هكذا مارس الاحتلال "الإبادة الثقافية" في غزة

ممارسات تعود جذورها إلى نكبة 1948

OMAR AL-QATTAA / AFP
OMAR AL-QATTAA / AFP
متطوع فلسطيني يعمل على إنقاذ وترميم كتب ومخطوطات متضررة داخل مكتبة الجامع العمري الكبير في مدينة غزة، 26 فبراير 2026

هكذا مارس الاحتلال "الإبادة الثقافية" في غزة

خلال حربها المستمرة على قطاع غزة نفذت القوات الإسرائيلية إبادة من نوع مختلف ومتزامن في حق الثقافة الفلسطينية استهدفت التراث الثقافي المادي وغير المادي بجانب المعالم التاريخية والثقافية المختلفة. وفي حين حسمت أروقة القانون الدولي توصيف ما جرى في قطاع غزة طوال التسعة وعشرين شهرا الماضية بوصفه إبادة، فإن عمليات المحو والإزالة والاستهداف المباشر لمعالم الثقافة الفلسطينية والتراث بشقيه المادي وغير المادي كما للمؤسسات الثقافية والمباني التاريخية، تشكل استمرارا لجرائم ثقافية لم تتوقف منذ النكبة حتى اللحظة. لقد ترافقت عملية سرقة البلاد خلال النكبة عام 1948 وطرد سكانها وتدمير القرى المهجرة وإعادة تشكيل المدن التاريخية الكبرى مع عمليات إبادة ثقافية من نوع مختلف تمثلت في سرقة المقدرات التاريخية الفلسطينية وهدم المعالم الثقافية والشواهد القديمة وتدمير اللقى الأثرية التي لا يمكن تحريف تاريخها وتطويعها ضمن سردية المحتل، بجانب سرقة كل مكونات الثقافة المعاصرة من مسارح ودور سينما ومطابع وصحف وصالات موسيقى واستوديوهات ومتاحف وما إلى ذلك.

تدمير ممنهج

تمثل هدف الإبادة الثقافية خلال الحرب الأخيرة على غزة منذ اليوم الأول بمحو معالم الثقافة الفلسطينية من خلال التدمير الممنهج للمواقع الأثرية والمباني القديمة وتلك ذات الأهمية التاريخية والدينية مثل المساجد والكنائس، بجانب تدمير جميع متاحف قطاع غزة الاثني عشر، فضلا عن سرقة الآثار واللقى التاريخية من أعمدة قديمة وجرار وتماثيل ومقتنيات يومية وغيرها.

وفيما كانت نشرات الأخبار والتقارير المصورة تفضح جرائم القتل وتدمير المباني على ساكنيها وتبث التغطيات الحية حول المجازر التي ترتكب خلال بث حي ومباشر وأمام كاميرات العالم، فإن الإبادة الثقافية كانت تتم بصمت ودون التفات أو تسليط الضوء لجملة أسباب أهمها بالطبع أن حياة الإنسان في كل الأحوال أهم من كل شيء آخر. وأمام هذه المفاضلة الصحيحة وغير العادلة في الآن نفسه، أجهزت إسرائيل على كل المعالم الثقافية في قطاع غزة ودمرت جزءا كبيرا من ذاكرة المنطقة وذاكرة العالم في الشريط الساحلي الجنوبي لفلسطين عند ملتقى الحضارات والقارات القديمة. الآن وبعد عودة الحديث المعسول عن السلام ووقف إطلاق النار وترتيبات اليوم التالي، فإن مجرد التفكير باستعادة المفقودات أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه غير مطروح على نحو جدي. للمفارقة فإن اللجنة التي شكلها مجلس السلام العالمي بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضمت نخبة من الكفاءات الفلسطينية الجيدة، خلت من أي إشارة أو مهمة تتعلق بالقطاع الثقافي أو التراثي ولم يتضمن تكليفها أو قائمة المهام المنوطة بها أي شيء يتعلق باستعادة وترميم وتشافي هذين القطاعين، فيما لم تهمل الجوانب العشائرية مثلا أو الدينية والعقائدية.

