خطابات الهيمنة الجسدية في الصورة الفنية الغربية

من الجسد المثالي إلى المنفلت

JEAN-CHRISTOPHE VERHAEGEN / AFP
JEAN-CHRISTOPHE VERHAEGEN / AFP
عمل فني بعنوان «الحرب» (1965) للفنان الألماني كونراد كلابهيك خلال عرض في متحف بومبيدو-ميتز، 3 تشرين الثاني 2022.

خطابات الهيمنة الجسدية في الصورة الفنية الغربية

تحدد موضع الجسد في الفن الكلاسيكي، الغربي خاصة، ضمن منظومة رمزية تأسست على الأسطوري والديني والطقوسي، حيث اشتغلت الصورة الفنية بوصفها وسيطا لإسناد معنى متعال إلى الكيان الجسدي داخل تصور كوني يربط التناسب الشكلي بانسجام العالم وبالتراتبية الأخلاقية والاجتماعية. إذ عد هذا الفن وريثا للفنون "الغربية" القديمة، فالجسد في النحت الإغريقي والروماني، أو بتعبير أشمل "فن العصور القديمة"، يتخذ هيئة معيارية تؤسس علاقة بين الجمال والنظام والسلطة السياسية التي تتجسد عبر الصورة العمومية للجسد القوي المهيمن، حيث لا يوجد الجسد معزولا عن بيئته والتصورات الاجتماعية والسياسية حوله، فالمجتمعات تسعى، بطرق مختلفة، إلى تحديد ماهيته ومكانه وسلوكه وإيماءاته ومواقفه. الجسد المنحوت إغريقيا ورومانيا، هو نتاج فكرة بناء تصور مثالي عن البدن المحارب، ذلك الشخص المكتمل جسمانيا. ومثلما يخبرنا المؤرخ الفرنسي جورج فيغاليرو، يعد التاريخ الغربي تاريخ غزو طويل للفضاء الجسدي.

ثنائية الألم والخلاص

قبيل العهد الكلاسيكي، انتقل التمثيل الجسدي داخل الفن الديني الوسيط إلى موضع اختبار أخلاقي وروحي تتجسد فيه ثنائية الألم والخلاص، حيث تتشكل الأيقونة بوصفها جهازا بصريا ينظم علاقة النظر بالجسد المقدس داخل فضاء تعبدي ينتج أخلاق الرؤية ويقنن شرعية التمثيل. فالنظرة هي جوهر الأيقونة، التي تتخذ وضعية "البديل" الاستعاري والرمزي للشخص المقدس (المسيح، العذراء، القديسون...)، إذ تتيح الأيقونة لقاء مباشرا معهم والتبرك بـ"وجوههم". ثم لاحقا سيستعيد الجسد في عصر النهضة مركزية جديدة ضمن أفق إنساني يعيد الاعتبار الى المعرفة التشريحية والمنظور الهندسي بوصفهما أدوات لإنتاج جسد قابل للقياس والمعايرة داخل تصور عقلاني يجعل من التمثيل الجسدي ممارسة معرفية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته عبر صورة جسدية تبنى داخل شبكة من القيم تمزج الجمال بالمعرفة وتؤسس سلطة بصرية جديدة قوامها مركزية الإنسان داخل الكون.

هكذا تتراكم أنماط تمثيل الجسد داخل تقليد كلاسيكي غربي يجعل الصورة الفنية جهازا لإعادة إنتاج معنى متعال للجسد يربطه بالكون وبالسلطة الروحية والسياسية ضمن نظام قيمي يمنح الجسد وظيفة رمزية مستقرة داخل سردية كونية وأخلاقية.

وقد بلورت تجربة الحركة الإنسانوية في أوروبا، وخاصة في الأراضي المنخفضة، رؤية إنسانية متقدمة للإنسان وجسده، فلم نعد إزاءها أمام البعد الأسطوري أو المثالي أو الطقوسي الديني حيث الجسد مجرد ذريعة رمزية لحكاية أو رؤية أو عبرة أو غاية متعالية عن الواقع. فقد عمدت مجموعة من الفنانين المنتمين الى تلك الحقبة، الممهدة للرومانسية وما أحدثته من نقلة على المستوى الموضوعاتي الذاتي والجسدي، إلى تصوير "أجساد" هامشية، أجساد من العالم المعيش: خدم وغيرهم، عبر بورتريهات ومشاهد لا تبتغي أي إعلاء رمزي "لاهوتي" أو أسطوري، بقدر ما تعمد إلى بناء حكاية إنسانية من خلال الجسد الإنساني البسيط.

