وزير الثقافة الفلسطيني لـ"المجلة": نريد تحويل الذاكرة من جرح إلى معرفة

الثقافة ليست هامشا نعود إليه بعد انتهاء الأزمات

وزير الثقافة الفلسطيني لـ"المجلة": نريد تحويل الذاكرة من جرح إلى معرفة

لم تسلم ذاكرة غزة من الحرب الإسرائيلية على القطاع، فإلى جانب آلاف الضحايا والدمار الذي طاول المدن والأحياء، فقد القطاع مكتبات ومؤسسات ثقافية ومواقع تاريخية وأرشيفات وأعمالا فنية، في خسارة تتجاوز ما يمكن قياسه بحجم المباني التي دمرت. وبينما تكشف الحرب عن حجم خسارة يصعب تعويضها، يواصل الإبداع الفلسطيني حضوره داخل فلسطين وخارجها، فارضا أسئلة جديدة حول دور الثقافة في معركة الهوية والذاكرة وإعادة بناء الإنسان.

"المجلة" تحدثت إلى وزير الثقافة الفلسطيني عماد حمدان، عن واقع الثقافة الفلسطينية بعد الحرب، وخسائر غزة الثقافية، ودور المؤسسات الرسمية، ومستقبل صناعة الكتاب، وإمكان بناء اقتصاد ثقافي، ورؤية السنوات المقبلة لإعادة الثقافة الفلسطينية إلى موقعها بوصفها قوة وطنية منتجة للمستقبل.

كيف تقيم واقع الثقافة الفلسطينية اليوم، خصوصا بعد حرب غزة؟

أعتقد أن علينا أولا أن نغير طريقة النظر إلى الثقافة الفلسطينية. فالثقافة ليست هامشا نعود إليه بعد انتهاء الأزمات، إنما هي أحد محاور الصراع الأساسية على الإنسان الفلسطيني، ووعيه وذاكرته وسرديته.

الحرب على غزة طاولت مكونات أساسية من الذاكرة الفلسطينية: المواقع الأثرية، المساجد والكنائس التاريخية، المكتبات، المراكز الثقافية، الجامعات، الأرشيفات، الأعمال الفنية، والمقتنيات التي تشكل جزءا من الذاكرة الجمعية.

لكن، في المقابل، كشفت الحرب عن قوة استثنائية للثقافة الفلسطينية. فالشعر الذي استمر تحت القصف، والكتاب الذي بقي حاضرا، والفنان الذي واصل فنه، والصورة التي خرجت من غزة إلى العالم، كلها تؤكد أن الثقافة الفلسطينية هي قدرة شعب على أن يحافظ على إنسانيته وسرديته في أقسى الظروف.

لذلك أرى أن واقع الثقافة الفلسطينية اليوم هو واقع ألم وخسارة من جهة، وصمود وتجدد من جهة أخرى. مسؤوليتنا في الوزارة هي أن نحول هذه الطاقة إلى مشروع وطني طويل الأمد، وأن ننتقل من إدارة الفعل الثقافي إلى بناء سياسة ثقافية قادرة على حماية الهوية وصناعة المستقبل.

موقع الثقافة

أين تقع الثقافة في سلم الأولويات الوطنية اليوم؟ وما السبل لبقائها في المركز؟

الثقافة يجب ألا تكون في آخر الأولويات عندما تكون الدولة تحت الحرب، إنما يجب أن تكون في قلب المشروع الوطني، لأن الاحتلال لا يحاول السيطرة على الأرض فحسب، إنه يحاول السيطرة على عمق الأرض وعلى رواية أصحابها.