أجهزت إسرائيل على كل المعالم الثقافية في قطاع غزة ودمرت جزءا كبيرا من ذاكرة المنطقة وذاكرة العالم في الشريط الساحلي الجنوبي لفلسطين

لفد كانت الحرب الإسرائيلية على غزة شاملة ومركبة استهدفت تقريبا كل شيء في القطاع. كانت حربا على البشر وعلى الشجر وعلى الحجر أيضا. وفيما تمثل خطاب القتل المؤسس للحرب على قتل أكبر قدر ممكن من الناس بحيث فاق سعبين ألفا، إضافة الى آلاف المفقودين الذين هم في عداد الأموات، فإن الخطاب نفسه اشتمل على نزعة لتدمير أكبر قدر من المكان. وفيما تتضارب التقارير حول نسبة ما دمر من مبان، فإن المتفق عليه أن الغالبية العظمى من المباني والأبنية لم تعد صالحة للسكن. وحتى تتوثق الجدلية بين قتل الناس وتدمير المكان، فقد محيت وأزيلت كل الشواهد والروابط التي تصوغ علاقتهم بالمكان، أي الذاكرة.

إن العلاقة بين الفرد والمكان تصوغها الذاكرة الجمعية المتوارثة وحكايات التاريخ عن المكان ومكانة الفرد كوريث شرعي لهذه الحكايات التي كان أجداده أبطالها وشخوص ماضيها. من هنا فإن جريمة الإبادة الثقافية فكريا تعتمد وفي كل السياقات المسبوقة في التاريخ على محو أي أثر للضحية حتى يبدو أن المكان كان فارغا ينتظر وصول سكانه الجدد. والتاريخ حافل بمثل هذه الحوادث التي أزيلت خلالها كل الشواهد التاريخية والمعالم الثقافية المادية لشعوب سابقة من أجل محوها هي أيضا. فإزالة أي شعب تبدأ بإزالة ذاكرته في المكان حتى يصح القول المزعوم "أرض بلا شعب لشعب بلا ارض"، أو أن الأرض بكر تنتظر من يحرثها ويعمرها.

 MAHMUD HAMS / AFP
أشخاص يتفقدون أنقاض مركز سعيد المسحال الثقافي بعد غارة إسرائيلية في مدينة غزة، 9 أغسطس 2018

منذ اليوم الأول

الملاحظ، وأنا هنا أتحدث من واقع التجربة الشخصية، كمواطن عاش ثلاثة أشهر الحرب الأولى متنقلا من مخيم جباليا ومدينة غزة إلى مدنية خانيونس ومن ثم الخيمة في سوافي رفح، أن استهداف القطاع الثقافي والمواقع الأثرية والمباني التاريخية تم في الأسابيع الأولى للحرب. بكلمة أخرى لم يكن هذا الاستهداف نتيجة طارئة أو "خسائر جانبية" لحرب ضروس ولقتال دام، بل كان يجري ضمن عمليات ممنجهة ومرتبة ودقيقة تهدف كما هو واضح إلى تدمير البنية الثقافية والمواقع الأثرية. للمفارقة فإن استهداف "متحف القرارة" مثلا تم في الأسبوع الأول للحرب، إذ دمرته الطائرات والدبابات الإسرائيلية بشكل شبه كامل ضمن الموجات الأولى للقصف المركز وقبل الاجتياح البري. كما أن المتحف موجود في منطقة ريفية تكاد تخلو من أي مؤسسات أخرى باستثناء الحقول والبيوت. وبشكل عام ومن خلال متابعة عمليات الاغتيال الممنهج للمواقع التراثية والأثرية والمتاحف، نلاحظ انها تمت في أول شهرين للحرب، ولم ينته عام 2023 حتى كانت إسرائيل قد أجهزت على معظم مكونات ومعالم القطاع الثقافي في القطاع، وقامت بمحو شبه كامل لكل المرافق والمباني والشواهد التي تحكي قصة "غزة عبر التاريخ"، وهذا عنوان كتاب شهير للمؤرخ الغزي إبراهيم سكيك من سبعة عشر جزءا.

