الحرب التي تحدث ولا تحدث على شاشة هاتف الرئيس الأميركي

حيث "كل شيء رائع" ولا ضحايا ولا دماء ولا دمار

 Leah Millis / REUTERS
Leah Millis / REUTERS
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل هاتفا محمولا تظهر على شاشته صورته بعد عودته من ولاية بنسلفانيا إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند، الولايات المتحدة، 30 مايو 2025

الحرب التي تحدث ولا تحدث على شاشة هاتف الرئيس الأميركي

لم يجد الرئيس الأميركي، حين سئل عن ضحايا مدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب الإيرانية من التلميذات الصغيرات اللواتي زاد عددهن على 160 ضحية في أول أيام الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية على إيران، سوى القول، في اليوم الثامن من الحرب، إن هذا كان من فعل الإيرانيين أنفسهم. وفي الأيام القليلة السابقة لهذه التصريحات (والرئيس الأميركي يتحدث كل يوم أكثر من مرة)، نشرت حسابات البيت الأبيض مقاطع فيديو ترويجية للحرب، يستند أحدها إلى لعبة الفيديو الحربية الأشهر، "كول أوف ديوتي" (نداء الواجب)، وآخر يستند إلى أفلام هوليوودية، مولفة جميعها لكي تصوّر الأميركي الخارق المنتصر في حرب أطلقها، دون أن يحدد لها هدفا أو أفقا زمنيا واضحا.

هذه المقاطع التي تبدو مفصلة على قياس الرئيس الأميركي وطريقة تفكيره، معتمدة على أفكار التفوق والعظمة و"التشويق"، أثارت اعتراض كثر من الطيف السياسي والثقافي والفني والهوليوودي على السواء، ممن رأوا فيها عدم احترام، سواء للضحايا المدنيين الذين يسقطون في هذه الحرب، أو للجنود الأميركيين الستة الذين قتلوا في بدايات الحرب. إلا أن الرئيس نفسه لا يعبأ بهذه الاحتجاجات، ولا يجد نفسه معنيا بمراعاة مشاعر أحد، لا من الإيرانيين أنفسهم (الذين يزعم تحريرهم)، ولا من العرب، وقطعا ليس من أحد آخر في العالم.

اللعبة هي اللعبة

فالحرب، بقدر ما الأمر يعني ترمب، لا تحدث حقا. لا دماء حقيقية تسفك، ولا مباني فعلية تدمر، ولا مليارات تهدر. يجد العالم نفسه أمام حالة مضاعفة من التناقض الصارخ: قائد يطلق حربا يسميها "الغضب الملحمي" (الذي يليق بأن يكون اسم لعبة فيديو حربية)، ويجنّد لها موارد غير مسبوقة، من اقتصاد بلده واقتصادات كل البلدان المعنية بهذه الحرب، وفي الوقت نفسه، يريد باستمرار الإيحاء بأن هذه الحرب لا تحدث، فهي خاطفة وسريعة وحافلة بالإنجازات والأهداف "التي لا تصدّق" إلى درجة يشعر حيالها، من يتابعها انطلاقا من تصريحات ترمب، بأنه إنما يتابع لعبة فيديو أو مباراة كرة سلة أو كرة قدم أميركية.

الحماسة التي يتحدث بها ترمب عن الحرب، كلما سنحت له الفرصة، هي حماسة من لا يريد مغادرة مربّع التسلية والمرح، وكان الرئيس الأميركي افتخر في تصريحات سابقة بأنه "لن يملّ" من هذه الحرب، تماما كأنها مباراة كرة قدم. أما موقعه من هذه الحرب فهو موقع اللاعب الرئيس والمدرب والحكم والمعلق والجمهور في آن واحد، بل لعله في غمرة حماسته يطمح إلى أن يكون أيضا اللاعب الرئيس والمدرب للفريق الخصم أيضا.

