منع ماكيلمور والتحولات الثقافية في الولايات المتحدة

تهمة "معاداة السامية" لم تعد كافية لقمع حرية التعبير

منع ماكيلمور والتحولات الثقافية في الولايات المتحدة

في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 كتب المغني الأميركي Ye (كانييه ويست سابقا) في حسابه على منصة "إكس" التعليق الآتي: I’m going death con 3 on JEWISH PEOPLE، وهي عبارة تصعب ترجمتها حرفيا إلى العربية، لكنها تحوير لعبارة DEFCON 3، أي حالة التأهب العسكري من الدرجة الثالثة، ومؤداها أنه سيدخل في حالة مواجهة أو تأهب ضد اليهود. ولم يكتف المغني المثير للجدال، وهو من مؤيدي "ماغا" المشهورين، بهذه العبارة، ففي فبراير/ شباط 2025 كتب: "أنا أحب هتلر، أنا نازي"، وقال صراحة إنه لا يحب اليهود ولا يثق فيهم.

هذه الواقعة تكتسب اليوم أهمية مضاعفة، بعد منع المغني الأميركي ماكيلمور من الغناء ضمن جولة المغني إد شيران في الملاعب الأميركية، إثر خطابه المؤيد لفلسطين وما اعتبره منتقدوه "معاداة للسامية". والمفارقة هنا لا تقف عند مسألة الدور الذي لعبته جماعات مؤيدة لإسرائيل في الحملة ضد ماكيلمور، ولا دور أصحاب الملاعب النافذين، من أمثال روبرت كرافت، إنما يكمن السجال الحقيقي في أن خمسة من الملاعب السبعة التي كان مقررا أن يظهر فيها ماكيلمور في المواعيد الثمانية المتبقية من الجولة، هي ملاعب مملوكة لجهات عامة وليست خاصة، وبالتالي فإن المنع يثير سؤالا دستوريا جديا حول حرية التعبير السياسي، خصوصا في المرافق العامة.

وهنا تصبح واقعة Ye أكثر إثارة للاهتمام. فقد قامت ضده قبل أشهر قليلة حملة مشابهة للحملة ضد ماكيلمور، عنوانها أيضا معاداة السامية، وذلك قبيل حفليه في ملعب "ريموند جيمس" في تامبا بفلوريدا أواخر يونيو/ حزيران الماضي.

في ذلك الوقت طالبت جهات يهودية وسياسيون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بمنع الحفلين، ليأتي الرد من "هيئة الملاعب" في تامبا بأنها، في الوقت الذي تدين فيه معاداة السامية، تحترم حقوق حرية التعبير التي يكفلها الدستور الأميركي حتى عندما تختلف مع ذلك الخطاب. بالتالي أقيم حفلا Ye كما كان مقررا.

منع ماكيلمور بعد خطاب سياسي مؤيد لفلسطين قال فيه "الحرية لفلسطين"، في حين استطاع فنان آخر كاره لليهود أن يقيم حفله، ببساطة لأن عنصريته وكراهيته، لم تدخلا صراحة في المجال السياسي، ولم يقل العبارة المحرمة "الحرية لفلسطين"

نجد أنفسنا هنا، وهذا جوهر السجال الحالي في الولايات المتحدة حول منع ماكيلمور، أمام ازدواجية فاضحة للمعايير. فماكيلمور منع بعد خطاب سياسي مؤيد لفلسطين قال فيه "الحرية لفلسطين"، وعرض صورا للدمار في غزة، وتحدث عن الإبادة والفصل العنصري. لكنه أوضح في الليلة التالية، كما فعل مرات عدة، أن انتقاده لإسرائيل لا يعني انتقاد اليهود، موجها كلامه إلى "إخوته وأخواته اليهود"، ومؤكدا أن رسالته هي السلام والمحبة وأن يعامل جميع البشر بكرامة واحترام ومساواة. في حين استطاع فنان آخر كاره لليهود بما لا يدع مجالا للشك أن يقيم حفله، ببساطة لأن عنصريته وكراهيته، لم تدخلا صراحة في المجال السياسي، ولم يقل العبارة المحرمة "الحرية لفلسطين".