يمكن أن نبني مسرحا جديدا، لكن لا يمكن أن نعيد أرواح الفنانين الذين استشهدوا، أو الذاكرة التي حملوها

حين تمحى قرية من الذاكرة، أو يغير اسم موقع تاريخي، أو يستولى على عنصر من عناصر التراث غير المادي، أو تهمش اللغة والفنون والحكاية الشعبية، فنحن أمام شكل آخر من أشكال مصادرة الوجود. ولهذا نحن نعمل على تثبيت الثقافة باعتبارها جزءا من الأمن القومي الفلسطيني بمفهومه الحضاري، وجزءا من الصمود والتنمية وبناء المواطن. ولكي تبقى الثقافة في المركز، نحتاج إلى ثلاثة أمور: إرادة سياسية تعتبر الثقافة استثمارا وطنيا لا إنفاقا، موازنات وبرامج مستدامة، وشراكة حقيقية مع الدول الصديقة.

كما نحتاج إلى أن نخرج بالثقافة من فكرة "الفعالية" إلى فكرة "السياسة". نريد منظومة تجعل الكتاب والفن والتراث والمتاحف والصناعات الإبداعية، جزءا من حياة المجتمع ومن الاقتصاد الوطني ومن أدوات فلسطين الديبلوماسية في العالم.

 Mohammed ABED / AFP
فلسطينيون يجمعون كتبا من أنقاض مركز ثقافي عقب غارة إسرائيلية في رفح جنوب قطاع غزة، 18 نوفمبر 2023

ماذا خسرت غزة ثقافيا ولا يمكن تعويضه بإعادة الإعمار؟

هناك أشياء يمكن إعادة بنائها، وهناك أشياء إذا فقدناها لا يمكن إعادة بنائها بالطريقة نفسها. فيمكن أن نبني مسرحا جديدا، لكن لا يمكن أن نعيد أرواح الفنانين الذين استشهدوا، أو الذاكرة التي حملوها، أو مخطوطا أحرق، أو صورة فقدت، أو مكتبة كانت تحتوي على تاريخ عائلة أو مدينة.

غزة فقدت جزءا من نسيجها الثقافي والاجتماعي، وفقدت مواقع ومقتنيات وشهادات مادية على تاريخها الممتد عبر آلاف السنين. لكن الخطر الأكبر هو أن نفقد أيضا الذاكرة المرتبطة بهذه الأشياء: الحكايات، الأغاني، العادات، أسماء الأماكن، الحرف، الروايات الشفوية، وذاكرة الأجيال. ولهذا طرحت فلسطين على المستوى الدولي رؤية لإعادة إعمار القطاع الثقافي، باعتباره أحد مكونات التعافي الوطني والاجتماعي.

توثيق الدمار

هل تملك الوزارة جردا لما دمر من ذاكرة غزة الثقافية؟ وكيف تنقذ ما تبقى؟

نحن نتعامل مع هذا الملف باعتباره ملفا وطنيا واستراتيجيا، وليس مجرد توثيق للأضرار. وقد بدأنا بالعمل على حصر الأضرار التي طاولت المؤسسات والمواقع والممتلكات الثقافية، إلى جانب توثيق ما يمكن توثيقه من التراث غير المادي، والاستفادة من الشركاء والخبراء والمؤسسات الفلسطينية والدولية. لكن علينا أن نكون صرحاء: التوثيق في ظروف الحرب ليس مهمة سهلة، ولا يمكن اختزال الخسارة الثقافية في جدول أرقام. نحن في حاجة إلى سجل وطني للضرر الثقافي يتضمن الموقع أو المؤسسة، حالتها قبل الحرب، مستوى الضرر، قيمتها التاريخية، محتوياتها، وما يمكن إنقاذه أو ترميمه أو إعادة بنائه.

