لم يجد الرئيس الأميركي، حين سئل عن ضحايا مدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب الإيرانية من التلميذات الصغيرات اللواتي زاد عددهن على 160 ضحية في أول أيام الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية على إيران، سوى القول، في اليوم الثامن من الحرب، إن هذا كان من فعل الإيرانيين أنفسهم. وفي الأيام القليلة السابقة لهذه التصريحات (والرئيس الأميركي يتحدث كل يوم أكثر من مرة)، نشرت حسابات البيت الأبيض مقاطع فيديو ترويجية للحرب، يستند أحدها إلى لعبة الفيديو الحربية الأشهر، "كول أوف ديوتي" (نداء الواجب)، وآخر يستند إلى أفلام هوليوودية، مولفة جميعها لكي تصوّر الأميركي الخارق المنتصر في حرب أطلقها، دون أن يحدد لها هدفا أو أفقا زمنيا واضحا.
هذه المقاطع التي تبدو مفصلة على قياس الرئيس الأميركي وطريقة تفكيره، معتمدة على أفكار التفوق والعظمة و"التشويق"، أثارت اعتراض كثر من الطيف السياسي والثقافي والفني والهوليوودي على السواء، ممن رأوا فيها عدم احترام، سواء للضحايا المدنيين الذين يسقطون في هذه الحرب، أو للجنود الأميركيين الستة الذين قتلوا في بدايات الحرب. إلا أن الرئيس نفسه لا يعبأ بهذه الاحتجاجات، ولا يجد نفسه معنيا بمراعاة مشاعر أحد، لا من الإيرانيين أنفسهم (الذين يزعم تحريرهم)، ولا من العرب، وقطعا ليس من أحد آخر في العالم.
اللعبة هي اللعبة
فالحرب، بقدر ما الأمر يعني ترمب، لا تحدث حقا. لا دماء حقيقية تسفك، ولا مباني فعلية تدمر، ولا مليارات تهدر. يجد العالم نفسه أمام حالة مضاعفة من التناقض الصارخ: قائد يطلق حربا يسميها "الغضب الملحمي" (الذي يليق بأن يكون اسم لعبة فيديو حربية)، ويجنّد لها موارد غير مسبوقة، من اقتصاد بلده واقتصادات كل البلدان المعنية بهذه الحرب، وفي الوقت نفسه، يريد باستمرار الإيحاء بأن هذه الحرب لا تحدث، فهي خاطفة وسريعة وحافلة بالإنجازات والأهداف "التي لا تصدّق" إلى درجة يشعر حيالها، من يتابعها انطلاقا من تصريحات ترمب، بأنه إنما يتابع لعبة فيديو أو مباراة كرة سلة أو كرة قدم أميركية.
الحماسة التي يتحدث بها ترمب عن الحرب، كلما سنحت له الفرصة، هي حماسة من لا يريد مغادرة مربّع التسلية والمرح، وكان الرئيس الأميركي افتخر في تصريحات سابقة بأنه "لن يملّ" من هذه الحرب، تماما كأنها مباراة كرة قدم. أما موقعه من هذه الحرب فهو موقع اللاعب الرئيس والمدرب والحكم والمعلق والجمهور في آن واحد، بل لعله في غمرة حماسته يطمح إلى أن يكون أيضا اللاعب الرئيس والمدرب للفريق الخصم أيضا.