هكذا تتراكم أنماط تمثيل الجسد داخل تقليد كلاسيكي غربي يجعل الصورة الفنية جهازا لإعادة إنتاج معنى متعال للجسد يربطه بالكون وبالسلطة الروحية والسياسية

يدخل فن التصوير بهذا طورا استعراضيا فيغدو المتلقي مراقبا لمشهد مهيأ سلفا ويستدرج إلى التورط فيه بصريا. يتحول الفنان إلى ذات مرئية داخل الحقل التشكيلي، مستندة إلى قدرتها على إعادة تشغيل الرموز التصويرية المستجدة وفق منطق تخييلي أو أفق قيمي خاص. في بلدان الشمال الأوروبي برز اسم يان فان إيك بوصفه مفصلا حاسما. بينما ينشغل الفنانون الإيطاليون ببناء الطبيعة عبر جهاز هندسي قائم على المنظور الخطي، شيد الرسام الهولندي وهم الواقعي عبر كثافة التفاصيل الدقيقة التي تجعل اللوحة مرآة للمرئي اليومي.

Wikimedia Commons
لوحة "بورتريه أرنولفيني"

في عمله الشهير "بورتريه الزوجين أرنولفيني" (1434)، تستعاد قطعة كاملة من العالم المعيش: السجادة، المسبحة، الثمار على حافة النافذة. وفي المرآة يلوح أثر الشاهد الرسام، فتغدو الذات الفنية عينا موثقة داخل المشهد، بما يعيد تعريف موقع الفنان من صانع صورة إلى فاعل ضمن اقتصاد النظر.

الجسد موضوع صراع رمزي

ألغت هذه الحركة الفكريةـ بهذا كل أشكال الهيمنة الكلاسيكية على الجسد، وهو ما سيلقي بأنواره على الحقل التشكيلي الحديث والمعاصر حيث يفقد الجسد موقعه الرمزي المتعالي ويغدو موضوع صراع رمزي داخل علاقات قوة تاريخية واجتماعية وسياسية حديثة ومعاصرة تعمل على إعادة تشكيله داخل أنظمة معيارية جديدة: العصر الصناعي، العصر التكنولوجي، الصراع النفسي، التعدد الثقافي، الاختلاف الجندري... فالصورة الفنية تتحول ههنا، وبشكل خاص مع المعاصرة، من وسيط تمجيد أو خلاص إلى جهاز نقدي ينتج معرفة حسية حول الجسد بوصفه أثرا لآليات الضبط والانضباط والهيمنة الرمزية، وتغدو اللوحة والفعل الأدائي والتصوير والتركيب مختبرات بصرية لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بجسده داخل المجتمع الراهن، حيث تتداخل الإستتيقا مع الأنثروبولوجيا البصرية والسوسيولوجيا النقدية والتحليل النفساني ضمن اقتصاد بصري يعيد توزيع شرعية الظهور والحضور ويكشف كيف تنتج السلطة صور الجسد وتعيد توجيه النظر إليه داخل الفضاء العمومي والمؤسسات الفنية والثقافة البصرية الجماهيرية.