 OMAR AL-QATTAA / AFP
متطوع فلسطيني يعمل على إنقاذ وترميم كتب ومخطوطات تضررت خلال الحرب، داخل مكتبة المسجد العمري الكبير في البلدة القديمة بمدينة غزة، 26 فبراير 2026

والأهم هو إنقاذ ما تبقى الآن. ولذلك نعمل وفق ثلاث أولويات: حماية ما يمكن حمايته ماديا، وإنقاذ الوثائق والمقتنيات والأرشيفات ورقمنتها وحفظ نسخ منها، وتوثيق الذاكرة نفسها عبر شهادات الفنانين والكتاب والحرفيين وأبناء المجتمع. لأن ما لم نستطع إنقاذه ماديا، يجب ألا نسمح بأن يختفي من الذاكرة.

هناك حراك ثقافي وفني فلسطيني عالمي، شعرا ورواية وقصة وغناء وغيرها، ويؤخذ على وزارة الثقافة الفلسطينية عدم مواكبتها هذا الحراك، ما السبب؟

هذا السؤال مهم، لكنني أختلف مع توصيف المسألة باعتبارها غيابا للوزارة عن الحراك الثقافي الفلسطيني. نحن أمام مشهد شديد الحيوية، والوزارة جزء أساس منه، لكن علينا أن نقرأ هذا المشهد ضمن الظروف السياسية والاقتصادية التي تعمل فيها الثقافة الفلسطينية.

الفلسطيني اليوم ينتج ثقافته في ظل احتلال، وحرب، وانقسام جغرافي، وحصار، وقيود على الحركة، وأزمة اقتصادية تضغط على المؤسسات والمبدعين معا. ولذلك فإن التحدي ليس في وجود الإبداع، لأن الإبداع الفلسطيني حاضر بقوة، وربما لم يكن صوته في العالم أكثر حضورا مما هو عليه اليوم. التحدي الحقيقي هو كيف نحول هذا الحضور المتناثر إلى قوة ثقافية وطنية متصلة ومستدامة.

لا نريد أن تكون الوزارة وصية على المبدع الفلسطيني أو أن تحتكر تمثيله. دورنا هو أن نبني البيئة التي تتيح له أن يصل إلى العالم، وأن نفتح أمامه قنوات الترجمة والنشر والمشاركة الدولية والشراكات الثقافية.

المرحلة المقبلة تتطلب انتقالا واضحا من إدارة النشاط الثقافي إلى إدارة الحضور الثقافي الفلسطيني

وفي الحقيقة، نحن في حاجة إلى إعادة تعريف مفهوم "مواكبة الحراك". ليست المواكبة أن تستدعي الوزارة كل شاعر أو فنان إلى فعالية، وإنما أن تكون هناك سياسة وطنية لاكتشاف المواهب، وتوثيق الإنتاج، ودعم الترجمة، وحماية الملكية الفكرية، وربط المبدعين الفلسطينيين بالفضاء الثقافي العربي والدولي. وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالا واضحا من إدارة النشاط الثقافي إلى إدارة الحضور الثقافي الفلسطيني.

نحن نريد أن نرى الوزارة في موقع المبادرة: أن تجمع هذا الحراك، وأن تخلق له منصات، وأن تحول النجاح الفردي للمبدع الفلسطيني إلى حضور جماعي للثقافة الفلسطينية. وهذا يتطلب موارد وسياسات وشراكات، وليس فقط قرارات إدارية. ولذلك فإننا نعمل على توسيع شبكة العلاقات الثقافية العربية والدولية، وعلى جعل الثقافة الفلسطينية حاضرة في المحافل الدولية بوصفها ثقافة حية ومنتجة.

لماذا تعطل معرض الكتاب في رام الله طوال فترة الحرب، وما الذي يكشفه ذلك عن وضع صناعة الكتاب والنشر اليوم؟

من المهم ألا ننظر إلى تعطل معرض الكتاب باعتباره قرارا ثقافيا معزولا عن الواقع الفلسطيني. نحن كنا أمام حرب شاملة على غزة، وتصعيد وقيود وحواجز وإغلاقات وأزمة اقتصادية خانقة، انعكست على حركة الناس والمؤسسات والناشرين وعلى القدرة الشرائية للجمهور.

