ينتمي كتاب "منطقيات الجسد: طريقة أخرى للتفكير في الزمن" (منشورات "سوي" الفرنسية، 2026)، للمؤرخ الفرنسي جورج فيغاريلو إلى طراز نادر من المؤلفات الفكرية التي لا تهدف إلى نقل معارف تاريخية مجردة إلى القارئ، بقدر ما تسعى إلى خلخلة يقينياته الأساس وإعادة تشكيل طريقة تفكيره في مفاهيم كان يظنها بديهية ومسلما بها. فالكتاب يعكس رغبة في اكتشاف زاوية نظر مغايرة كليا للعالم، إذ يتضح منذ صفحاته الأولى أن المؤلف يغوص في نص تحليلي يكشف كيف أسهم كل من الجسد والزمن في صناعة الآخر وصوغه عبر التاريخ.
فالزمن، بخلاف ما توحي به عقارب الساعات ورسومات التقاويم، ليس مجرد تعاقب آلي للأيام والسنوات، كما أن الجسد ليس مجرد آلة بيولوجية تؤدي وظائفها العضوية بمعزل عن محيطها. إن كلا منهما يمثل نتاجا طويلا ومحتوما من التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وما يبدو لنا اليوم مشاعر طبيعية عفوية -كالإنهاك، أو الحاجة إلى الراحة، أو الخوف من الشيخوخة، أو الهوس بالإنجاز- هو في واقع الأمر نتاج تاريخ طويل أعيد فيه تشكيل العلاقة بين الكائن الإنساني وزمنه
الجسد بوصفه مرآة
يقود هذا الطرح العميق المشروع الفكري لجورج فيغاريلو، الذي كرس عقودا طويلة من حياته الأكاديمية لتحليل ودراسة مفاهيم متعددة كالنظافة، والألم، والرياضة، والجمال، والشيخوخة. إلا أنه في هذا العمل يتجاوز المألوف ليخطو خطوة أبعد، فيتعامل مع الجسد باعتباره المرآة التي تنعكس عليها تصورات كل حضارة لمفهوم الزمن، وكأن التاريخ الحقيقي للبشر يكتب في العضلات التي تكل، والأجساد التي تشيخ، والأنفاس التي تتسارع أو تتباطأ، بقدر ما يسجل في الوثائق والمدونات الرسمية.
تكمن الأصالة الفكرية لهذا العمل في كونه يقلب العلاقة التقليدية السائدة، فبعدما اعتاد الفكر الاجتماعي القول إن الزمن يترك بصماته وآثاره المتلاحقة على الجسد، يقترح فيغاريلو الاتجاه المعاكس بثبات، مؤكدا أن الجسد هو الذي يمنح الزمن معناه الإنساني والوجودي. فنحن لا نعي مرور الوقت عبر حركة الأرض أو دوران الفصول فحسب، إنما نطالعه من خلال ما يحدث في أعماق أجسادنا، إذ يغدو التعب شكلا من أشكال الزمن، ويصبح النمو والترميم والمرض والتعافي صورا زمنية متجسدة، بل إن الانتظار ذاته يتجلى كخبرة جسدية كاملة يتجسد فيها ثقل الدقائق أو خفتها وفقا للحالة النفسية والبدنية للإنسان.




