لم يكد بلال عبيد، البالغ من العمر 47 عاما، ينتهي من الاستماع إلى نشرة الأخبار عبر مذياعه الصغير، حتى راوده شعور لم يختبره منذ شهور طويلة من الحرب. كان المذيع يتحدث عن إعلان للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وصفه بـ"الاتفاق التاريخي" الذي من شأنه أن يضع غزة على طريق مختلف، يبدأ بوقف الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية، ويمر بانسحاب الجيش، وينتهي بإقامة إدارة فلسطينية جديدة تشرف على إعادة إعمار القطاع.
للحظات، اعتقد بلال أن الحرب ربما اقتربت من نهايتها، وأن ما عاشه من فقدان لمنزله، ومقتل عدد من أقاربه، وخسارة مصدر رزقه في مهنة الحدادة، قد يكون الفصل الأخير من معاناة امتدت لأشهر. لكن تلك اللحظات لم تدم طويلا.
ففي الأول من أغسطس/آب، وبينما كانت وسائل الإعلام تتداول تفاصيل الإعلان الأميركي، دوّت غارة إسرائيلية في حي الصبرة وسط مدينة غزة، استهدفت شابا كان يستقل دراجة هوائية. أسفر القصف عن مقتل الشاب وإصابة أكثر من خمسة عشر آخرين، بينهم ابن شقيق بلال، البالغ من العمر أربعة عشر عاما، حيث أصيب إصابة بالغة انتهت ببتر ساقه.
يقول بلال، لـ"المجلة": "كل ما نسمع تصريحات أو أخبار عن اتفاق، نفكر أن القصف سيتوقف وأننا دخلنا مرحلة جديدة، لكن الواقع يقول العكس. القصف يزداد، وكل يوم هناك عائلات تفقد أبناءها أو يخرج أحد أفرادها بإعاقة دائمة".
يتوقف قليلا قبل أن يضيف: "ابن أخي كان يمشي في الشارع مثل أي طفل، والآن سيكمل حياته بساق واحدة. لذلك أصبح من الصعب علينا أن نصدق أي إعلان قبل أن نراه على الأرض".
لم يكن بلال وحده من تلقى إعلان ترمب بمزيج من الأمل والشك. فمع اقتراب الحرب على قطاع غزة من دخول عامها الجديد، أعاد الإعلان الأميركي فتح باب النقاش بين الفلسطينيين حول مستقبل القطاع، لكن هذه المرة وسط إرهاق غير مسبوق خلفته الحرب، جعل كثيرين ينظرون إلى أي مبادرة سياسية من زاوية واحدة: هل ستوقف القصف فعلا؟
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، في أواخر يوليو/تموز الماضي، عبر منصته "تروث سوشيال"، عن توصل "مجلس السلام" إلى اتفاق يقضي بنزع السلاح بالكامل من حركة "حماس" والفصائل المسلحة الأخرى في قطاع غزة، معتبرا أن الاتفاق يمثل "خطوة هائلة نحو تحقيق السلام والأمن الدائمين".
ووفق الإعلان، تتولى حكومة فلسطينية جديدة إدارة القطاع بالتعاون مع المجلس، بينما تنسحب القوات الإسرائيلية تدريجيا بعد استكمال مراحل تنفيذ الخطة، بالتزامن مع انتشار قوة دولية وقوة شرطة فلسطينية جديدة تتولى مسؤولية الأمن.
غير أن سكان غزة لم ينشغلوا كثيرا بتفاصيل الترتيبات السياسية أو الأمنية، بقدر ما انشغلوا بأسئلة أكثر إلحاحا: هل ستتوقف الحرب؟ هل سيتمكن النازحون من العودة إلى بيوتهم؟ وهل ستدخل المساعدات بلا قيود ويبدأ إعمار ما دمرته الحرب؟ وهل ستفتح المعابر للسفر بحرية؟
في غزة، لم تعد البيانات وحدها كافية لصناعة الأمل، إذ أصبح السكان يقيسون صدقية أي إعلان بتناقص عدد الغارات، لا بعدد التصريحات التي تصدر.
لم تكن الحاجة فتحية منصور، البالغة من العمر 63 عاما، تتابع تفاصيل إعلان ترمب ولا النقاشات السياسية التي تبعته. كل ما يشغلها هو سؤال واحد يتكرر مع كل صباح: كيف ستوفر الطعام لأحفادها الأربعة الأيتام؟
داخل خيمة مهترئة غرب مدينة غزة، تعيش فتحية مع ابنها الوحيد الناجي من بين أبنائها الثلاثة، إلى جانب أبناء شقيقيه الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم في قصف إسرائيلي سابق. منذ نزوحها من مخيم جباليا شمال القطاع، تحولت حياتها إلى رحلة يومية بين البحث عن الطعام، ومحاولة العثور على جهة تتكفل بالأطفال، ومراجعة المراكز الطبية التي لم تعد قادرة على توفير علاج لأمراضها المزمنة.
تقول لـ"المجلة": "طوال عمرنا كنا فقراء، لكن ما جعنا، أما اليوم وبعد ما فقدت اثنين من أبنائي وزوجاتهم، تركولي أربع أحفاد أيتام بحاول أكون أمهم وجدتهم في الوقت نفسه، وفي كتير من الأيام ما بلاقي اشي أطعميهم".
تتحدث وهي تشير إلى الأطفال الذين يلعبون أمام الخيمة، قبل أن تضيف بصوت يختلط فيه الإرهاق بالخوف: "خايفة أموت قبل ما أطمن عليهم، ما عندي إشي بتمناه إلا إن أحفادي يعيشوا حياة طبيعية".


