اختير مشروع "لا مأوى" للفنان الفلسطيني الغزي محمد جوحة، للمشاركة في المعرض الرئيس ضمن بينالي البندقية 2026. تكشف لوحاته ما يفوق البراعة في توظيف اللون والاستخدام المتقن لتقنية الكولاج، إذ تؤسس عالما بصريا متماسكا، تتداخل فيه العمارة والإنسان والطبيعة، في بناء تشكيلي يميل ظاهريا إلى التجريدية. أما عنوان "بلا مأوى" فيختزل عالما فنيا وإنسانيا بالغ العمق وينطلق من فرضية مفادها أن أعماله لا يمكن فهمها فهما كاملا إلا إذا قرئت في ضوء المأساة التي شكلت حياته ورؤيته الفنية.
السيرة الكامنة خلف اللوحة
لا يمكن تأمل أعمال محمد جوحة دون التوقف أولا عند المأساة التي انبثقت منها. فخلال الحرب المستمرة على غزة، قتلت والدته وهي نائمة عندما انهار منزل العائلة إثر غارة جوية إسرائيلية. كما قتلت شقيقته التوأم وزوجها وجميع أطفالهما في غارة أخرى. ودفن تحت أنقاض منزله أكثر من خمسمائة عمل فني، من بينها أعمال من مجموعة "حبل الغسيل"، سلسلته الحائزة جوائز. وقد تحول فقدان المنزل والأرشيف الفني معا إلى منطلق لسلسلتي "بلا منزل" و"بلا مأوى" اللتين حول فيهما الفنان خسارته الشخصية إلى تأمل عميق في الاقتلاع ومعنى البيت بوصفه فضاء للهوية والانتماء. وتمثل هذه الوقائع المفتاح التأويلي الرئيس لفهم لغته البصرية.
للتعبير عن ذلك اعتمد الفنان، على نحو خاص، تقنية الكولاج، وهي تقنية راسخة في الفن التشكيلي، لكنها تكتسب في أعماله دلالة تتجاوز وظيفتها الشكلية. فالقصاصات الموضوعة جنبا إلى جنب، أو المتداخلة جزئيا بعضها فوق بعض، تبدو ضمادات وضعت فوق تمزقات مفتوحة، لا لإخفائها، بل للحفاظ على تماسك ما مزقته الحرب. وهنا يبرز فعل تشكيلي آخر هو الخياطة. فالكولاج، في أعمال جوحة، يجعل من الخيط لغة بصرية قائمة بذاتها.