استهدفت 32 مؤسسة ثقافية و9 مكتبات بلدية عامة و12 متحفا و9 مطابع و28 نصبا فنيا و3 شركات إنتاج فني

شملت عمليات الهدم المتاحف والمكتبات والمطابع ومحلات بيع الكتب والغاليرهات ودور العرض والمسارح والمؤسسات الثقافية والمواقع الأثرية والمباني التاريخية والمساجد والكنائس والمقابر القديمة والقلاع ومراكز الأرشيف والنصب التذكارية والجداريات الفنية والمراسم والمعارض الفنية. ووفق تقارير مبكرة أصدرتها وزارة الثقافة الفلسطينة، فقد استهدفت 32 مؤسسة ثقافية و9 مكتبات بلدية عامة و12 متحفا و9 مطابع و28 نصبا فنيا و3 شركات إنتاج فني.

Omar AL-QATTAA / AFP
مشهد عام لمركز رشاد الشوا الثقافي المدمّر في مدينة غزة، 18 أغسطس 2025

أما التعداد الكلي للمكتبات التي دمرت فناهز 80 مكتبة بيع كتب ومكتبة عامة، ومن بينها أشهرها، مكتبة بلدية غزة التي تعتبر واحدة من أكبر المكتبات العامة في فلسطين وتحت أنقاضها اندثرت مئات الكتب التي طبعت قبل النكبة والوثائق والصحف والمجلات التي صدرت في يافا والقدس وحيفا وغزة قبل النكبة. ومن أشهر المكتبات الكبرى التي دمرت، مكتبة سمير منصور المكونة من خمسة طوابق وتعتبر أكبر متجر لبيع الكتب في الضفة الغربية وقطاع غزة. وكانت المكتبة تعرضت للتدمير في العام 2021 خلال العدوان على غزة وأعيد بناؤها في فبراير/ شباط من العام 2022 لتدمر من جديد بعد عام في بداية الحرب. وأصدر نجل صاحب المكتبة السيد سمير منصور كتابا عن حياة والده وعمله في بناء المكتبة بعنوان "بائع كتب في غزة".

SAID KHATIB / AFP
باحث فلسطيني يرمم كتابا قديما ضمن مشروع للحفاظ على التراث الثقافي في مدينة غزة، 16 يوليو 2023

كما شملت قائمة المكتبات المدمرة بالكامل مكتبة "الشروق" الشهيرة في غزة الواقعة قرب جامعة الأزهر. وفي هذا السياق لا بد من تذكر مقر الأرشيف المركزي لبلدية غزة الذي قصف وأحرق أيضا حتى لا تنجو أي وثيقة منه. يضم المبنى التاريخي للأرشيف وثائق البلدية خلال المائة وخمسين عاما الماضية، وبالتالي محيت ذاكرة المدينة الحديثة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بالطبع حيث محاضر اجتماعات البلدية. هذا إلى جانب المكتبات الشخصية والمقتنيات الفردية من اللوحات والأعمل الفنية. تحت ركام البيوت والمباني المهدمة في غزة، ترقد كنوز ثقافية فلسطينية فقدت الى الأبد. مثلا، قدر تقرير لوزارة الثقافة تدمير وإتلاف 2100 ثوب وقطعة تطريز تاريخية ضمن الممتلكات العامة في المتاحف والمؤسسات المدمرة.

تدمير المباني التاريخية ونهبها

وخلال اغتيال المدينة واستهدافها، هدمت معظم المباني التاريخية في أحيائها القديمة مثل الزيتون (القلب التاريخي للمدينة) والدرج والتفاح والشجاعية. فدمر 195 مبنى تاريخيا في هذه الأحياء، وفي بعض البلدات الأخرى مثل خانيونس وجباليا وبيت حانون. وتضم القائمة الطويلة الشاملة قرابة 250 موقعا تاريخيا بما في ذلك مدارس تاريخية وقلاع ومقابر قديمة وأماكن تنقيب.

