مركب جدا سلفا".

نتيجة لذلك، يعيب موران على بعض المواقف من كرة القدم رؤيتها التجزيئية، باختزالها في جانبها الاقتصادي، أو من حيث هي توظف كأفيون جديد للجماهير: "أنا على علم بأن هذا الأمر يطرح عددا معينا من الانتقادات: من طبيعة اقتصادية، على سبيل المثل، تلك التي ترمي إلى اختزال هذا النوع من الرياضة في الطابع التمويلي، أو في تحقيق الربح فقط، والتي لا تهتم بوجه اللعب الذي يفقد كل قيمته نظرا لأن المال يغلفه.

Getty Images
إدغار موران في منزله بباريس، 1975

القيمة كانت تعطى قديما لانتقاد آخر، في عصر سيطر فيه التيار الماركسي، هو ذاك المتعلق بالاستلاب. أتذكر فيلما برازيليا جميلا جدا لليون هيرزمان بعنوان "المتوفاة" A Falecida: إنها حكاية معجب بكرة القدم، كانت زوجته، المريضة جدا، تحتضر، لكن مباراة كانت ستجرى ذاك اليوم، وسيتابعها بشغف، وحينما يسجل فريقه هدفا في آخر المباراة، يصرخ فرحا، قبل أن ينتبه إلى أن زوجته ستموت، وعندها ينفجر منتحبا بشدة. وهكذا نجد شكلا أو صيغة من الانتقاد، غير ماركسية حقيقة، بل بالأحرى هي شبيهة بالماركسية. لا يرى هذا الانتقاد في الرياضة إلا الاستلاب الذي يرمي إلى جعل الطبقة الكادحة تنسى مهمتها الثورية، وتنسى الاستغلال الذي تقع ضحية له".

ضد التجزيء

ضد هذه المواقف التجزيئية، يعتقد موران أن علاقتنا بكرة القدم تعاش على مستويات متعددة، وهذه المستويات متشابكة بحيث يمكننا أن نكون معجبين جدا بالكرة، ونكون في الوقت نفسه، مناضلين نقابيين أو سياسيين. فـ"حين نشاهد فيلما ما، نفصح في الغالب عما هو أفضل فينا، لأننا نستطيع أن نتعاطف مع شخوص لن نراها إلا بكيفية أحادية الجانب في الحياة اليومية، كما هو الشأن بالنسبة الى فيلم 'العراب'، الفيلم الذي لا نرى فيه البطل على أنه مجرم فحسب، بل على أنه أب أيضا، وعشيق... يقع الأمر ذاته بالنسبة لكرة القدم، نجد أن ما هو أفضل فينا هو الذي يعبر عن ذاته ضمن شعور جماعي بالحب، ضمن الشعور بحب الانتماء للجماعة، ليس فقط شعور بحب الذات، بل بحب الجماعة التي ننتمي إليها. إنها لحظات بهجة قوية جدا. فالنظرة الاقتصادية والاجتماعية المبالغ فيها، والتي تجعل من الرياضة استلابا، هي نظرة أحادية الجانب أنتروبولوجيا، لأنها تغفل إحدى الخصائص الأساس للكائن البشري وهي أنه 'إنسان لاعب' Homo ludens. إنه كائن اللعب.

 إننا نلفي البهجة والسعادة في اللعب، ولو بالتفويض، حين لا نكون إلا مشاهدين متفرجين فحسب. في ملعب ماراكانيا دي رييو في البرازيل، أساهم بدوري أيضا في غبطة ونشوة مشجعي النادي. فأنا أحب رؤية الألعاب النارية وهي تنطلق من كل جانب، والطبول وهي تقرع، والصراخ، وانفعالات الابتهاج والفرحة، إنها كمثل رقصات، أو حصص من الجذب والافتتان أو المس، مس السعادة".

وحدها الرؤية المركبة، التي تنظر إلى الظاهرة في تشابك أجزائها، هي الأليق لطرق قضايا التنظيمات الاجتماعية والسياسية، وهي الكفيلة بأن تمكننا من الاقتراب من أي ظاهرة إنسانية، وليس من كرة القدم وحدها.

font change