ينطلق الاشتغال على الصورة الفنية بوصفها خطابا عن الجسد والسلطة من معاينة أن الحقل التشكيلي منذ لحظة تشكله الحداثي صار فضاء إنتاج معرفة حسية حول الجسد داخل شبكات من الهيمنة الرمزية والمعيار الاجتماعي واقتصاد النظرة، ضمن جهاز تمثيلي يوزع مواقع الرؤية ويعيد ترتيب علاقة الذات بتمثيلها. ولعل التأسيس الحداثي لهذا المنظور تبلور في أعمال الرومانسيين الأوائل الذين بقدر ما سعوا إلى تحرير الجسد من قبضة القدسي والمفارق وجعله أقرب إلى الأرضي والزمني، اتجهوا نحو إخضاعه لسلطان الرغبة والمتعة ضمن تخييل جمالي يضخم الانفعال ويكثف الإيروسية بوصفها أفقا جديدا للتمثيل، مما أدى إلى انزياح الجسد من كونه موضع معنى متعال إلى كونه موضوع شهوة متخيلة تتوارى فيها كثافة الواقعي خلف تمجيد اللذة والانفعال.

 by Dimitar DILKOFF / AFP
تفصيل من لوحة «الحرية تقود الشعب» (1830) للفنان الفرنسي أوجين دولاكروا خلال أعمال الترميم في متحف اللوفر بباريس، 28 شباط 2024.

يتجسد هذا التحول في أعمال تيودور جيريكو حيث تتحول الأجساد المرسومة في مشاهد العنف والكارثة إلى كتل لحمية مشدودة داخل توتر انفعالي يضع الجسد في تماس مباشر مع الفناء، كما في تمثيلات الغرقى والناجين التي تجعل الجسد موقع تجربة حدية بين الحياة والموت داخل خطاب بصري ينقل الجسد من رمزية الخلاص إلى كثافة التجربة الأرضية المحكومة بالهشاشة. ويتجسد أيضا في أعمال أوجين دولاكروا حيث تقدم الأجساد داخل مشاهد العنف الثوري أو الإيروسية الشرقية ضمن فضاء تخييلي يحمل الجسد طاقة انفعالية كثيفة تجعل منه حاملا لسياسات الرغبة داخل خطاب استشراقي ينتج جسدا آخر مؤنسنا داخل منظومة نظر أوروبية تملك سلطة تعريف مرئي على الأجساد غير الأوروبية، مما يكشف أن تحرير الجسد من القدسي في المنظور الرومانسي رافقته إعادة إدخاله في شبكة سلطة جديدة تقوم على امتلاك الصورة عبر اللذة والانفعال وتشييء الجسد داخل اقتصاد النظرة الحديثة.

ثورة آكلي البطاطا

ضمن هذا المسار الانتقالي، لم تعمر الحركة الرومانسية طويلا، رغم ما أتاحته من حلحلة لسلطة التمثيل الكلاسيكي وإخراج الجسد من أسر النموذج المعياري المرتبط بالقدسي والمتعالي والأسطوري، إذ سرعان ما انتقل الحقل التشكيلي خلال منتصف القرن التاسع عشر إلى أفق اشتغال جمالي جديد حمل شعار الاستقلال الاستتيقي الخالص، حيث تشكلت أطروحة "الفن للفن"، كما قادها المنظر تيوفيل غوتييه (Théophile Gautier)، بوصفها مشروعا لإعادة تموضع الصورة خارج الإحالات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، مما قاد إلى إعادة صوغ علاقة الجسد بالتمثيل داخل نظام شكلي يثمن الاكتفاء الذاتي للصورة ويقصي الأسئلة المتعلقة بعلاقات القوة التي تسكن الجسد اجتماعيا وتاريخيا.

أعيد إدماج الجسد داخل نظام زينة شكلية تنقله من موقع التجربة التاريخية إلى موقع المتعة البصرية الخالصة

غير أن هذا التحول أسهم في تعقيم البعد الصراعي للجسد عبر تحويله إلى موضوع جمالي منزوع السياق، إذ أعيد إدماج الجسد داخل نظام زينة شكلية تنقله من موقع التجربة التاريخية إلى موقع المتعة البصرية الخالصة، فتغدو اللوحة فضاء تزيينيا يعاد فيه إنتاج جسد مصفى من توتراته الاجتماعية والسياسية ضمن اقتصاد نظرة يبحث عن الانسجام الشكلي ويقصي كثافة الواقعي. ويتجلى هذا التوجه بوضوح في تجربة تيودور شاسريو في مرحلته المتأخرة حيث ينتقل الجسد من طاقة انفعالية مرتبطة بالحدث التاريخي إلى صوغ زخرفي يعيد إخضاع الجسد لمنطق المتعة البصرية ضمن تركيب يثمن الانسجام اللوني والحركي ويضعف حمولة الجسد الصراعية، كما يظهر بشكل أوضح في تجربة غوستاف مورو حيث يتحول الجسد إلى عنصر زخرفي أسطوري مشبع بإيروتيكية رمزية تحيل على تخييل جمالي مغلق على ذاته، إذ تتوارى كثافة الجسد الاجتماعية والتاريخية خلف شبكة من الرموز والذهب والأقمشة الباذخة التي تجعل من الجسد موضوع استهلاك بصري داخل فضاء تزييني يعلي قيمة الصنعة والشكل ويهمش سؤال السلطة الذي يسكن الجسد بوصفه أثرا لعلاقات هيمنة.