 Kristy Sparow/Getty Images
ماكليمور خلال حفل في أكور أرينا في باريس، 29 مايو 2024

هذه، في الجوهر، هي المحاججة نفسها التي يقدمها كثير من الفنانين والمثقفين الذين وقفوا ضد الحرب في غزة ووجه إليهم الاتهام نفسه: معاداة السامية. فهناك فنان، Ye، استهدف اليهود أنفسهم في تصريحاته، وأعلن حبه لهتلر والنازية، بل واستخدم رموزا نازية في أعماله ومنتجاته وحساباته على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي النهاية لم يمنعه ذلك من إقامة حفليه في ملعب عام، في مقابل فنان آخر استبعد من جولة فنية بعد خطاب سياسي مؤيد لفلسطين لم يتضمن، في التصريحات التي فجرت الأزمة، دعوة إلى كراهية اليهود أو التحريض عليهم.

  YASIN AKGUL / AFP
مغني الراب والمنتج الأميركي كانييه ويست خلال حفل في استاد أتاتورك الأولمبي في إسطنبول، 30 مايو 2026

إد شيران وبيان أقبح من ذنب

بعد الضجيج الذي أثارته واقعة استبعاد ماكيلمور، وما رأى فيه كثر من المعلقين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي دليلا على نفوذ أصحاب رؤوس الأموال المؤيدين لإسرائيل واستعدادهم لاستخدام هذا النفوذ، اضطر إد شيران، صاحب الجولة التي اندلع في سياقها السجال، إلى الخروج عن صمته نافيا أن يكون قرار استبعاد ماكيلمور قراره الشخصي. وقال إن القرار اتخذته الشركة المنظمة للجولة، Messina Touring Group، بعدما أبلغتها مجموعة من الملاعب بأنها لن تستضيف الحفلات إذا بقي ماكيلمور ضمن برنامجها. وبحسب شيران، حاول خلال الأيام التي سبقت القرار التوسط بين الأطراف المعنية، وبينها روبرت كرافت، مالك ملعب "جيليت"، الذي أعلن رفضه ظهور ماكيلمور في ملعبه، وأحد أبرز الداعمين لإسرائيل، لكنه لم ينجح في الوصول إلى حل يحول دون استبعاد المغني الأميركي.

لكن الجزء الأهم في بيان شيران لا يتعلق بتبرئة نفسه من القرار بقدر ما يتعلق بتفسير موقفه الشخصي. فالمغني البريطاني قال إنه اختار طوال مسيرته ألا يستخدم منصته للتعبير عن مواقف سياسية، وإن ذلك لا يعني أنه لا يهتم بما يجري في العالم. ووصف ما يحدث بين إسرائيل وفلسطين بأنه "مأساة إنسانية"، مؤكدا أنه يشعر بالفزع إزاء معاناة البشر "على جانبي الصراع"، وأن له قضايا يدعمها ويتبرع لها بعيدا من الأضواء.

  Paras Griffin / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
إد شيران خلال حفل "جينغل بول 2025" في بوسطن، 14 ديسمبر 2025