من يتابع الحرب انطلاقا من تصريحات ترمب، يشعر بأنه إنما يتابع لعبة فيديو أو مباراة كرة سلة أو كرة قدم أميركية

الرئيس الأميركي، رغم تقدمه الجلي في السن، يقارب كل شيء في فترة رئاسته، بما فيها الأحداث الكثيرة التي يصنعها بصورة شبه يومية، انطلاقا من رؤية المؤثر اليافع على التواصل الاجتماعي. وكان ترمب اكتشف باكرا جدا، وعن حق، مدى قوة منصات التواصل الاجتماعي، إلى الدرجة التي دفعته إلى إطلاق منصة خاصة به أسماها "تروث" (الحقيقة). العالم الحقيقي، بالنسبة إلى ترمب، يحدث هناك، ضمن مسافة شاشة هاتفه الصغيرة، أما كل ما عدا ذلك، فهو محض وهم اخترعه البشر الذين لا يعرفون كيف ينخرطون في اللعبة، اللعبة التي يريد وضع قواعدها، وتغيير تلك القواعد متى شاء. ولعل موقفه من الدول التي لم تتحمس لحربه الأخيرة هذه، ولا سيما إسبانيا وبريطانيا، يعكس هذه الرؤية. فكل من هذين البلدين، لاعب سيء يجب إخراجه من اللعبة (بريطانيا، بكلماته، تأخرت كثيرا في الانخراط وبالتالي لم يعد يحق لها أن "تلعب")، أما غضبته تجاه إسبانيا وتهديده بمعاقبتها، فهي أقرب إلى خصم النقاط من لاعب كان يفترض أن يكون في الفريق نفسه، لكنه فضل البقاء خارج اللعبة.

قوة الكلمات

كل شيء في عالم ترمب ينتمي إلى منطق اللعب، وهو لاعب نزق جدا، ملول جدا، لا يريد من هذا العالم، سوى أن يقدّم له، كل ساعة وكل يوم، مبررا لكي يكون موجودا، ما دام العالم الوحيد الموجود هو عالمه الخاص نفسه. هكذا يصبح ترمب نفسه، وليس أي مسؤول آخر في إدارته، مدير الحملة الدعائية لحربه على إيران. هو يعرف جيدا قوة الكلمات، خصوصا حين تصدر عن أقوى رجل في العالم. كلامه المليء بالنشوة عن قتل القيادة الإيرانية، حتى لم يبق منها بحسب زعمه من يتفاوض معه على المرحلة التالية، وعن حجم الدمار الذي تحدثه الأسلحة الأميركية "الجميلة الرائعة"، كل هذا يبدو نابعا من قاموس اللحظة الراهنة، لحظة المزاج، والرغبة الشخصية، أكثر مما هو مستند إلى الوقائع السياسية والعسكرية.

Jonathan Ernst / REUTERS
كرسي الرئيس الأميركي دونالد ترمب يظهر فارغا خلف المكتب الرئاسي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض خلال مراسم تقليد أوسمة في واشنطن، 3 ديسمبر 2020

في قاموس ترمب من الأشياء الرائعة التي تحدث له ولأي مكان أو شخص يحتك به أو يولي به أي درجة من الاهتمام، لا مكان للواقع، لأنه هو نفسه تمكن من تدمير الواقع مرة بعد مرة، بمجرد قول إنه لا يحدث. كلام وزير خارجيته عن أن بلاده انخرطت في الحرب لأن إسرائيل فعلت ذلك، يذوب كالملح، حين يصرح ترمب بعد ساعات بأنه هو من أدخل إسرائيل في الحرب لا العكس.

العالم الحقيقي، بالنسبة إلى ترمب، يحدث ضمن مسافة شاشة هاتفه الصغيرة، أما كل ما عدا ذلك، فهو محض وهم اخترعه البشر الذين لا يعرفون كيف ينخرطون في اللعبة

كلامه نفسه الذي دعا فيه الشعب الإيراني للنزول إلى الشوارع في أول يوم "قمت بما عليّ والباقي عليكم"، ثم كلامه بعد يومين بأنه لا يريد أن يخرج الإيرانيون تحت القصف... سيأتي دورهم لاحقا". ملفات إبستين هي الأخرى لا معنى لها، يكفي أن يقول إنه لا علاقة له بهذه المسألة برمتها، حتى تغدو هذه الحقيقة (تروث) بالنسبة إليه. وكل شيء آخر لا يتناسب وسرديته حول أي أمر هو ببساطة "فايك" (زائف).

 Kevin Dietsch / Getty Images via AFP
صورة توضيحية لهاتف يعرض منشورا لدونالد ترمب على منصة "تروث " حول وفاة الممثل والمخرج روب راينر، واشنطن، 15 ديسمبر 2025

في عالم ترمب، من يملك صورة الحدث، يملك الحدث نفسه، ومن يملك القدرة على الكلام، يملك الحقيقة نفسها. كل شيء آخر هو محل جدال وسجال لا مكان للوضوح ولا للحقيقة الجازمة فيه. تماما كما يحدث في سجالات التواصل الاجتماعي، تستطيع أن تقول أي شيء وتطلق أي مزاعم وتطلقها في فضاء الشبكة، فتصبح هذه هي الحقيقة الوحيدة، أن ما قلته موجود الآن، في مسافة عمره الافتراضي، ضمن الشبكة، وسرعان ما يختفي ويحل محله شيء آخر، وحين يختفي لا يعود أي نقاش جاد أو أي حقيقة مهمة حقا.