معرض الكتاب منظومة تضم ناشرين وكتابا وموزعين ومؤسسات وقراء، وهذه المنظومة كلها تأثرت بالظروف السياسية والاقتصادية. لكن هذه الظروف لا تعني أن الكتاب يجب أن يتراجع. بالعكس، ربما في زمن الحرب يصبح الكتاب أكثر ضرورة. نحن أمام سوق صغيرة ومحاصرة، وتكاليف إنتاج مرتفعة، ومشكلات في التوزيع، وصعوبة في وصول الكتاب الفلسطيني إلى الأسواق العربية، إضافة إلى تراجع القدرة الشرائية لدى المواطن الفلسطيني.

من هنا، نحن ننظر إلى معرض فلسطين الدولي للكتاب باعتباره أكثر من حدث سنوي. نريده منصة لدعم صناعة الكتاب الفلسطينية، وربط الناشر الفلسطيني بالأسواق العربية، وتعزيز الترجمة، وتشجيع القراءة، وتوسيع التوزيع الرقمي، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في النشر. ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب ألا تكتفي بإعادة معرض الكتاب إلى موعده، إنما أن تستثمر فيه لبناء استراتيجيا فلسطينية للكتاب والنشر والقراءة. فالاحتلال يستطيع أن يغلق طريقا إلى معرض، لكنه لا يستطيع أن يغلق الطريق إلى الكتاب.

مواجهة الاحتلال

كيف تواجه الوزارة محاولات الاحتلال طمس الهوية والتراث الفلسطيني؟

نحن لا نواجه محاولات طمس الهوية بالخطاب وحده، وإنما بإنتاج الثقافة وتوثيقها وتسجيلها وحمايتها دوليا وتعليمها للأجيال. فالاحتلال يدرك أن السيطرة على الرواية جزء من السيطرة على الأرض. ولذلك فإن معركتنا الثقافية هي معركة إثبات للوجود التاريخي والحضاري والإنساني للشعب الفلسطيني.

 BASHAR TALEB / AFP
موظفة في جمعية مياسم للثقافة والفنون تنظف قطعة أثرية ضمن أعمال ترميم مقتنيات جمعت خلال الحرب، في مستودع للتراث الثقافي داخل خيمة في خان يونس جنوب قطاع غزة، 11 يوليو 2026

نعمل على توثيق عناصر التراث الثقافي الفلسطيني، وعلى حماية التراث غير المادي وتحديث القوائم الوطنية الخاصة به، وعلى تطوير المكنز الوطني للتراث الثقافي، وربط العمل الوطني بالمنظومة الدولية لحماية التراث. كما أن المعركة ليست فقط في اليونسكو والمؤسسات الدولية. تبدأ المعركة من المدرسة والجامعة والبيت، والكتاب، والمتحف، والإعلام. فإذا كان الطفل الفلسطيني يعرف تاريخ مدينته وقريته وحرفته وأغنيته وحكايته، ويعرف لماذا القدس فلسطينية ولماذا هذه الأرض جزء من ذاكرته، فإننا نكون قد وضعنا أساسا صلبا لمواجهة محاولات الاقتلاع. أقوى رد على محو الذاكرة هو أن نحول الذاكرة إلى ثقافة متوارثة ومؤسسة وموثقة لا يستطيع أحد اقتلاعها.

هل توجد اليوم سياسة ثقافية فلسطينية موحدة بين غزة والضفة؟

الهدف السياسي والثقافي واضح: الثقافة الفلسطينية واحدة، والهوية الفلسطينية واحدة، ولا يمكن أن يكون هناك مشروع ثقافي فلسطيني يقوم على التجزئة الجغرافية. لكن علينا أن نميز بين وحدة الرؤية وبين الظروف العملية التي فرضتها الحرب والانقسام والاحتلال. غزة ليست ملفا منفصلا عن الثقافة الفلسطينية، كما أن الضفة والقدس والداخل والشتات ليست جزرا منفصلة. نحن نتحدث عن نسيج واحد، وإن اختلفت ظروفه. ومن هنا فإن إعادة بناء القطاع الثقافي في غزة يجب أن تكون جزءا من سياسة ثقافية فلسطينية شاملة، لا مشروعا منفصلا.

