نغم حديفه تستحضر جحيم الشرق الأوسط في معرض باريسي

أعمدة الرماد الحي تفكك لظى التوهج

Galerie Nadine Fattouh
Galerie Nadine Fattouh

نغم حديفه تستحضر جحيم الشرق الأوسط في معرض باريسي

أقيم في العاصمة الفرنسية باريس، معرض للفنانة السورية نغم حديفه بعنوان "توهج"، يعد امتدادا لتجربتها الفنية من حيث الزخم البصري وكثافة الشحنات العاطفية. ولفهم المشهدية الكثيفة والدائرية التي يطرحها المعرض على نحو كامل، لا بد من وضعه ضمن المسار العام لانشغال الفنانة الطويل بالحالة الإنسانية، إذ استكشف منجزها الفني، على الدوام، الجسد الإنساني، لا من خلال واقعية مباشرة، بل عبر مسار تدريجي من التفكك والتلاشي والتحول.

أطياف الوجوه

في أعمالها السابقة، ولا سيما في سلسلتها "الملامس المقفزة"، حضرت اليد البشرية بوصفها موضوعا رئيسا، إذ كثيرا ما استعانت الفنانة بيديها الشخصيتين كوعاء رمزي لاستيعاب المعاناة الجماعية والتعبير عنها. وعندما نربط بين تلك التمثلات السابقة للجسد الملموس وبين جحيمياتها الجيولوجية التجريدية في أعمالها الأخيرة، تتكشف أمامنا سيرة تطور فني تتسم بمنطق صارم ومقلق في آن واحد. ففي "توهج"، تبلغ هذه الرحلة ذروتها، إذ لا تعود اليد البشرية تظهر بوصفها صورة أو أثرا مرئيا، بل تبدو وقد تحولت بالكامل إلى مادة لونية. تذوب اليد داخل اللوحة، وتستدمج في نسيجها العضوي، لتصبح جزءا من بنيتها الداخلية. هكذا لا يعود الجسد موضوعا ممثلا داخل العمل، بل يتحول إلى المادة ذاتها التي يتكون منها، وإلى الذاكرة الحية المترسبة في طبقاته.

تتابع الفنانة في معرضها الجديد المنطق الوجداني الذي ارتسم عميقا في أعمالها السابقة، ونجدها تحاول الإجابة عن سؤال يقلقها ويتعلق بالبحث البصري عن كيفية الوقوف، كفنانة، على حافة هذا الجرف الشاهق المطل على الجحيم، من خلال أعمال تتجاوز بها التفسير العقلاني لتضرب عميقا في وجدان التعاطف الإنساني. إن الوقوف أمام لوحاتها الغزيرة الطبقات والأحشاء ليس فكا للغز أو بحثا عن نمط حرفي، بل هو استشعار حقيقي لحضور إنساني. ورغم أن العين لا تلمح أشكالا بشرية عديدة، إلا أن النفس تسجل على الفور حضورا شبحيا حيا. فضربات الفرشاة الفوضوية، والثقل المادي للطبقات، والتوتر الخام في الملامس، تطلق طاقة إنسانية جارفة، قادمة من قنوات الألم، والنجاة لأناس يقبعون خلف العناوين الإخبارية.

هكذا لا يعود الجسد موضوعا ممثلا داخل العمل، بل يتحول إلى المادة ذاتها التي يتكون منها

تنجح حذيفة في تحقيق ذلك، لأن تلاعبها بالسمك المادي للطلاء يأتي بطبيعة سائلة ولزجة. فهو كيان بيولوجي نشط، لا قشرة جافة ساكنة. وتنصهر هذه البيولوجيا بالجيولوجيا في المعمل الذي تكتنزه الفنانة في روحها ومنطق اشتغالها العام، لينتج معرض "توهج" الذي يتطرق إلى مآسي الشرق الأوسط بشكل عام.

تخبرنا الفنانة عما يمكن أن نسميه الشرارة الأولى لولادة مجموعة اللوحات الجديدة، قائلة: "الآلية النفسية التي ترافق العمل الفني غالبا ما تكون جذورها معقدة، وتشبه عملية تحويل أو ترسيب بطيء. فعندما رسمت لوحة "سيدة الحمم البركانية" خلال أحداث غزة عام 2023، حضرت النار في اللوحة بقوة. عندها تحديدا، أدركت أنني بدأت مرحلة جديدة، تولد فيها النار من ذاتها وتختفي فيها في آن واحد. قد تبدو اللوحات مزدحمة بما جرى، لكنها لا تحيل على واقعة بعينها. ما يهمني ليس الحدث نفسه، بل الطاقة العاطفية والوجودية التي يولدها، وكيف تستمر الحياة بكرامة نحو الضوء، بعيدا من اللهب".