خطوط وأرقام

هكذا، فإن الرئيس الأميركي، من مكتبه البيضاوي، أو من غرفته الوثيرة في منتجع "مارالاغو"، لا يتعامل مع جغرافيا ولا مع تاريخ. لا يعنيه حجم إيران الجغرافي ولا تاريخها، ولا عدد سكانها، كل هذا غير موجود بالنسبة إليه، أو إذا كان موجودا، فهو فقط بحجم الشاشة التي ينظر إليها، مجموعة خطوط وأرقام وألوان وبيانات، لا أكثر. الخرائط تتزحزح وتتبدل وتتداخل وحتى تزول، فقط على هذه الشاشة، أما العالم الحقيقي، حيث هناك على سبيل المثل بشر يروعون ويقتلون ويهجرون ويدمر مستقبلهم، فهو مجرد وهم لا يتناسب مع منطق الصفقة.

في هذا المعنى، فإن ترمب، بوعي أو دون وعي منه، هو النتيجة شبه الحتمية لعالم السرعة الذي تقوده التكنولوجيا، تلك التي تستبدل نفسها بنفسها، وتصنع واقعها الخاص المتجدد كل مرة، وتفرضه على العالم. فلا يبدو غريبا إذن، أن ترمب، وهو لا يزال في خضم حرب لا تبدو في طريقها السريع للحسم، مع إيران، بدأ يفكر في كوبا التي "تعيش لحظاتها الأخيرة". منطق الملل نفسه، والعثور على مرمى أهداف جديد، بمعنى تزجية الوقت، لا بمعنى الإنجاز، يبدو أنه كلّ ما يحكم هذه المواقف والأمزجة الرئاسية المتقلبة والمتسارعة.

Andrew Caballero-Reynolds / AFP
صورة توضيحية لهاتف يعرض منشورا لدونالد ترمب يعلن فيه مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي عقب ضربات أميركية-إسرائيلية على إيران، قرب البيت الأبيض في واشنطن، 28 فبراير 2026

هكذا، فإن نظرة ترمب إلى إيران، لا تختلف كثيرا عن نظرته إلى غزة، ولا بعد ذلك إلى فنزويلا. كل شيء سيكون رائعا بعد ذلك، في ذلك المستقبل الضبابي البعيد. بلد مثل فنزويلا أو إبادة بحجم غزة، أو مسألة جيوسياسية كبرى بحجم إيران، جميعها تصبح محض "بوست" على "تروث سوشال". فليكن هذا "البوست": "سوف نجعل من غزة ريفييرا جديدة"، أو فليكن "إننا نجني الكثير من الأموال"، فبعد نشر "البوست" فورا يفقد قيمته، ويبدأ التفكير بالبوست التالي.

نظرة ترمب إلى إيران، لا تختلف كثيرا عن نظرته إلى غزة، ولا بعد ذلك إلى فنزويلا. كل شيء سيكون رائعا بعد ذلك، في ذلك المستقبل الضبابي البعيد


يشبه ترمب الشخصيات الدرامية الكبرى في تاريخ البشرية، رجل عالق في سرديته عن نفسه وعن العالم، في ما يشخصه بعضهم نرجسية مزمنة، وفي الوقت نفسه، يدرك أنه شارف الثمانين من عمره، فتبدو له الساعات والأيام والشهور، مجرد أثقال يجب تخفيفها بالتسلية المطلقة، عبر لعبة الخلق والتدمير، ثم إعادة الخلق والتدمير من جديد. العالم كما هو، في حاله المستقرة، أيا يكن معنى هذا الاستقرار، لا يعجب سيّد الضجر الأكبر، وبالتالي يجب خلخلته دون توقف، مرة بإجراءات اقتصادية، وأخرى بإطلاق عمليات خاصة، ومرة بشن حروب، ومرة بشتم فنان أو صحافي... وفي أثناء ذلك، لا بأس من الوقوف لحظة وتأمل ستارة جديدة وإطلاق عبارات الثناء على النفس لكونه من اختار هذه الستارة وألوانها...

إن لم يكن هذا هو المسرح بعينه، فماذا يكون؟

font change