BERTRAND LANGLOIS / AFP
رجل يتأمل رسما بعنوان «آكلو البطاطا» (1885) للفنان الهولندي فنسنت فان غوخ خلال معرض في مؤسسة فان غوخ في آرل، 12 حزيران 2015.

سوف يتخلص الفن من هذا البعد ذي الغاية الذاتية الخالصة، حيث لا ينبغي أن يخدم أي غرض آخر سوى أن يكون جميلا، مع الحركة الطبيعانية التي أرادت أن تربط الفن، كما نظر لها إميل زولا، بالواقع الطبيعي، أي بالهموم الجسدية الإنسانية، خصوصا داخل الحقول والمزارع، فكرست تجارب عديدة مواضيعها التمثيلية لتصوير الفلاحين والحرفيين، في مواضع تصويرية واقعية في لحظات الانهماك في الأشغال والأعمال الجسدية. غير أن هذه الحركة، رغم ارتباطها الوثيق بالحضور الجسدي في واقع اليومي، لم تتخلص من "تجميله" ووضعه خارج دائرة "الراحة" و"المتعة".

وهو ما لم تتقبله تجارب حداثية رائدة مثلما نشأ مع فان غوغ الذي اهتم بالمواضيع ذاتها، لكن عبر رؤية تلامس الجسد في تعبه وهمه وانهمامه بالواقع حد "العياء". ويتضح لنا الأمر بارزا في لوحته "آكلو البطاطا"، حيث يجلس أسرة داخل كوخها، دون أن يسلط على وجوهها الأنوار، أو يلغي عنها تباشير التعب والمأساة. فكل جزء من أبدانها يوضح مدى الأسى والقسوة التي تعيشها، ويتجلى الأمر في طبق عشائهم "البطاطا" الذي يتحلقون حوله... بعيدا من أجواء الرؤية الرومانسية، حيث السماء المفتوحة. فالكوخ مغلق وفضاء ضيق، استبدلت فيه الشمس بالمصباح الشاحب الإضاءة... إنها أجساد خاضعة لهيمنة "القهر"، وهي نظرة فنية متمردة أيضا على الرؤية الانطباعية التي عملت على اخراج الأجساد من "رمادية" بدايات العصر الصناعي، إلى حقول غناء وصافية، لتتحول هذه الأجساد إلى موضوع تصويري، القصد منه التعبير عن الدواخل العاطفية بألوان زاهية، لا الوقوف عن حد المأساة التي ولدتها التحولات الكبرى التي عرفتها أوروبا والعالم.

سيمتد أثر أجساد آكلي البطاطا على الفن الحديث الغربي إلى تجارب ومدارس أخرى عاشت ويلات التحولات القصوى والحروب الدامية العالمية، حيث تحول الجسد من موضوع ريفي مثقل بالبؤس الاجتماعي إلى علامة بصرية عن الكينونة المعذبة داخل تاريخ عنيف أعاد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.

MEHDI FEDOUACH / AFP
زوار في متحف بيكاسو خلال عرض معارض جديدة في باريس، 27 أيلول 2005.

