محمد كاظم: المدن تلهمني طريقة التعبير عنها

يرى الفن في كلّ ما يحيط به

محمد كاظم: المدن تلهمني طريقة التعبير عنها

أبوظبي: يعدّ الفنان الإماراتي محمد كاظم واحدا من مؤسّسي الفنّ المفاهيمي في الإمارات والخليج العربي. تميّز بقدرته على دمج الفيديو والتكنولوجيات الجديدة في أعماله الفنية، التي لا يسعى من خلالها إلى مخاطبة العين، بقدر ما يخاطب العقل، كما يقول.

شارك كاظم في العديد من المعارض العربية والدولية، آخرها معرضه الشخصي المقام حاليا في متحف لودفيغ في مدينة كوبلنز في ألمانيا الذي يضم مجموعة تمثل مراحل مختلفة من تجربته. كما عرضت أعماله سابقا في مجموعات المتحف البريطاني، ومتحف غوغنهايم نيويورك والمتحف العربي للفن الحديث.

يقول كاظم عن معرضه الاحدث: "هو أول معرض شخصي لي يقام في متحف أوروبي، وكنت قد شاركت في 2002 في معرض جماعي أقامه المتحف نفسه، ضم إلى جانب أعمالي أعمال كل من حسن شريف وحسين شريف ومحمد أحمد إبراهيم وعبدالله السعدي.

اشتغلت من أجل هذا المعرض الاخير على مجموعة أعمال جديدة بعنوان "اتجاهات – جمع الأمواج" وساعدتني ’مؤسسة الشارقة للفنون’ لإيجاد مكان في مدينة الحمرية على شاطئ الشارقة، حيث عملت لمدة شهرين لتصوير فيلم استخدمت فيه نظام تحديد المواقع العالمي، الذي أستخدمه كثيرا في تجربتي الفنية. وضم المعرض أيضا عملا جديدا بعنوان "قياسات اللاشيء" الذي عرض في قاعة كبيرة في قاعة المتحف، فمثل هذه الأعمال تحدث نوعا من التفاعل مع المكان، كما عرضت صورا توثيقية أنتجتها بين عامي 1994 و2003".

الأهم بالنسبة إليّ، وبعد اقتناعي بفكرة العمل، هو عدم التزام إنجازه بوسيلة واحدة، وهذه ميزة إيجابية في الفن البصري، خاصة أن الفنان لديه الحرية الكاملة في استخدام كلّ المواد التي تخدم فكرته

تعكس هذه الأعمال ميزة التنوع في تجربة كاظم، التي لم تبعده عن الرسم على الرغم من تجريبيتها. يقول: "بدأت تجربتي الفنية بالرسم وما زلت أرسم وأستخدم الأدوات التقليدية في تجربتي، لكن الأهم بالنسبة إليّ، وبعد اقتناعي بفكرة العمل، هو عدم التزام إنجازه بوسيلة واحدة، وأحيانا ألجأ إلى شركات وحرفيين متخصصين لإنجاز العمل الفني، وهذه ميزة إيجابية في الفن البصري، خاصة أن الفنان لديه الحرية الكاملة في استخدام كلّ المواد التي تخدم فكرته".  

محمد كاظم

هذه الحرية تجعل كاظم يرى أن كل ما يحيط به من مواد وأشياء قابل للتحوّل إلى جزء من عمله الفني: "استخدم التصوير الفوتوغرافي في تطوير أعمال، فأحيانا تتشكّل لديّ فكرة، أعمل على تطويرها من خلال التقاط صور عدّة، ثم أنجزها بأشكال عدة، وقد ساعدتني أسفاري واحتكاكي بثقافات عدة، على التفاعل مع مختلف البيئات وعلى توظيف عناصرها في أعمالي، ولأن لكل بيئة طابعا مختلفا تأتي الأعمال التي أنجزها في الهند مثلا مختلفة عن تلك التي أنجزها في ألمانيا، فأنا لا أنجز أعمالي في الاستوديو، بل أذهب وأبحث في المدن وأرى الضوء وأجمع العناصر التي تخصّ البيئة نفسها ولهذا السبب أحبّ استخدام كل الخامات في أعمالي فلكل خامة جماليتها الخاصة".