Mohammed ABED / AFP
فلسطينيون يجمعون كتبا من أنقاض مركز ثقافي بعد غارة إسرائيلية في رفح جنوب قطاع غزة، 18 نوفمبر 2023

وتضم قائمة المواقع الأثرية الكنيسة البيزنطية في جباليا والمقبرة الرومانية وموقع تل العجول (مركز غزة الكنعانية) والأنثيديون (الميناء الفلسطيني القديم) ودير القديس هيلاريون والقيصرية (سوق الزاوية) وقصر الباشا (القرن الثالث عشر) وقلعة برقوق في خانيونس (القرن الرابع عشر) وحمام السمرا (بني عام 1300) ومدرسة الكمالية (1237) ومباني تاريخية وبيوتا وقصورا في البلدة القديمة مثل بيت السقا من القرن السابع عشر ودار الغصين من القرن التاسع عشر.

مصلون أرثوذكس يشاركون في قداس عيد الميلاد في كنيسة القديس برفيريوس في مدينة غزة، 7 يناير 2024

كما تضم قائمة المساجد التاريخية مسجد كاتب ولاية التاريخي ومسجد السيد هاشم حيث قبر جد النبي الكريم الذي تضرر جزئيا، والمسجد العمري الذي كان مكان عبادة كنعانيا مخصصا للإله داجون ثم مسيحيا ثم إسلاميا، وتضم مكتبة المسجد وثائق ومخططوطات إسلامية نادرة. وشملت الكنائس كنيسة القديس بريفوريوس ثالث أقدم كنيسة في العالم وقتل تحت أنقاضها مصور غزة الأول الفنان مروان ترزي وزوجته، إضافة إلى كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية حيث قتل ثلاثة من النازحين الى الكنيسة.

لو أرادت قوات الاحتلال تجنب استهداف المواقع الأثرية والتاريخية وتجنيبها الضرر لأمكنها ذلك

وتضم قائمة المؤسسات الثقافية مؤسسات ومراكز لها دور تاريخي في تطوير المشهد الثقافي في قطاعاته المختلفة مثل قرية الحرف والفنون ومؤسسة حكاوي ومؤسسة فكرة ومركز غزة للثقافة والفنون ودار الشباب للثقافة ومؤسسة بيادر المسرحية وغاليري التقاء ومحترف شبابيك والنادي الأرثوذكسي العربي ومؤسسة السنونو للموسيقى ومعهد إدوارد سعيد للموسيقى ومركز رشاد الشوا الثقافي.

Omar AL-QATTAA / AFP
طفلة فلسطينية تمر أمام مركز رشاد الشوا الثقافي المدمّر في مدينة غزة، 18 أغسطس 2025

وتشمل قائمة الاستهدافات مقاهي تاريخية مثل مقهى الكروان الذي كان يرتاده الشاعر معين بسيسو ورفاقه في خمسينات القرن الماضي ومقهى الربيع في شارع الجلاء. كما لا يمكن نسيان الفنانين والكتاب الذي اغتالتهم الحرب مثل الشاعر سليم النفار والفنان التشكيلي فتحي غبن والفنانة إيناس السقا. 

اغتيال الجمال

يضاف إلى كل ما تقدم، تدمير كل المعالم الحضرية والمدينية في القطاع من جامعات ومعاهد ومؤسسات مجتمعية ومبان حديثة وفنادق ومنتجعات ومراكز تجارية وحدائق ومتنزهات وأماكن ترفيه. في عبارة أخرى، وفي سياق الإبادة الشاملة، اغتيل الجمال في القطاع وقضي على المعالم التي تعطي المكان هويته وملامحه. لقد اغتيل المكان بقدر اغتيال سكانه، وفي حين لم تتبق بناية واحدة على حالها لم يطلها جزء من الضرر أو التدمير، فإنه يصعب تخيل أن كل هذا لم يكن مقصودا وممنهجا. فيلاحظ أنه حوفظ، رغم شدة القصف على المقبرة الإنكليزية التي تضم رفات جنود الكومونولث الذين سقطوا في الحرب العالمية الأولى دون أن يصيبها أي ضرر حقيقي، لعدم رغبة إسرائيل باستفزاز بريطانيا. وبالتالي، لو أرادت قوات الاحتلال تجنب استهداف المواقع الأثرية والتاريخية وتجنيبها الضرر لأمكنها ذلك، ولكن وكما يستنتج من الشواهد والأحداث وعدد وحجم الأماكن المستهدفة، يبدو جليا أن الأمر دبر بليل.