سيزان وبيكاسو

هذا الامتداد يتكثف في أعمال بابلو بيكاسو حين يتحول الجسد داخل اللعب التكعيبي إلى بنية هندسية متعددة الزوايا، مما يخلخل مركزية النظرة الواحدة ويعيد توزيع السلطة البصرية داخل فضاء اللوحة، فيغدو الجسد موقعا لإعادة تنظيم الرؤية والمعنى في آن. فالتحليل الشكلي هنا يفضي إلى مساءلة سياسية ضمنية تتصل بفك الامتثال البصري الموروث عن الأكاديميات الكلاسيكية وحتى الرؤى الحداثية السابقة، إذ ينتقل الجسد من موضوع تمثيل إلى موضوع إعادة بناء معرفي ضمن جهاز تصويري يعيد تعريف علاقة المتلقي بالمرئي عبر زحزحة موضع السيطرة البصرية من عين واحدة إلى منظومة عيون متداخلة داخل سطح اللوحة.

تظهر الأجساد الجريحة والمشوهة بوصفها وثائق بصرية عن عنف الحرب والاقتصاد الصناعي، فتتحول الصورة إلى أرشيف جسدي للصدمة التاريخية

وهو ما سبق أن مهد له بول سيزان حين كسر هيمنة نقاط التلاشي داخل العمل، جاعلا شخوصه توجه أبصارها خارج المشهد المصور، كما جعل نظرة المتلقي نفسها تعيش ارتباكا بنيويا أمام فضاء تصويري يرفض الانصياع لمنطق المنظور الواحد، فتتحول الرؤية إلى تجربة إدراكية غير مستقرة تكشف أن الجسد داخل اللوحة لا يعطى بوصفه معطى جاهزا للرؤية، إنما ينتج داخل علاقة قسرية بين سطح الصورة وبنية النظر.

أجساد جريحة ومشوهة

يتوسع هذا الأثر أيضا داخل التعبيرية الألمانية الجديدة بعد الحرب العالمية الأولى، فيتخذ الجسد هيئة كيان منكسر يحمل آثار الصدمة الجماعية، كما يتجسد في أعمال أوتو ديكس حيث تظهر الأجساد الجريحة والمشوهة بوصفها وثائق بصرية عن عنف الحرب والاقتصاد الصناعي، فتتحول الصورة إلى أرشيف جسدي للصدمة التاريخية يعيد كتابة العنف السياسي داخل اللحم ذاته. إذ تتخذ هذه الوظيفة النقدية بعدا اجتماعيا أكثر كثافة في أعماله فيتحول الجسد إلى وثيقة بصرية عن أثر العنف السياسي والاقتصادي للحرب داخل النسيج الاجتماعي.

ALAIN JOCARD / AFP
زوار يجلسون أمام لوحة «طوافة الميدوزا» للفنان الفرنسي تيودور جيريكو في متحف اللوفر بباريس، 19 أيار 2021.

فالأجساد الجريحة والمشوهة تعيد كتابة تاريخ السلطة داخل اللحم ذاته، إذ ينتقل الجسد من كيان بيولوجي إلى سجل سياسي يحمل آثار سياسات الإقصاء والتشييء داخل المجتمع الصناعي، ويتحول التمثيل الواقعي الفظ إلى جهاز كشف يعري آليات إنتاج الهشاشة داخل منظومة الدولة القومية الحديثة، مما يتيح قراءة اللوحة بوصفها أرشيفا بصريا للسياسات الحيوية التي تدار عبر الجسد بوصفه موضوعا للتقنين والتصنيف داخل منطق الدولة الحديثة.