تحولات

يعدّ محمد كاظم واحدا من "مجموعة الخمسة"، وهي مجموعة فنية غير رسمية ضمّت في بداياتها إلى جانبه كلا من الراحل حسن شريف، وحسين شريف، ومحمد احمد إبراهيم، وعبد الله السعدي. عن هذه المجموعة يقول كاظم: "كان الراحل حسن شريف قد درس الفن التجريبي في بريطانيا. وحين التقيته كنت أبلغ من العمر أربعة عشر عاما، وتعلمت الرسم على يديه، وعندما اجتمعت في ما بعد معه ومع بقية المجموعة وأقمنا أنشطتنا، اعتقد الناس أن لدينا بيانا فنيا مثل البيان الذي رافق الحركات الفنية، وهذا غير صحيح لأننا مع التعدّدية والجمهور هو من أطلق علينا مسمى 'مجموعة الخمسة'، أما نحن فقد لمسنا تقاربا بين تجاربنا بسبب تأثرنا بالفن المفاهيمي وهو ليس بجديد في العالم، فهناك مشاهير في الحركة المفاهيمية أثروا في تجربتنا، وقد عزّز 'بينالي الشارقة' والتغيير الجذري الذي حدث فيه منذ عام 2003 اتجاهنا، وتصاعد حضورنا مع تزايد الاهتمام بالفنون في الإمارات".

Malcolm Park/Alamy Live News
من أعمال محمد كاظم

قبل هذه التغيرات واجهت "مجموعة الخمسة" الكثير من التحديات: "كانت التحديات في البداية كبيرة"، يقول كاظم، "ولا ننسى أن مجموعة الخمسة صنعت فجوة بين المتلقي والعمل الفني، وبيننا وبين الفنانين الذين درسوا دراسة تقليدية وتعلموا معايير العمل على اللوحة وعلى النحت بشكل صارم". 

محطات فنية

من المحطات المهمة في تجربة محمد كاظم، تجربته في عمل تجهيز حمل عنوان "اتجاهات" (اقتناه متحف غوغنهايم أبوظبي)، وهو مؤلف من فيديو بالألوان مع صوت، لمدة دقيقتين و15 ثانية، فضلا عن 4 طبعات ملونة، وملصقي أكريليك على لوحين من الخشب. ولإنجاز هذا العمل انتقل كاظم إلى إمارة الفجيرة التي جذبته بسبب موقعها المطل البحر، فقام بتحميل ألواح خشبية تضم إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي على متن قارب، وبعدما ابتعد عن الشاطئ مسافة كافية، ألقى الألواح الخشبية في المياه، ليصل من بعدها إلى العمل النهائي، أي مقطع فيديو قصير وستة ألواح، وأربع صور للفنان وهو يلقي الألواح على سطح المياه، ويوثقها وهي تطفو.

صنعت مجموعة الخمسة فجوة بين المتلقّي والعمل الفني، وبيننا وبين الفنانين الذين درسوا دراسة تقليدية وتعلموا معايير العمل على اللوحة وعلى النحت بشكل صارم

من المحطات التي يعتبرها كاظم مهمة في مسيرته عمله الفني بتكليف من رولز رويس للسيارات، أما في "إكسبو دبي 2020"، فقد عرض عمله "اتجاهات 2020" وهو عمل تركيبي يمثل إحداثيات الدول المشاركة في المعرض، إلى جانب عملين سيبقيان معروضين أمام الجمهور بشكل دائم. يوضح: "لتنفيذ عمل جناح الاستدامة كنت أحتاج إلى العمل على الجدار وأعطوني مساحة للتدخل في المبنى، وكلفوا آرت دبي أن يتابع معنا إنتاج الأعمال الفنية، فمثل هذه الأعمال يحتاج إلى مهندسين ومعماريين وفريق عمل متخصص، وهي تنجز على فترات طويلة، فقدمنا أكثر من "ماكيت" إلى أن أنجزنا العمل".

لا يمثّل الفن التشكيلي كل شيء في تجربة كاظم فقد درس الموسيقى باكرا، لكنه لم يخصص مساحة من تجربته للموسيقى التي تحولت إلى فكرة في أعماله الفنية: "لا أستطيع القول إنني موسيقيّ، علما أن الموسيقى أثرت تجربتي مثل الأعمال التي أستخدم فيها الخدوش، وهي قريبة من الموسيقى، وفيها أحاول جعل المتلقي يرى الصوت عوضا عن سماعه، فهذه الخدوش والنتوءات الموجودة على الورقة تتحرّك مع حركة الشمس والإضاءة الطبيعية، وهذه التجربة أقرب بالنسبة إليّ إلى الفن المعاصر من الفن التقليدي، ذلك ان هذه الأعمال تحمل معاني مختلفة مبنية على الفكر".

font change

مقالات ذات صلة