أقوى رد على محو الذاكرة هو أن نحول الذاكرة إلى ثقافة متوارثة ومؤسسة وموثقة لا يستطيع أحد اقتلاعها

نحن بحاجة إلى تعزيز التواصل بين المؤسسات والمبدعين، وربط غزة بالضفة والقدس والشتات، وتطوير قواعد بيانات وطنية، وأرشيفات مشتركة، وبرامج للكتاب والفنانين والشباب. وفي تقديري، الثقافة يمكن أن تكون من أهم الجسور التي تعيد وصل الجغرافيا الفلسطينية بالمجتمع الفلسطيني نفسه.

 Mohammed ABED / AFP
فنانون فلسطينيون من فريق "حي" للفنون المعاصرة يقدمون عرضا في مدينة غزة، 14 أغسطس 2023

هل تستطيع فلسطين بناء اقتصاد ثقافي يحرر المثقف من الاعتماد على المنح؟ وكيف يتحقق ذلك في دول أخرى؟

نعم، وهذا أحد الملفات التي تعمل عليها الوزارة. المنح مهمة، خصوصا في مرحلة الصمود وإعادة الإعمار، لكنها لا يمكن أن تكون النموذج الاقتصادي الدائم للثقافة.

نحن نريد الانتقال تدريجيا من ثقافة المشروع الممول إلى ثقافة الإنتاج الثقافي القادر على خلق قيمة اقتصادية. لدينا فرص كبيرة في فلسطين: النشر، الترجمة، السينما، الموسيقى، التصميم، الصناعات الحرفية، التراث، السياحة الثقافية، المحتوى الرقمي، الألعاب والتطبيقات ذات المحتوى الثقافي، والفنون البصرية. تؤكد التجارب الدولية أن الصناعات الثقافية والإبداعية يمكن أن تكون قطاعا اقتصاديا حقيقيا عندما تتوفر لها التمويل والبنية التحتية والأسواق.

نحن في حاجة إلى دعم كبير، وحوافز للقطاع الخاص للاستثمار في الثقافة، وحاضنات للمشاريع الإبداعية، وتسهيلات ضريبية، وربط الجامعات بسوق الصناعات الإبداعية. المثقف يجب أن ينظر إليه باعتباره صاحب معرفة وموهبة يمكن أن ينتج قيمة اقتصادية واجتماعية ووطنية.

ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في إعادة بناء جيل غزة بعد الحرب؟

ربما يكون هذا السؤال من أهم الأسئلة التي نواجهها. بعد الحرب، لن يكون المطلوب فقط إعادة بناء المراكز والمباني الثقافية، إنما إعادة بناء الإنسان الذي عاش الحرب. الثقافة تستطيع أن تكون مساحة للشفاء النفسي والاجتماعي، لكنها أكبر من ذلك. تستطيع أن تعيد للطفل إحساسه بالمكان والانتماء والقدرة على الحلم.

نريد أن تكون هناك برامج للفنون والموسيقى والمسرح والكتابة والرسم والتوثيق، وأن نعطي الأطفال والشباب أدوات للتعبير عن تجاربهم بدلا من أن تبقى الحرب حبيسة داخلهم. وفي الوقت نفسه، علينا ألا نقدم الثقافة لجيل غزة باعتبارها وسيلة للهروب من الواقع، إنما لفهم الواقع وإعادة صوغه. نريد جيلا يعرف ما حدث، لكنه لا يعيش أسيرا لما حدث. نريد أن نحول الذاكرة من جرح إلى معرفة، ومن معرفة إلى قوة، ومن قوة إلى مستقبل.