فضلا عن ذلك، تتحدث تقارير وزارة التعليم العالي الفلسطينية عن استهداف 19 جامعة ومؤسسة تعليم عال جراء القصف، حيث هدم بعض هذه الجامعات بالكامل بما تشمله مرافقها من قاعات ومختبرات ومكتبات، وهكذا اغتيلت ذاكرة أجيال، مع كل ما يرافق ذلك من تداعيات نفسية ومجتمعية.

OMAR AL-QATTAA / AFP
متطوع فلسطيني يعمل على إنقاذ وترميم كتب ومخطوطات متضررة داخل مكتبة الجامع العمري الكبير في مدينة غزة، 26 فبراير 2026

سلب الذاكرة

قام المشروع الصهيونى تاريخيا على محاولة سلب الذاكرة الفلسطينية من خلال سرقة التراث والآثار وسلب جزء كبير منها، في سياق مزاعم تعذر على الباحثين إيجاد صلة مادية لها في جوف الأرض أو فوقها، لذلك طوعت كل اللقى والموجودات والمرافق التاريخية من أجل تثبيت السردية المراد ترسيخها، مثل أن يصبح سور القدس الذي بني في القرن السادس عشر هو حائط المبكى.

خلال نكبة 1948 تعمدت إسرائيل إزالة كل المرافق الثقافية والتاريخية التي لم يكن من الممكن تطويعها سرديا. فغاية إسرائيل محو الذاكرة الفلسطينية واستبدالها بذاكرة جديدة، وما لم تستطع سرقته من آثار وتراث، قامت بهدمه. فما جرى خلال النكبة من إبادة ثقافية وعمليات سرقة ومحو واستبدال، مفيد في تأكيد أن ما يجري اليوم هو جزء من جريمة مستمرة لا بد من فتح الأقفال المغلقة التي تخفى الحقيقة خلف أبوابها. إن أحد أبرز المشاهد التي يذكرها سكان قطاع غزة هي لوزير الحرب الإسرائيلي السابق موشيه ديان وهو ينقب عن الآثار في مقابر ملوك الفلسطينيين في "الداروم" في دير البلح، حيث سرق التوابيت ومقتنيات ملوك الفلسطينيين من قبورهم. وفيما كانت العصابات الصهيونية تبقر بطون الحوامل وتقتل النساء، كان قادة هذه العصابات يسرقون الأثواب المطرزة من خزائن الفلسطينيين وينزعونها عن أجساد النسوة اللواتي يقتلهن الجنود، ولعل هذا السبب الذي جعل بعضهم من أكبر تجار الثوب الفلسطيني في المزادات العالمية بعد ذلك.

وخلال الحرب الحالية أوردت تقارير رسمية أن المواطنين وهم ينزحون تحت القصف رأوا الجنود الإسرائيليين يحملون بعض اللقى الأثرية والقطع التاريخية وينهبونها ويضعونها في سياراتهم العسكرية. بل إن بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي عرض بعضا من هذه اللقى في قاعات الكنيست دون وجل. وكما درجت العادة فستوضع هذه القطع في المتاحف الإسرائيلية، وتنسج سردية خاصة حولها تضعها ضمن النطاق الأوسع لسردية الاحتلال. وفي مراجعة سياسة العرض في المتاحف الإسرائيلية، كما فعلت الكاتبة نسب حسين في كتابها "المتاحف والصراع الفلسطيني الإسرائيلي على هوية القدس الثقافية المعاصرة"، يمكن الاستدلال على التغييب الممنهج للسردية الخاصة بأي قطعة أثرية وإعادة موضعتها ضمن سردية جديدة عن المستعمر.