لم يفت كثر بالطبع الإشارة إلى التناقض في كلام شيران، إذ سبق له أن اتخذ موقفا علنيا داعما لأوكرانيا بعد الغزو الروسي، وشارك في مارس/ آذار 2022 في حفل Concert for Ukraine  لجمع التبرعات للمتضررين من الحرب. وهذا ينقل القضية في طبيعة الحال من سؤال حرية التعبير إلى سؤال أعقد يتعلق بمعنى الحياد نفسه. فإذا كان من حق شيران أن يختار عدم تحويل حفلاته إلى منابر لمواقفه السياسية، فإن ما حدث في جولته يضع هذا الحياد أمام اختبار مختلف: فالفنان الذي دعاه شيران بنفسه إلى جولته، وسمح له باختيار الأغنيات التي يريد أداءها، لم يخرج منها بسبب خلاف فني، وإنما بعدما اعترض أصحاب ملاعب على مضمون خطابه السياسي. وفي هذه الحالة لا يعود السؤال ما إذا كان شيران مطالبا باتخاذ موقف من فلسطين، بل ما إذا كان ممكنا أصلا الحفاظ على "اللاسياسة" أو على الحياد، حين تتدخل قوى نافذة لتقرر أي خطاب سياسي يستطيع أن يصل إلى المسرح وأي خطاب لا يستطيع.

هكذا لم يعد قرار إبعاد مغن واحد وسيلة لإعادة الجولة إلى "حيادها"، بل تحول بنفسه إلى حدث سياسي جر بقية الفنانين إلى اتخاذ مواقف علنية

ولعل ما حدث بعد بيان شيران جعل هذا السؤال أكثر إلحاحا. ففي غضون ساعات أعلن الفنانون المقرر أن يشاركوا في المواعيد المقبلة للجولة، ومن بينهم فينياس ولوكاس غراهام وآرون رو وفرقة "بيوغا" الأيرلندية التي ترافق شيران موسيقيا، انسحابهم تضامنا مع ماكيلمور أو احتجاجا على إسكات الأصوات المؤيدة لفلسطين. وهكذا لم يعد قرار إبعاد مغن واحد وسيلة لإعادة الجولة إلى "حيادها"، بل تحول بنفسه إلى حدث سياسي جر بقية الفنانين إلى اتخاذ مواقف علنية. 

 KEVIN WINTER / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
إد شيران وماكليمور خلال مهرجان "راديو القلب" الموسيقي في لاس فيغاس، 20 سبتمبر 2014

مارك روفالو واتساع المواجهة الثقافية

لكن واقعة ماكيلمور ليست معزولة، ولا يبدو أن السجال الدائر حولها يتعلق بفنان واحد أو بجولة موسيقية واحدة. فما تكشفه أحداث الأسابيع والشهور الأخيرة في الولايات المتحدة هو صراع أوسع حول قدرة القوى الاقتصادية النافذة، سواء في الرياضة أو صناعة الترفيه والإعلام، على تحديد حدود الخطاب المقبول في شأن إسرائيل وفلسطين. وفي مقابل هذه المحاولات، بدأت تظهر مقاومة أوضح داخل الوسط الثقافي الأميركي نفسه، بما في ذلك من فنانين ومثقفين يهود يرفضون استخدام تهمة معاداة السامية لإسكات منتقدي إسرائيل.

ولعل ما تعرض له الممثل الأميركي مارك روفالو أخيرا يقدم مثلا واضحا على ذلك. فروفالو، المعروف منذ سنوات بمواقفه المؤيدة للحقوق الفلسطينية، يقود أيضا حملة داخل هوليوود ضد صفقة استحواذ "باراماونت سكاي دانس" على "وارنر براذرز ديسكفري"، التي تبلغ قيمتها نحو 111 مليار دولار. وفي سياق معارضته للصفقة، لفت إلى العلاقة بين "باراماونت"، التي يرأسها ديفيد إليسون، وشركة "أوراكل" التي أسسها والده لاري إليسون، وإلى العقود التي تربط الأخيرة بالجيش والحكومة الإسرائيليين. كما نشر مقطعا لنائبة رئيس "أوراكل" التنفيذية سافرا كاتز تتحدث فيه عن التكنولوجيا التي قدمتها الشركة إلى إسرائيل بعد هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

 CARLOS JASSO / AFP
الممثل الأميركي مارك رافالو لدى وصوله لحضور العرض الأوروبي لفيلم "الجريمة 101" في لندن، 28 يناير 2026

رد "باراماونت" كان لافتا. فبدلا من حصر السجال في اعتراضات روفالو على اندماج شركتين عملاقتين أو في صحة ما يقوله عن علاقة "أوراكل" بإسرائيل، اتهمته الشركة باستخدام "قوالب معادية للسامية" في سياق نزاع تجاري. ورد روفالو بأن الاتهام "مروع وغير نزيه في جوهره"، مؤكدا أن انتقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي أو عقد تكنولوجي عسكري أو المديرين الذين يوفرون هذه التكنولوجيا لا يعني انتقاد اليهود، وأن مواقفه السياسية لا ينبغي تفسيرها باعتبارها عداء لهم.