Galerie Nadine Fattouh
لوحة لنغم حديفه

شيفرة الحمض النووي

تحول الفنانة المآسي الجسيمة كدمار المدن وتدمير الحيوات البشرية، إلى كثافة مادية ملموسة تشكل أحد العناصر الجوهرية في لغتها التشكيلية. فبينما يعتمد العديد من الفنانين المعاصرين على التراكم الكثيف للون، فإن السماكة التي تتجلى في أعمال حديفه الأخيرة تنتمي إلى طبيعة مختلفة، إذ تبدو سائلا حيا، لزجا، مشبعا بمادة تشبه الحمض النووي، يحمل في طياته آثارا مالحة وحلوة تستدعي المشيمة التي تغذي الجنين. تعكس هذه الثنائية بين الملوحة والحلاوة في المشيمة، الازدواجية العاطفية التي تميز أعمالها. فملوحة الدموع الناجمة عن الصدمة، وحلاوة السائل المغذي الذي يرمز إلى البقاء والاستمرار، يتجاوران داخل الضربة اللونية الواحدة.

Galerie Nadine Fattouh
من أعمال الرسامة السورية نغم حديفه

هكذا تصبح اللوحة فضاء أموميا حاضنا، تستوعب فيه المأساة وتصان من النسيان في آن واحد. من هنا يتجلى ما يمكن تسميته بـ"المرشح اللؤلؤي"، أي تلك الخاصية شبه الشفافة والمتغيرة لطبقات اللون، التي تؤدي وظيفة غشاء خلوي حي. فهي تمتص الوقائع القاسية القادمة من العالم الخارجي ــ الحرب والاقتلاع والحرائق ــ ثم تفككها إلى وحدات مجهرية، قبل أن تعيد تمثلها وتحويلها إلى عناصر حيوية تغذي الروح الداخلية للعمل الفني وتمنحه طاقته على الاستمرار. تصبح سطوح اللوحات بالمعنى الحرفي والمجازي معا، جلودا مشبعة بالذاكرة الجمعية ومطبوعة بآثارها.

أسرار الرماد

في يد الفنانة، تنصهر التقنيات المتنوعة والمواد المختلطة، من بودرة اللون والرمل والشعر والفحم وغيرها، لتصبح مادة واحدة وكيانا حيا نابضا. فلا تستخدم اللون بوصفه وسيلة لتمثيل الحياة، بل تمنحه الحياة نفسها. ومن ثم لا تعود سماكة الطلاء مجرد طبقة تغلف سطح القماش، وإنما تصبح فعل نمو وتكون، حيث يواصل اللون تشكله من داخل اللوحة، لا فوقها.

لكن لا ينبغي فهم أعمالها بوصفها تمثيلا حرفيا أو رمزيا لقيامة من الرماد. فالقيامة تفترض موتا تتبعه ولادة منفصلة عن الماضي. وهذا ليس ما يحدث في "توهج". ما يحدث أكثر قسوة وواقعية: إنه التكيف مع ما لا يطاق. في اللوحات، يظهر بشر نجوا من الجحيم عبر التكيف معها، حتى كادوا يندمجون فيها، ليصبحوا أشبه بـ"رماد حي".

لا تحجب نغم حديفه الضوء بأعمدة الدخان والرماد، بل ترسم وعدا هادئا. فبتصويرها للناجين كرماد حي تكتنزه الألوان، تشير إلى أن ذروة التوهج، تلك النار المدمرة الساطعة، ليست أبدية. ستخفت الجمرات في النهاية، ويصبح الرماد دليلا على أن الجحيم زائلة، وإن تركت وراءها أثرا متحولا إلى الأبد. الناجون في لوحات نغم حديفة لا يقهرون النار، بل يمتصونها. وبتحولهم إلى"رماد حي"، تتغير بنيتهم لتتماهى مع مشهد الدمار، ليصبحوا جزءا من السائل اللؤلؤي الذي سبق وصفه، تحت وطأة الحرارة.

إنها عملية معقدة للبقاء: التحول إلى رماد هو أقصى أشكال التكيف، لأن الرماد لا يمكن أن يحرق مرة أخرى.

هكذا تصبح اللوحة فضاء أموميا حاضنا، تستوعب فيه المأساة وتصان من النسيان في آن واحد

قد يكون خلاصة ما تظهره الفنانة أن الإنسان حين يتعلم كيف ينجو داخل الجحيم، يصبح رمادا حيا لا يعود إلى شكله الأول. تتغير جهة الضوء في داخله، وتتداخل آليات البقاء مع ملامح الهوية. وحين يبرد العالم، يبقى ما لا يمحى: أثر الاحتراق في الذاكرة. الرماد لا ينسى النار ولا يعرف طريق العودة منها. هو كربون كثيف من حياة كانت، يحمل سر ما بين الحياة والموت، ويغلق على صاحبه دائرة لا تنفتح. فالناجون لا يخرجون، بل يتحولون إلى المادة التي حاصرتهم وإلى العالم الذي يحيط بهم في آن واحد.

اللؤلؤية المخادعة

اللؤلؤية، ذلك البريق الحليبي المتقزح الذي يلمع تحت طبقاتها الثقيلة من اللون والمادة في مواضع من لوحات الفنانة، يمكن قراءته بطريقتين متزامنتين. فإذا كانت هذه اللؤلؤية مجرد انعكاس للضوء على السائل اللزج، فإنها تؤكد الإتقان الكامل لفكرة المصيدة. إنها تمثل خداع السطح اللامع: كطبقة زيت على الماء أو غلاف زجاجي بركاني، تبدو جميلة ولامعة لكنها غير قابلة للاختراق.