يتكثف هذا الامتداد في مشروع إيغون شيلي حيث الجسد كتابة تشريحية حادة تكشف تمزقا داخليا يعكس انكسار الذات الحديثة داخل منظومات ضبط اجتماعي صارمة، معززا بذلك استحالة الجسد إلى كتابة تشريحية مشحونة بتوتر نفسي يفضح اشتغال السلطة الأخلاقية والاجتماعية على الجسد الفردي في مطلع القرن العشرين. فالتشويه هنا يؤدي وظيفة معرفية تتجاوز الإخلال بالشكل نحو تعرية آليات الضبط الاجتماعي التي تنتج جسدا مراقبا ضمن منظومة معيارية تتأسس على مراقبة الانحراف وإدانة الهشاشة، مما يجعل الخط التشكيلي نفسه أداة حل لاقتصاد العار  بوصفه آلية ضبط اجتماعي للجسد داخل المدينة الحديثة، حيث يتحول الرسم إلى ممارسة مقاومة رمزية ضد اختزال الجسد في صورة منضبطة، إذ يظهر الجسد كيانا متصدعا يعري عنف المعايير عبر ملامح هشة ووضعيات غير قابلة للإدماج داخل خطاب الطمأنينة البصرية الذي أنتجته الثقافة البورجوازية الأوروبية، مما يجعل تمثيل الجسد في الفن الحديث الغربي امتدادا لتقليد بصري بدأ مع الجسد القروي البائس في تجربة آكلي البطاطا ثم تحول إلى جسد مكسور داخل حداثة تعيش انهيار يقينياتها الأخلاقية والسياسية، فتغدو الصورة التشكيلية جهازا لإنتاج معرفة حسية حول علاقة الجسد بالسلطة داخل زمن الصدمات الكبرى.

بينما يتخذ خطاب الجسد والسلطة منحى مختلفا في أعمال أميديو موديلياني حيث يعاد تشكيل الجسد ضمن اقتصاد بصري يقوم على الإطالة والتحوير، بما ينتج مسافة رمزية بين النظرة والجسد الممثل. فالجسد هنا يتحول إلى شكل معلق بين الرغبة والحياد التعبيري، عبر تمثيل الجسد الأنثوي في سياق باريس الحداثية حيث تتقاطع اندفاعية التجديد (عقيدة الحداثة) مع الرغبة الفنية للتعبير عن الهموم المعاصرة ضمن جهاز تمثيلي ينتج جسدا مؤنسنا شكليا ومفرغا دلاليا في آن. إذ عاش موديلياني تحولات العصر وتقلباته اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وحتى جسديا، لهذا كانت أجساده ميالة الى الرتابة اللونية، غير أنها تغوص في عالمها الداخلي المسكون بكوابيس الواقع وتقلبات الذات، فيه تعيش همومها في صمت ونظرات شاحبة لا تنظر إلى أي أفق. إنها أعمال، كما غيرها لمن جايلهم، تقع ضمن خطاب قائر عن السلطة الثقافية والتمثيلية التي تعيد إنتاج الآخر الجسدي داخل قوالب جمالية قابلة للاستهلاك البصري الرتيب.

زعزعة الرؤية

ينتقل هذا الاشتغال إلى مستوى أكثر تعقيدا في الفن المعاصر فيغدو الجسد ذاته مادة صراع رمزي داخل فضاء تشكيلي يكثف التوتر بين اللحم والسلطة والنظرة. يشكل الانتقال من التمثيل الكلاسيكي والحداثي للجسد إلى اشتغالات الفن المعاصر تحولا عميقا في طبيعة الخطاب البصري ذاته، فيه انتقلت الصورة من إنتاج جسد معياري محكوم بأنظمة رمزية متعالية أو بصيغ حداثية تحليلية تشتغل على زعزعة الرؤية وإعادة تنظيمها داخل فضاء اللوحة، نحو بناء جسد ينتج داخل علاقات قوة مباشرة تتغلغل في البدن والنظرة والمؤسسة والسوق والفضاء العمومي. فالصورة المعاصرة لم تعد تكتفي بإعادة تركيب الجسد داخل بنية شكلية أو نقد امتثال بصري موروث، بل صارت تمتح من خبرة تاريخية كثيفة تشكلت داخل مجتمعات المراقبة والانضباط والصدمة الجماعية، وهو ما جعل الجسد يتحول إلى موقع صراع رمزي مكثف تتقاطع فيه السلطة والمعرفة والتمثيل داخل أجهزة فنية متعددة الوسائط تعيد تعريف معنى الظهور والحضور داخل المجال البصري، وتفتح المتن التشكيلي على تحليل للجسد بوصفه أثرا سياسيا ومعرفيا في آن، تمهيدا للدخول في قراءة ممارسات معاصرة تجعل من الجسد نفسه مادة اشتغال نقدي تكشف عبرها بنية السلطة التي تنتجه وتعيد توجيه النظر إليه داخل الاقتصاد البصري العالمي.