تبدو هذه الواقعة نسخة أخرى مما حدث مع ماكيلمور: فنان ينتقد إسرائيل أو الجهات الداعمة لها، فتنتقل المواجهة من مناقشة مضمون كلامه إلى اتهامه بمعاداة السامية. لكن الرد على الحملة ضد روفالو كشف عن تطور لا يقل دلالة. إذ وقع أكثر من 170 فنانا وكاتبا ومثقفا وشخصية عامة يهودية رسالة مفتوحة بعنوان "كفى!"، دافعوا فيها عن روفالو، ووصفوا ما يتعرض له بأنه حملة تشهير، وطالبوا بوقف ما سموه "الاستخدام الزائف والخطير لاتهامات معاداة السامية" ضد الذين ينتقدون ما يجري للفلسطينيين. وكان بين الموقعين المخرج جويل كوين، وتود هاينز، وتوني كوشنر، وميراندا جولاي، والممثلتان هانا آينبايندر وإيلانا غليزر، والكاتبة ناعومي كلاين، إلى جانب فنانين وكتاب وأكاديميين ورجال دين يهود.

لم يكتف الموقعون بالدفاع الشخصي عن روفالو، بل قالوا إن الربط بين ما يحدث في غزة وما يحدث داخل صناعة الإعلام الأميركية هو جزء من "الواجب الأخلاقي اليهودي"

ولا تكتسب الرسالة أهميتها فقط من عدد الموقعين أو شهرتهم فحسب، وإنما من كونها تسحب من المواجهة إحدى أكثر أدواتها فاعلية: الزعم بأن الاعتراض على السياسات الإسرائيلية أو على المصالح الاقتصادية المرتبطة بها يمثل، في ذاته، عداء لليهود. فالموقعون لم يكتفوا بالدفاع الشخصي عن روفالو، بل قالوا إن الربط بين ما يحدث في غزة وما يحدث داخل صناعة الإعلام الأميركية هو، بالنسبة إليهم، جزء من "الواجب الأخلاقي اليهودي"، وإن وصف هذا الربط بأنه معاداة للسامية يمثل استخداما خطيرا للتهمة بهدف إغلاق النقاش. 

لا يقل أهمية عن ذلك، في السياق نفسه، "معاقبة" متابعي إد شيران على منصة "إنستاغرام" له، إذ ألغى متابعته حتى الآن أكثر من 200 ألف شخص، مما دفعه إلى محاولة التملص من تهمة الانحياز إلى إسرائيل من خلال إعلان التبرع بمليوني دولار للفلسطينيين، بل وطلبه من روبرت كرافت التبرع بمبلغ مماثل، وذلك ردا على إعلان مكيلمور التبرع بعائداته من مشاركته في الجولة إلى الشعب الفلسطيني.

صراع داخل المؤسسة

تلتقي واقعتا روفالو وماكيلمور عند نقطة أوسع. ففي الأولى نجد أصحاب ملاعب وشخصيات شديدة النفوذ قادرة على تهديد جولة فنية كاملة لمنع فنان من الظهور، وفي الثانية نجد واحدة من أضخم الشركات الإعلامية في العالم تدخل بنفسها في مواجهة علنية مع ممثل بسبب انتقاده مصالح اقتصادية وسياسية مرتبطة بإسرائيل. أي أن المسألة لم تعد تقتصر على خلاف بين فنانين حول حرب بعيدة، وإنما أصبحت صراعا داخل المؤسسات الثقافية الأميركية نفسها حول من يملك حق رسم الحدود بين النقد السياسي والخطاب غير المقبول.

