يورغن هابرماس فيلسوف العقلانية التواصلية وآخر حراس التنوير

بوصلة نقدية في زمن الفوضى

shutterstock
shutterstock
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يتحدث من على منصة في فعالية عن الفلسفة والسياسة في بيت فيلي برانت في برلين، 23 نوفمبر 2007

يورغن هابرماس فيلسوف العقلانية التواصلية وآخر حراس التنوير

ودع العالم الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس عن عمر ناهز 96 عاما، طاويا بذلك صفحة أحد أهم العقول التي أسهمت في صوغ الفكر السياسي والاجتماعي في النصف الثاني من القرن العشرين. لم يكن رحيل هابرماس مجرد غياب لأكاديمي بارز، إذ مثّل أفول أحد أبرز أعمدة الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت النقدية، وصوتا كرس حياته للدفاع عن المجتمع المدني الديمقراطي في مواجهة النظريات المتمركزة حول الذات أو العرق. إن قراءة إرث هذا المفكر تتطلب تفكيك السياقات التاريخية والسوسيولوجية التي شكلت وعيه، والاقتراب من مشروعه الفلسفي الذي جعل من العقلانية التواصلية بديلا من سطوة العقل الأداتي.

نظرية المجال العام

لفهم الإرث الفلسفي المعقد والعميق الذي تركه يورغن هابرماس، لا بد من العودة إلى جذور تكوينه الأولى والصدمات التاريخية التي شكلت وعيه. فقد ولد في ألمانيا عام 1929، وعاش مراهقته في ظل الحقبة النازية، ليدرك لاحقا حجم الفظائع التي ارتكبها النظام النازي، وهو ما ولد لديه التزاما صارما للدفاع عن ديمقراطية قادرة على منع تكرار تلك الكوارث.

ورث هابرماس تقاليد مدرسة فرانكفورت النقدية عن أساتذته من مثل ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، لكنه لم يكتف بالتشاؤم الراديكالي الذي طبع أعمالهم تجاه مسار التنوير والحداثة. إذ اختار، بدلا من ذلك، مسارا يعيد الأمل الى المشروع التنويري، فرأى أن الخلل لا يكمن في العقل نفسه، بل في اختزاله إلى بعده الأداتي أو التقني الذي يخدم مصالح الهيمنة.

من هنا انطلق مشروعه الفلسفي العريض ليعيد تعريف العقلانية من منظور اجتماعي وتواصلي، محاولا بلورة المعايير التي تضمن بقاء المجتمعات الإنسانية حرة وعادلة وقادرة على نقد ذاتها دون الانزلاق إلى العدمية أو التسلط. هكذا تحولت فلسفته إلى جسر بين التنظير المجرد والممارسة السياسية، إذ ظل طوال حياته مثقفا مشتبكا مع قضايا عصره، من الحركات الطالبية إلى مشروع الاندماج الأوروبي، وصولا إلى تحديات العولمة والإرهاب.

ظل طوال حياته مثقفا مشتبكا مع قضايا عصره، من الحركات الطالبية إلى مشروع الاندماج الأوروبي، وصولا إلى تحديات العولمة والإرهاب

ويعد مفهوم المجال العام من أهم المساهمات التي قدمها هابرماس في التفكير الديمقراطي، فهو فضاء اجتماعي ينخرط فيه المواطنون العاديون في نقاشات حول المصلحة العامة، في استقلال نسبي عن نفوذ الدولة ومراكز القوة الاقتصادية. ويعتمد نجاح هذا المجال على نقاش عقلاني نقدي يكون متاحا لجميع الأفراد الذين يشكلون جمهورا مستقلا.

غلاف "النظرية والممارسة"

في أعماله المبكرة، تتبع هابرماس تشكل هذا المجال تاريخيا مع صعود الطبقة البورجوازية في أوروبا، حين تحولت المقاهي والصالونات الأدبية والصحافة إلى مساحات حرة للنقاش لا تعترف، نظريا على الأقل، بالفوارق الطبقية بقدر ما تعترف بقوة الحجة والمنطق. غير أنه لم يكتف بهذا الرصد التاريخي، بل قدم تشخيصا نقديا لحالة التراجع التي أصابت هذا الفضاء في المجتمعات المعاصرة. فقد حذر من أن المجال العام يشهد نوعا من إعادة الإقطاعية الى السلطة، إذ لم يعد الجمهور مجرد أفراد متناقشين، بل اندمجت فيه منظمات قوية تمارس نفوذها المؤسسي للهيمنة على هذا الفضاء.