وفي الوقت نفسه، يمكن فهمها كعلامة على الغشاء المحكم الذي أشرنا إليه سابقا: فالبريق اللؤلؤي يدل على أن السائل تصلب بالكامل، ليؤلف حاجزا ماديا يفصل بين الداخل والخارج. هكذا يبقى المتلقي في الخارج، بينما يظل "الرماد الحي" محتجزا في الداخل بصورة دائمة. لا يخرج الضوء من الداخل، بل يرتد عن قفص جميل وصلب في آن واحد.

Galerie Nadine Fattouh
من لوحات نغم حديفة

وإذا كانت اللؤلؤية تحاول كسر هذه الدائرة، فإنها تعمل بوصفها تحولا جزيئيا نحو التحرر. ويبدو أن الفنانة تسوّق لهذا النوع من النجاة. تتوسل ضمنيا إلى المتلقي أن يدخل في قلب النار المتأججة، وأن يخرج منها لاحقا كضوء، إن أمكن. وتمثل اللؤلؤية لحظة العبور هذه: اللحظة التي يبدأ فيها الكربون الداكن والخانق للرماد بتغيير طريقة ترشيحه للضوء، محولا الصدمة إلى مادة مضيئة شبيهة باللؤلؤ. تتطلب اللؤلؤية طبقات متفاوتة الكثافة كي تتشكل، وهي بذلك تؤكد أن قماش اللوحة، رغم الكثافة اللونية المطبقة أحيانا، لا يزال "يتنفس" ويتفاعل مع ضوء المكان. إنها علامة على نشاط خلوي، على شكل من التمرد المجهري، حيث ترفض العناصر العضوية العالقة أن تبقى في حالة ظلام مطلق.

تقع الحقيقة على الأرجح عند تقاطع هذين البعدين معا. فهذه اللؤلؤية استثنائية لأنها تمثل ضوء الناجين أنفسهم، ذلك التوهج الناتج من "أسرار الحياة والموت" وهي تتسرب عبر المشيمة الكثيفة للون.

اللون بوصفه مصيرا

إن تحليل الألوان في أعمال نغم حذيفه هو، في جوهره، تتبع لمسار التفكك البيولوجي والاحتراق اللاحق للجسد الإنساني. ويتميز انتقالها من سلسلة "ملامس مقفزة" إلى "توهج"، بتحول بنيوي في مروحتها اللونية. ففي حين يقوم "توهج" على توتر الأحمر المنصهر والأسود الكربوني وتدرجات الرماد، كانت الأعمال السابقة ترتكز على واقع جسدي أبرد وأكثر إرباكا. ويبقى الأخضر المخمر الخيط اللوني الوحيد الذي يصل بين المرحلتين.

Galerie Nadine Fattouh
أحد أعمال نغم حديفه

في"الملامس المقفزة"، يظهر الأخضر المخمر بوصفه لون التحول العضوي البطيء: لون الجلد "المزرق" والأنسجة المتحللة والسوائل الراكدة. وعلى خلاف الأخضر المرتبط بالحياة والتجدد، هو أخضر ينقلب على ذاته، ويتجمع عند أطراف الأحمر اللحمي مثل أثر لمشيمة بدأت تفقد حياتها: دالا على بقاء هش يتهدده التعفن والعنف البنيوي. لون جسد يعالج صدمته في الظل قبل اندلاع النار.

ومع الانتقال إلى "توهج"، يبدو هذا الأخضر وقد استهلك بالكامل تحت حرارة الحروب من غزة إلى السويداء وحرائق الشرق الأوسط.

Galerie Nadine Fattouh
من أعمال نغم حديفه

 يتمدد الأحمر إلى أنهار من اللون المنصهر، بينما تتحول الزرقات إلى أسود كربوني يشبه العظام المتفحمة، أو مستنقعات راكدة.

الناجون لا يخرجون، بل يتحولون إلى المادة التي حاصرتهم وإلى العالم الذي يحيط بهم

وفي إحدى اللوحات تستلقي فتاتان بين الحياة والموت، في مشهد يستحضر أوفيليا (بطلة شكسبير التراجيدية) حيث يتداخل الجسدان مع المستنقع ويبدوان في الوقت نفسه وكأنهما يرتفعان عنه.

مع ذلك، لا يختفي الأخضر المخمر، بل تتبدل هيئته. يختزل في "الرماد الحي" الذي يغذي بنية اللوحة، وفي ذلك البريق اللؤلؤي الكامن في سماكة الطلاء، أثر لتحول المادة العضوية بعد الاحتراق إلى كثافة معدنية تغلق دائرة الأسر. هنا، في هذا "الما بين اللوني"، لا تكمن بقايا المرحلة السابقة فحسب، بل تمور أيضا الأسئلة الوجودية التي تشغل الفنانة، وفيه ربما تتكون البذور الأولى لمشاريعها التشكيلية المقبلة.

font change

مقالات ذات صلة