تحدد موضع الجسد في الفن الكلاسيكي، الغربي خاصة، ضمن منظومة رمزية تأسست على الأسطوري والديني والطقوسي، حيث اشتغلت الصورة الفنية بوصفها وسيطا لإسناد معنى متعال إلى الكيان الجسدي داخل تصور كوني يربط التناسب الشكلي بانسجام العالم وبالتراتبية الأخلاقية والاجتماعية. إذ عد هذا الفن وريثا للفنون "الغربية" القديمة، فالجسد في النحت الإغريقي والروماني، أو بتعبير أشمل "فن العصور القديمة"، يتخذ هيئة معيارية تؤسس علاقة بين الجمال والنظام والسلطة السياسية التي تتجسد عبر الصورة العمومية للجسد القوي المهيمن، حيث لا يوجد الجسد معزولا عن بيئته والتصورات الاجتماعية والسياسية حوله، فالمجتمعات تسعى، بطرق مختلفة، إلى تحديد ماهيته ومكانه وسلوكه وإيماءاته ومواقفه. الجسد المنحوت إغريقيا ورومانيا، هو نتاج فكرة بناء تصور مثالي عن البدن المحارب، ذلك الشخص المكتمل جسمانيا. ومثلما يخبرنا المؤرخ الفرنسي جورج فيغاليرو، يعد التاريخ الغربي تاريخ غزو طويل للفضاء الجسدي.
ثنائية الألم والخلاص
قبيل العهد الكلاسيكي، انتقل التمثيل الجسدي داخل الفن الديني الوسيط إلى موضع اختبار أخلاقي وروحي تتجسد فيه ثنائية الألم والخلاص، حيث تتشكل الأيقونة بوصفها جهازا بصريا ينظم علاقة النظر بالجسد المقدس داخل فضاء تعبدي ينتج أخلاق الرؤية ويقنن شرعية التمثيل. فالنظرة هي جوهر الأيقونة، التي تتخذ وضعية "البديل" الاستعاري والرمزي للشخص المقدس (المسيح، العذراء، القديسون...)، إذ تتيح الأيقونة لقاء مباشرا معهم والتبرك بـ"وجوههم". ثم لاحقا سيستعيد الجسد في عصر النهضة مركزية جديدة ضمن أفق إنساني يعيد الاعتبار الى المعرفة التشريحية والمنظور الهندسي بوصفهما أدوات لإنتاج جسد قابل للقياس والمعايرة داخل تصور عقلاني يجعل من التمثيل الجسدي ممارسة معرفية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته عبر صورة جسدية تبنى داخل شبكة من القيم تمزج الجمال بالمعرفة وتؤسس سلطة بصرية جديدة قوامها مركزية الإنسان داخل الكون.
هكذا تتراكم أنماط تمثيل الجسد داخل تقليد كلاسيكي غربي يجعل الصورة الفنية جهازا لإعادة إنتاج معنى متعال للجسد يربطه بالكون وبالسلطة الروحية والسياسية ضمن نظام قيمي يمنح الجسد وظيفة رمزية مستقرة داخل سردية كونية وأخلاقية.
وقد بلورت تجربة الحركة الإنسانوية في أوروبا، وخاصة في الأراضي المنخفضة، رؤية إنسانية متقدمة للإنسان وجسده، فلم نعد إزاءها أمام البعد الأسطوري أو المثالي أو الطقوسي الديني حيث الجسد مجرد ذريعة رمزية لحكاية أو رؤية أو عبرة أو غاية متعالية عن الواقع. فقد عمدت مجموعة من الفنانين المنتمين الى تلك الحقبة، الممهدة للرومانسية وما أحدثته من نقلة على المستوى الموضوعاتي الذاتي والجسدي، إلى تصوير "أجساد" هامشية، أجساد من العالم المعيش: خدم وغيرهم، عبر بورتريهات ومشاهد لا تبتغي أي إعلاء رمزي "لاهوتي" أو أسطوري، بقدر ما تعمد إلى بناء حكاية إنسانية من خلال الجسد الإنساني البسيط.