Odd ANDERSEN / AFP
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يتحدث في المتحف اليهودي في برلين خلال مراسم منح جائزة "التفاهم والتسامح"، 13 نوفمبر 2010

في ظل الرأسمالية المتقدمة وتغول صناعة العلاقات العامة والإعلام الموجه، انزاح النقاش النقدي لصالح استهلاك سلبي، وباتت القضايا العامة تدار عبر هندسة مسبقة تخدم مصالح النخب السياسية والاقتصادية. ويبدو هذا التشخيص السوسيولوجي أكثر راهنية اليوم مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي التي، رغم وعودها الأولى بتوسيع المشاركة الديمقراطية، تحولت إلى خوارزميات تعزز الاستقطاب وتعيق تشكل رأي عام عقلاني ومستقل.

نظرية أزمة الشرعية

لم يكتف هابرماس بتحليل المجال العام، بل ذهب إلى تفكيك التناقضات الهيكلية للنظام الرأسمالي المعاصر. ففي نظريته حول أزمة الشرعية، ينطلق من فرضية أن الرأسمالية، رغم ديناميكيتها وقدرتها العالية على الإنتاج، تحمل في جوفها تناقضات قمعية وغير عقلانية، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى الشرعية مسألة مركزية، بوصفها الطريقة التي يحاول من خلالها أي نظام سياسي أو اجتماعي تبرير وجوده وممارسته للسلطة. 

جميع الحكومات بلا استثناء تحتاج إلى إضفاء الشرعية على حكمها لتسويغ حقها في احتكار السلطة، سواء لكسب الدعم الشعبي أو على الأقل ضمان حد أدنى من الإذعان، وإلا تصبح عرضة للتآكل والانهيار. ينصب تحليل هابرماس على تحديد نقاط التأزم في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وكيف تواصل الدولة الحديثة إدارة هذه الأزمات للحفاظ على شرعية النظام الرأسمالي. ولتحقيق قدر من الاستقرار، يشير إلى ضرورة قيام توازن دقيق ومترابط بين ثلاثة أنظمة فرعية أساسية: النظام الاقتصادي، والنظام السياسي، والنظام الاجتماعي والثقافي.

في مرحلة الرأسمالية المتقدمة، تتدخل الدولة بصورة متزايدة في إدارة الاقتصاد للتغلب على عدم الاستقرار والصراعات التي تولدها قوى السوق، ولتخفيف حدة اللامساواة التي ينتجها السعي المحموم وراء الربح. غير أن هذا التدخل نفسه يؤدي في نهاية المطاف إلى نقل مركز الثقل في الأزمات من المجال الاقتصادي البحت إلى المجال السياسي، بحيث تصبح الدولة مسؤولة مباشرة أمام الجماهير عن أي إخفاق اقتصادي.

ينصب تحليل هابرماس على تحديد نقاط التأزم في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وكيف تواصل الدولة الحديثة إدارة هذه الأزمات للحفاظ على شرعية النظام الرأسمالي

يرى هابرماس أن النظام الرأسمالي الحديث في المجتمعات الديمقراطية الغربية يميل إلى إنتاج أربعة أنماط من الأزمات: أزمات اقتصادية (مثل عجز الإنتاج أو تفاقم البطالة)، أزمات عقلانية (حين تفشل الإدارة في التخطيط الرشيد)، أزمات شرعية (كما في حالات فقدان الدعم الشعبي للسلطات المنتخبة)، وأزمات تحفيز (حين تتراجع مشاركة الأفراد في العمليات الاجتماعية والاقتصادية). وإذا عجز أي نظام فرعي عن أداء دوره في الحفاظ على توازن البنية الاجتماعية، فإن احتمال الانفجار يصبح حتميا. لتفادي هذا الانهيار، تعتمد الشرعية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة إلى حد كبير على الإدارة الفعالة للتوقعات الشعبية، وعلى كفاءة الدولة والمنظومة الثقافية في تعزيز الثقة بقدرة النظام على مواجهة التحديات.

نظرية الفعل التواصلي

تعد هذه النظرية حجر الزاوية في الإرث الفلسفي والسوسيولوجي لهابرماس، إذ يسعى من خلالها إلى مخرج من مأزق العقلانية الأداتية التي طغت على المجتمعات الحديثة. يميز بوضوح بين الفعل الاستراتيجي -الذي يهدف إلى غايات فردية والسيطرة على الآخرين- وبين الفعل التواصلي الذي يرمي أساسا إلى تفاهم مشترك وإجماع غير قسري بين الأفراد.

في هذا المحور، يقدم نموذجا سوسيولوجيا يفرق بين النظام وعالم الحياة. يمثل عالم الحياة ذلك العالم الذي نختبره مباشرة في حياتنا اليومية الذاتية، متمايزا جذريا عن العوالم الموضوعية للعلوم، ويشمل تجاربنا الفردية والاجتماعية والإدراكية والعملية. أما النظام فيمثل مجالات تحكمها آليات غير لغوية كالمال والسلطة، أي الاقتصاد والإدارة البيروقراطية. وبهذا التفريق المنهجي، يعيد صوغ تمييز إميل دوركهايم بين الاندماج الاجتماعي والنظامي.