غاية إسرائيل منذ 1948 محو الذاكرة الفلسطينية واستبدالها بذاكرة جديدة، وما لم تستطع سرقته من آثار وتراث، قامت بهدمه

ومن المؤكد أن الاستهداف المتعمد للتراث الثقافي في غزة يرقى الى مستوى جريمة حرب وفق مواد القانون الدولي ويشكل خرقا للأعراف والاتفاقيات الدولية الهادفة لحماية التراث والموضوعة ضمن اتفاقية الحماية والمعاقبة على الإبادة الثقافية للعام 1948 ومعاهدة جنيف للعام 1949 وملحقاتها واتفاقية لاهاي لحماية المقتنيات الثقافية وقت النزاع الملسح للعام 1954. إضافة إلى ذلك يقرر إعلان "اليونسكو" أن التراث الثقافي مكون أساس للهوية الثقافية، ويقول إن تدميره المتعمد قد تكون له تبعات على الهوية الإنسانية وحقوق الإنسان. كما تحدد المادة 22 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل شخص حقوقا ثقافية واجتماعية. والمحزن أن مثل هذه المواد في القانون الدولي تغيب عن النقاش العام حتى تحيد الجرائم الثقافية ولا تتهم إسرائيل بارتكابها، علما أن مثل هذه الاتهامات قد تستدعي كل الجرائم الثقافية السابقة منذ النكبة، وبالتالي تفتح السؤال حول التاريخ الذي لا تريد أوروبا والغرب فتحه حتى لا يعاد النقاش من الأساس حول المسألة اليهودية.

صمت دولي مريب

في مناطق أخرى من العالم أدرجت جرائم الإبادة الثقافية ضمن التهم الموجهة لجنرالات الحروب بل وحوكم بعضهم وفق ذلك، فيما لا يذكر الأمر حتى من باب الشبهة مثلا في الحالة الفلسطينية. في سياقات أخرى أدانت المحاكم الدولية عمليات التدمير الثقافي في أفغانستان والبوسنة وميانمار وسوريا. ففي عام 2004 حكمت محكمة الجرائم الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة على قائد البحرية اليوغوسلافي ميودراغ جوكيتش بالسجن سبع سنوات لإعطائه أوامر بقصف الجزء التاريخي من مدينة دوبروفينك. كما حوكم أحمد المهدي عام 2016 وحكم عليه بالسجن تسع سنوات بتهمة هدم 10 مواقع دينية في تبموكتو. أما في الحالة الفلسطينية، فهناك تغاض عن الأمر وكأنه نتيجة عرضية لا سياسة ممنهجة عن قصد، بل إن المنظمات الدولية المعنية لا تكاد تأتي على ذكر الأمر.

صحيح أن إسرائيل لا تعبأ كثيرا بالقانون الدولي طالما لا تخدم مواده مصالحها، أو يمكن ترجمتها لخدمة هذه المصالح، ولكن حتى من باب الإتهام فإنه لا يوجه أي أصبع نحو أي من قادتها بتهمة الإبادة الثقافية. وفيما انشغل الكثير من المنظمات الدولية، على عجزها، منذ بداية الحرب، بمحاولة تقديم مساعدات في قطاعها مثل منظمة الصحة العالمية مثلا ومنظمة الغذاء العالمي، فإن المنظمة الدولية المعنية بالقطاع الثقافي، والمقصود هنا منظمة "اليونسكو"، لم تحرك ساكنا من أجل حماية المواقع التراثية والأثرية، بما فيها تلك المدرجة ضمن قوائمها للتراث الثقافي المادي مثل دير القديس هيلاريون في دير البلح، مؤسس نظام الأديرة في التراث المسيحي وأول دير في التاريخ.