لم تعد الصورة المعاصرة تكتفي بإعادة تركيب الجسد داخل بنية شكلية أو نقد امتثال بصري موروث، بل صارت تمتح من خبرة تاريخية كثيفة تشكلت داخل مجتمعات المراقبة والانضباط والصدمة

وفق هذا البعد الانتقالي البراديغمي، الذي أعاد الى الطبقة الجلدية البشرية قوتها، ملغيا فكرة العمق لصالح السطح، ومعيدا الاعتبار للحضور الظاهراتي "اللحمي" للإنسان، يتشكل الجسد في أعمال فرنسيس بيكون بوصفه كتلة لحمية مشوهة داخل فضاءات مغلقة تحاصر الكائن داخل هندسة قسرية، مما يحول التكوين التشكيلي إلى استعارة بصرية عن عنف السلطة الحديثة المتأخرة التي تعمل عبر تقنيات نفسية ومؤسساتية تنتج ذاتا معزولة داخل أقفاص رمزية، حيث يتحول التشويه إلى أداة كشف عن علاقة الجسد بأنظمة السيطرة التي تعيد تشكيل التجربة الحسية للوجود داخل المدن الصناعية ومؤسساتها العقابية. فالصورة هنا لا تعكس عنفا خارجيا فحسب، إنما تعيد إنتاجه بصريا داخل بنية التكوين ذاته عبر خطوط منكسرة ومساحات لونية خانقة توحي بضغط سلطوي يمارس على الجسد من داخل الفضاء المصور.

PIERRE-PHILIPPE MARCOU / AFP
مصور يعمل قرب لوحة «دراسة بعد بورتريه البابا إنوسنت العاشر» للفنان الإيرلندي فرانسيس بيكون في متحف برادو بمدريد، 30 كانون الثاني 2009.

بينما يكتسب خطاب الجسد والسلطة كثافة واقعية ملموسة في أعمال لوسيان فرويد حيث يعاد الجسد إلى كثافته اللحمية من خلال رسم يشتغل على ملمس الجلد وثقل الجسد داخل فضاء المرسم بوصفه موقع تفاوض أخلاقي بين النظرة والموضوع. يتحول الفعل التشكيلي إلى ممارسة كشف عن علاقة السلطة التي يمارسها الرسام عبر فعل التمثيل ذاته، فتتجاور الحميمية مع التشييء الرمزي ضمن بنية بصرية تنتج جسدا مكشوفا أمام سلطة النظرة، فالجسد هنا لا يخضع لتجميل جمالي إنما يعاد إلى ماديته الثقيلة بما يفضح اقتصاد الرغبة داخل فعل الرؤية ذاته، إذ يتحول التصوير إلى مساءلة أخلاقية لعلاقة السلطة التي تمارسها الصورة على الجسد الممثل داخل فضاء ثقافي يثمن الجسد بوصفه موضوع استهلاك بصري.

الجسد والفعل الفني

يتحول الجسد من موضوع تمثيل إلى وسيط فعل في ممارسات الأداء المعاصر لدى مارينا أبراموفيتش حيث يصير الجسد نفسه حاملا للفعل الفني داخل فضاء عمومي يعيد اختبار حدود السيطرة والنظرة والتلقي، فالتجربة الأدائية تعمل على تحويل العلاقة بين الفنان والمتلقي إلى مختبر أخلاقي وسياسي في آن، إذ يظهر الجسد في وضعيات هشاشة قصوى تكشف استجابات السلطة الجمعية عبر فعل النظر والمشاركة الصامتة، حيث تتحول المسافة بين المتلقي والجسد المعروض إلى موقع إنتاج معنى حول مسؤولية النظرة داخل علاقات الهيمنة الرمزية. فالأداء هنا ممارسة نقدية تشتغل على فك قيود اقتصاد التلقي بوصفه بنية مشاركة ضمنية في إنتاج السلطة على الجسد المعروض داخل الفضاء العمومي للمؤسسة الفنية.