 OMAR AL-QATTAA / AFP
تلامذة فلسطينيون خلال حصة للرسم في مدرسة أقامتها جمعية مياسم للثقافة بدعم من اليونيسف في مخيم للنازحين بمنطقة القرارة في خان يونس جنوب قطاع غزة، 7 أكتوبر 2025

إذا منحت خمس سنوات لإعادة بناء الثقافة الفلسطينية، ما هي ملامح الخطة لديك؟

إذا كان لدينا خمس سنوات، فسوف أتعامل معها لبناء بنية تحتية ثقافية فلسطينية جديدة. وسأقسم العمل خمسة مسارات متوازية:

أولا: حماية الذاكرة، عبر إنشاء منظومة وطنية شاملة لتوثيق التراث غير المادي، وإنقاذ الأرشيفات والمقتنيات، ورقمنة الذاكرة الفلسطينية، واستكمال تطوير المكنز الوطني للتراث الثقافي والقوائم الوطنية للتراث غير المادي.

ثانيا: إعادة بناء الثقافة في غزة. ليس فقط إعادة بناء المراكز والمكتبات والمسارح، وإنما إعادة بناء الحياة الثقافية نفسها، من خلال برامج للفنانين والكتاب والأطفال والشباب، وإعادة تأهيل المؤسسات الثقافية، وإنشاء مساحات ثقافية جديدة.

ثالثا: بناء اقتصاد ثقافي. سوف نشجع الاستثمار، ودعم الصناعات الإبداعية، وتطوير سوق للكتاب والفنون والحرف، وربط الثقافة بالتنمية المستدامة.

رابعا: استعادة الحضور الفلسطيني في العالم. نريد شبكة ثقافية فلسطينية عالمية، تربط فلسطين بمبدعيها في الشتات وبالمؤسسات الثقافية العربية والدولية. نريد ترجمة الأدب الفلسطيني، واستضافة الفنانين والكتاب، وإنتاج المعارض والعروض والمهرجانات التي تحمل السردية الفلسطينية إلى العالم بلغة ثقافية وحضارية رفيعة.

علينا ألا نقدم الثقافة لجيل غزة باعتبارها وسيلة للهروب من الواقع، إنما لفهم الواقع وإعادة صياغته

وقد أثبتنا في المؤتمر الدولي لإعادة إعمار القطاع الثقافي في فلسطين في مدريد أن الثقافة الفلسطينية قادرة على أن تكون حاضرة في المحافل الدولية، وأن تتحول من موضوع للحديث إلى طرف فاعل في صوغ أجندة دولية لحمايتها وإعادة بنائها.

خامسا: بناء الإنسان. وهذا هو المسار الأهم. إدخال الثقافة والفنون إلى حياة الأطفال والشباب بصورة أكبر، دعم القراءة، المسرح المدرسي، الموسيقى، الفنون البصرية، التراث الشعبي، والبرامج التي تعزز التفكير النقدي والانتماء الوطني.

 EYAD BABA / AFP
أريج السعافين، التي فقدت عينها جراء غارة عسكرية إسرائيلية، ترسم بالفحم على جدار منزلها في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة، 2 مايو 2026

وفي نهاية السنوات الخمس، أريد أن نكون قد انتقلنا من سؤال: كيف نحافظ على الثقافة الفلسطينية؟ إلى سؤال أكبر: كيف نجعل الثقافة الفلسطينية قوة منتجة في بناء الدولة والمجتمع والإنسان؟

لأنني أؤمن أن فلسطين تحتاج إلى مشروع وطني يرى في الثقافة أحد أعمدته الأساس. نحن لا ندافع عن الماضي فقط. نحن ندافع عن حق الفلسطيني في أن يكون له مستقبل، وهذا المستقبل يبدأ من الإنسان، والإنسان تصنعه الثقافة.

font change