غير أن ما تغير، وربما يكون هذا هو التطور الأهم، أن هذه القوة لم تعد تعمل من دون مقاومة علنية داخل الوسط الفني نفسه. انسحاب الفنانين من جولة شيران بعد استبعاد ماكيلمور، ووقوف أكثر من 170 شخصية يهودية إلى جانب روفالو، يشيران على الأقل إلى أن استخدام تهمة معاداة السامية ضد الأصوات المنتقدة لإسرائيل بات يواجه اعتراضا منظما من داخل هوليوود والوسط الثقافي الأميركي، بما في ذلك من شخصيات يهودية بارزة. وإذا كانت المؤسسات الاقتصادية الكبرى لا تزال تمتلك القدرة على التحكم في المنصات، فإن قدرتها على فرض تفسير واحد لما يجوز قوله عن إسرائيل وفلسطين تبدو اليوم موضع نزاع علني على نحو لم يكن مألوفا بالدرجة نفسها قبل سنوات قليلة.

 Sina Schuldt/picture alliance via Getty Images
لافتة كتب عليها "فلسطين حرة - أوقفوا الإبادة الجماعية" خلال حفل لمغني الراب الأميركي ماكليمور في نورد هولتس، ألمانيا

واللافت أن هذه المقاومة لم تعد تقتصر على بيانات التضامن والمواقف الفردية. ففي البرتغال انسحب عدد من الفنانين من مهرجان "كوميديا  آلا كارت" الدولي في لشبونة، المقرر إقامته أواخر أكتوبر/ تشرين الأول، احتجاجا على مشاركة جيري ساينفيلد، الذي يتصدر برنامج المهرجان، وعلى مواقفه المؤيدة لإسرائيل. ولم يذكر بعض المنسحبين ساينفيلد بالاسم، لكن الممثلة والكوميدية إينيس آيريس بيريرا بررت انسحابها بأن أحد المشاركين "يدافع باستمرار عن أفكار وأفعال أعتبرها غير قابلة للدفاع"، مضيفة: "لا يمكننا أن نهوّن من الإبادة الجماعية أو نطبّع معها". وكان ساينفيلد قد ذهب في مواقفه إلى حد مقارنة حركة "الحرية لفلسطين" بمنظمة "كو كلوكس كلان"، معتبرا أن الشعار يخفي في حقيقته كراهية لليهود.

إذا كانت المؤسسات الاقتصادية الكبرى لا تزال تمتلك القدرة على التحكم في المنصات، فإن قدرتها على فرض تفسير واحد لما يجوز قوله عن إسرائيل وفلسطين تبدو اليوم موضع نزاع علني


وفي الولايات المتحدة نفسها، قدم مشهد آخر انتشر على نطاق واسع خلال الأيام الماضية صورة أكثر مباشرة لهذا التغير. فقد افتتح الكوميدي والحاخام اليهودي الأميركي مناحيم سيلفرشتاين فقرة له في شيكاغو بالقول: "اسمي مناحيم، وأنا أدعم إسرائيل". ولم يحتج الجمهور بالصراخ أو بمحاولة منعه من الكلام، بل نهض عدد كبير من الحاضرين وغادروا القاعة، فيما أظهرت المقاطع المتداولة مقاعد كثيرة فارغة أمامه. وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم: فمقاومة محاولة القوى النافذة فرض حدود أيديولوجية على المجال الثقافي لا تحتاج بالضرورة إلى سلطة مضادة تمنع أصحاب الرأي الآخر من الكلام: يستطيع الفنان أن يقول ما يشاء، ويستطيع الجمهور، بدوره، أن يرفض الاستماع إليه.