AFP
أشخاص يسيرون أمام قصر الباشا التاريخي في مدينة غزة، المتضرر جراء القصف، 5 يناير 2024

بل إن تقارير "اليونسكو" نفسها كانت ناقصة واتسمت بالكثير من "الحياد" وتجنبت العمل الميداني وانشغلت بالأرقام التقريبية وفق معايير المنظمة الدولية. فلا تعترف تقارير هذه المنظمة الدولية إلا بقيام إسرئيل باستهداف متحف واحد (متحف قصر الباشا)  فيما كل التقارير المحلية والعربية تتحدث عن استهداف تسعة إلى اثني عشر متحفا في قطاع غزة وتدمير بعضها بشكل كامل. بالنسبة إلى "اليونسكو" فإن المتحف يجب أن يكون مسجلا في "الأيكوم"، منظمة المتاحف، ويوافي المعايير الدولية الدقيقة كأنها في نيويورك أو في جنيف بحيث أن أهم متحف للثوب الفلسطيني موجود في البلاد ويضم أكثر من 400 ثوب وقطعة تطريز أحدثها عمره أكثر من مائة عام وموجود في رفح لا يعتبر متحفا، لأن صاحبته السيدة ليلى شاهين التي أسسته من مالها ومقتنياتها لم تسجله في "الأيكوم"، والمفارقة أن التطريز الفلسطيني الذي يعد هذا المتحف حافظته الوطنية الكبرى في غزة مسجل ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، وبالتالي فإن وجود المتحف جزء من التزامات دولة فلسطين لحماية العنصر المسجل. مثل آخر في هذا السياق هو  متحف "المتحف" لرجل الأعمال جودت الخضري الذي فيه قطع تقوم متاحف باريس وجنيف باستعارتها بشكل مستمر وتعود مقتنياته الى الفترات الكنعانية والفينيقية والرومانية بجانب تماثيل نادرة، لا يتم تصنيفه متحفا وفق المعايير نفسها، وكذلك متحف البداوة في النصيرات. هذا تحديدا ما يمكن تسميته "استعمار" المصطلح حيث يطبق نموذج استعماري يساهم في تخفيف وطأة الجريمة.

لم تحرك "اليونسكو" ساكنا من أجل حماية المواقع التراثية والأثرية، بما فيها تلك المدرجة ضمن قوائمها للتراث الثقافي المادي

ويشير تقرير لـ"اليونسكو" صدر في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 أي بعد أكثر من سنة وشهر من الحرب، إلى استهداف 75 مبنى، منها 10 مواقع دينية و48 بناية تاريخية ومتحفا وسبعة مواقع أثرية. في المقابل فإن كل التقارير الفلسطينية الصادرة عن الهيئات الحكومية وغير الحكومية تشير إلى تدمير 9 متاحف وقرابة مائتي مبنى تاريخي وغير ذلك. إن مجرد استبعاد التقارير الفلسطينية كمرجعية لتحديد الخسائر والجرائم هو جزء من استعمار المصطلح المشار إليه ضمن نطاق الهيمنة المعرفية الغربية. وبذلك، خففت تقارير "اليونسكو" وقع الإبادة الثقافية، وبالتالي أعفت نفسها من المطالبة بمحاسبة جنرالات الجيش الإسرائيلي على مثل هذه الجرائم. كما لم يمارس الضغط من أجل إدخال خبراء لمعاينة الأماكن الأثرية المدمرة مثل ميناء الأنثيديون (البلاخية) أو تل أم عامر أو المقبرة الرومانية وغيرها.

إن المزيد من التركيز على هذه الجرائم من شأنه أن يرفع درجة الاهتمام بها، وبالتالي الضغط من أجل إدراجها ضمن قائمة الجرائم التي توجه الى قادة الحكومة وجنرالات الجيش الإسرائيلي، وهذا يتطلب اهتمام "اليونكسو"، وأيضا "الإيسيسكو" الإسلامية و"الأليكسو" العربية.

font change