ANNE-CHRISTINE POUJOULAT / AFP
الفنانة الصربية مارينا أبراموفيتش تؤدي عرض «السيرة الذاتية – ريمكس» خلال مهرجان أفينيون المسرحي في فرنسا، 10 تموز 2005.

يتكثف خطاب الجسد والسلطة داخل التصوير الفوتوغرافي المفاهيمي لدى سيندي شيرمان حيث يتحول الجسد إلى سلسلة أقنعة تمثيلية تفكك صناعة النمط الجسدي داخل الثقافة البصرية المعاصرة. فالتقمص المتكرر لهويات نمطية يكشف آليات إنتاج الصورة داخل وسائط الإعلام والإشهار والسينما، مما يجعل الجسد بناء خطابيا يخضع لإعادة تشكيل مستمرة داخل اقتصاد الصورة، حيث تتجلى السلطة في قدرتها على إنتاج نماذج جسدية قابلة للتداول داخل سوق التمثيل الجماهيري، فالصورة هنا لا تكتفي بفضح النمطية إنما تعيد بناء شروط ظهورها عبر استراتيجيات محاكاة تقويضية تجعل من الجسد موقع مقاومة رمزية داخل نظام الصور المتكاثر رقميا.

كما يتخذ الجسد بعدا سياسيا في أعمال ويليام كنتريدج حيث تتقاطع الرسوم المتحركة مع السرد التشكيلي لإعادة كتابة تاريخ الجسد المقمع داخل منظومة الفصل العنصري، فالجسد هنا أثر تاريخي يحمل علامات السلطة داخل الذاكرة البصرية للجماعة، حيث تتحول الصورة إلى فضاء لإعادة توزيع الصوت المرئي على أجساد أقصيت من التمثيل الرسمي، مما يجعل الممارسة الفنية شكلا من أشكال استعادة الحضور داخل فضاء عام طالما صادر تمثيل الجسد غير المعياري، إذ تتجاور الذاكرة مع السياسة داخل خطاب بصري يعيد الاعتبار للجسد بوصفه موقع كتابة تاريخية مضادة.

تتقاطع الصورة التركيبية مع التوثيق الفوتوغرافي لتعرية آليات المراقبة والقمع داخل أنظمة سلطوية معاصرة

تتشكل علاقة الجسد بالسلطة في أفق احتجاجي مباشر في أعمال آي ويوي حيث يتحول الجسد الفردي والجسد الجماعي إلى وسائط فعل سياسي داخل الفضاء العمومي، إذ تتقاطع الصورة التركيبية مع التوثيق الفوتوغرافي لتعرية آليات المراقبة والقمع داخل أنظمة سلطوية معاصرة، فالجسد هنا لا يؤدي دور موضوع تمثيل إنما يصير أداة مواجهة رمزية تشتغل داخل اقتصاد الصورة العالمية عبر إعادة توجيه نظر المتلقي نحو مناطق محجوبة من العنف السياسي، حيث تتحول الممارسة الفنية إلى خطاب بصري عن السيادة ومعناها داخل عالم معولم يخضع لمنطق رأسمالية المراقبة.

SHAUN CURRY / AFP
موظفون في دار كريستيز يعرضون لوحة «المشرفة على الإعانات نائمة» للفنان لوسيان فرويد في لندن، 11 نيسان 2008.

يتبلور إذن، من خلال هذا المسار المتصل من الفن الكلاسيكي إلى المعاصر، مرورا بالحديث، أن الصورة الفنية لا تعمل بوصفها حيزا إستتيقيا مستقلا عن علاقات القوة، إنما تؤسس معرفة حسية حول الجسد داخل بنى تمثيلية تنتج السلطة وتفككها في آن، خاصة مع الحداثة والمعاصرة اللتين تحررتا من قيود الامتثال للمتعالي وصرامته القدسية، ليغدو التحليل الشكلي نفسه ممارسة نقدية تكشف كيف تتحول اللوحة والفعل الأدائي والتصوير والتركيب إلى أجهزة خطابية تشارك في إعادة تشكيل موقع الجسد داخل المجتمع المعاصر ضمن اقتصاد بصري يعيد توزيع الشرعية على أشكال الظهور والحضور والاختفاء.

font change

مقالات ذات صلة