 Jane Gershovich / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
مالك فريق نيو إنغلاند باتريوتس روبرت كرافت

وهذا التمييز بين المنع والمقاطعة جوهري في هذا السجال. فأن يستخدم مالك ملعب أو شركة إعلامية سلطته الاقتصادية لمنع فنان من الوصول إلى الجمهور بسبب موقف سياسي، ليس هو نفسه أن يقرر فنان الانسحاب من مهرجان، أو أن يقرر متفرج النهوض من مقعده ومغادرة القاعة احتجاجا على موقف فنان. في الحالة الأولى تستخدم سلطة تملك المنصة قدرتها على إغلاقها أمام خطاب بعينه، وفي الثانية يمارس الأفراد حريتهم في عدم المشاركة أو عدم الاستماع. بل إن المقاطعة، في هذا المعنى، لا تنقض حرية التعبير، وإنما تمارسها من الاتجاه الآخر: لك أن تقول ما تريد، ولي أن أرفض أن أكون جمهورك.

الأرقام لا تكذب

إن لم تكن هذه الوقائع الثقافية كافية للحديث عن تحول في المزاج الأميركي. فالأرقام ترسم الصورة نفسها بوضوح أكبر. ففي فبراير/ شباط الماضي كشف استطلاع لمؤسسة "غالوب" أنه، للمرة الأولى منذ عقود، لم يعد الإسرائيليون يتمتعون بتقدم ذي دلالة في تعاطف الأميركيين: قال 41 في المئة إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36 في المئة مع الإسرائيليين، بعدما كانت النسبة قبل ثلاث سنوات 54 في المئة للإسرائيليين و31 في المئة للفلسطينيين.

وأكد استطلاع أحدث لمركز "بيو" الاتجاه نفسه، إذ هبطت النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية من 47 في المئة عام 2022 إلى 32 في المئة هذا العام، فيما بات 62 في المئة من الأميركيين ينظرون إليها بصورة سلبية. ويبدو التحول أكثر حدة بين الأجيال الشابة: فبين الأميركيين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما ينظر 58 في المئة بإيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 32 في المئة فقط إلى الإسرائيليين. وبين الديمقراطيين والميالين إلى الحزب الديمقراطي من الفئة العمرية نفسها تصل النسبتان إلى 72 في المئة للفلسطينيين مقابل 26 في المئة للإسرائيليين.

ردة الفعل ضد قمع حرية الرأي تحت شعار مواجهة "معاداة السامية"، تؤكد أن الأمر بات يتجاوز فكرة التضامن أو الانحياز مع قضية "خارجية"، إلى أن تكون قضية داخلية تتعلق بحدود دعم الولايات المتحدة لإسرائيل


وإذا كان من المبكر اعتبار هذه الوقائع وحدها دليلا قاطعا على انقلاب المزاج العام الأميركي، فإنها تشير مجتمعة إلى تغير يصعب تجاهله، خصوصا في المجال الثقافي: فنانون ينسحبون من جولة احتجاجا على إسكات زميلهم، ومثقفون وفنانون يهود يرفضون استخدام معاداة السامية سلاحا ضد منتقدي إسرائيل، وجمهور يستخدم حقه في المقاطعة والانسحاب. أي أن السلطة التي ما زالت تملك الملاعب والاستوديوهات والشركات الإعلامية لم تعد تملك بالسهولة نفسها القدرة على فرض موقفها على الفنانين والجمهور. والسبب في ذلك قد يبدو أخلاقيا محضا، وهو بالفعل أخلاقي محض بالنسبة إلى الأفراد، إلا أن رد الفعل ضد قمع حرية الرأي تحت شعار مواجهة "معاداة السامية"، يؤكد أن الأمر بات يتجاوز فكرة التضامن أو الانحياز مع قضية "خارجية"، إلى أن تكون قضية داخلية تتعلق بحدود دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وتكلفة ذلك أولا على جيوب دافعي الضرائب الأميركيين، وثانيا على سمعة الولايات المتحدة وحضورها في العالم.

font change