غلاف "نظرية الفعل التواصلي"

تكمن المعضلة الكبرى في استعمار عالم الحياة (colonization of the lifeworld)، أي التواصل اللغوي والعلاقات الاجتماعية التلقائية. إذ يشكل التدخل المتزايد من الدولة والسوق في مجالات الحياة الخاصة مصدرا رئيسا لأزمة الشرعية في المجتمعات الرأسمالية الغربية الديمقراطية. إن زحف العقلانية الفيبرية -التي تقدس الكفاءة البيروقراطية والحسابات المادية الصرفة- على حساب الروابط الاجتماعية والتواصل الإنساني، يؤدي إلى تشييء العلاقات البشرية وإفراغ الديمقراطية من محتواها الأخلاقي. يأتي الفعل التواصلي هنا كأداة مقاومة لاستعادة سيادة عالم الحياة، مؤكدا أن التنسيق الاجتماعي يجب أن يبنى على الاقتناع الحر والحوار المفتوح، لا على إملاءات السوق أو سطوة الإدارة.

الدين والعقلانية في مجتمع ما بعد العلمانية

في العقود الأخيرة من مسيرته الفكرية، واستجابة للتحولات الجيوسياسية والثقافية التي عصفت بالعالم مطلع القرن الحادي والعشرين، أدرك هابرماس أن العلمنة لم تؤد إلى اختفاء الدين من الفضاء العام كما تنبأ كثير من النظريات السوسيولوجية الكلاسيكية. قاده هذا الإدراك إلى صوغ مفهوم مجتمع ما بعد العلمانية، أي مجتمع يقر بوجود التقاليد الدينية الحيوية جنبا إلى جنب مع النزعات العلمانية. لم يكن هذا تنازلا عن مشروعه التنويري، بل كان توسيعا لعقلانيته التواصلية لتشمل أصواتا طرحت جانبا طويلا.

يرى هابرماس أن الديمقراطية التداولية تتطلب جهدا متبادلا: على المواطنين المتدينين ترجمة قناعاتهم الدينية إلى لغة عقلانية عامة يتفاعل معها المواطن العلماني سياسيا، وعلى العلمانيين في المقابل عدم التعامل مع الرؤى الدينية كخرافات، بل الانفتاح على مضامينها الأخلاقية العميقة لدعم قيم التضامن والعدالة الاجتماعية. يوفر هذا الطرح إطارا نظريا لتجاوز الاستقطاب في منطقتنا العربية بين التيارات ذات المرجعيات الدينية والمدنية، مؤسسا تعايشا يبنى على الترجمة المتبادلة واحترام قواعد المجال العام المشترك.

 MIGUEL RIOPA / AFP
الأمير فيليبي، ولي عهد إسبانيا آنذاك، يحيي الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس خلال استقبال في أوفييدو شمال إسبانيا، 24 أكتوبر 2003، لمناسبة منحه جائزة أمير أستورياس للعلوم الاجتماعية

برحيل يورغن هابرماس، يفقد العالم صوتا نادرا مثّل البوصلة الأخلاقية والنقدية في زمن تسيد الفوضى والشعبوية. لقد خلف إرثا مفاهيميا لا تقتصر قيمته على النقاش الأكاديمي أو الترف الفكري، بل يمثل أدوات حيوية لتشريح أزماتنا المعاصرة. في وقت تتراجع فيه قيم الديمقراطية في العالم الغربي لصالح السلطة الكاريزمية وديبلوماسية الصفقات السريعة الخالية من العمق المؤسسي، تذكرنا نظريات هابرماس بأن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على توازن القوى المادية فحسب، بل على شرعية تكتسب عبر نقاش عام وحر.

يأتي الفعل التواصلي كأداة مقاومة لاستعادة سيادة عالم الحياة، مؤكدا أن التنسيق الاجتماعي يجب أن يبنى على الاقتناع الحر والحوار المفتوح، لا على إملاءات السوق

التحدي الذي يواجه المشتغلين في علم الاجتماع والدراسات السياسية ليس استذكار نظريات هذا الفيلسوف الكبير، بل تكييفها لقراءة الواقع المتغير. كيف نحمي المجال العام من استعمار الخوارزميات ورأس المال الرقمي؟ وكيف تؤسس المجتمعات ذات الأزمات الشرعية العميقة لتعاقد اجتماعي يقوم على الفعل التواصلي لا الاستراتيجي والإقصاء المتبادل؟

Odd ANDERSEN / AFP
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يتحدث في المتحف اليهودي في برلين خلال مراسم منح جائزة «التفاهم والتسامح»، 13 تشرين الثاني 2010.

خلاصة القول إن الأسئلة الشائكة التي أثارها هابرماس ستظل حية، تدعونا باستمرار للبحث عن العقلانية في عالم يبدو أنه يميل بشكل متزايد نحو اللامعقول.

font change