مواسم النور... رمضان في الحواضر العربية بأقلام الرحالة والمستشرقين

من مكة إلى مصر مرورا بدمشق

Lina Jaradat
Lina Jaradat

مواسم النور... رمضان في الحواضر العربية بأقلام الرحالة والمستشرقين

في عام 1325م انطلق ابن بطوطة صوب مكة المكرمة، ليلحق بأفواج الحجيج، فشهد أثناء مروره بمصر احتفال أهل مدينة إبيار باستقبال هلال رمضان، وكان في ضيافة قاضي تلك المدينة عز الدين المليجي الشافعي، فسجل ما شاهده من احتفاء الناس بالهلال قائلا: "حضرت عنده مرة (يوم الركبة) وهم يسمون بذلك يوم ارتقاب هلال رمضان. وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي... فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب من معه أجمعين، وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقب الهلال عندهم، وقد فرش ذلك الموضع بالبسط والفرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، ويوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فعلهم كل سنة".

ثم هل عليه شهر رمضان المبارك من عام 1326م/ 726هـ وهو لا يزال في مكة، فوثق مشهد استقبال المكيين للشهر وهم في غاية الانبساط والفرح، فقال: "إذا أهل هلال رمضان تضرب الطبول والدبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر، وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرم نورا، ويسطع بهجة وإشراقا، وتتفرق الأئمة فرقا، وهم: الشافعية والحنفية والحنبلية والزيدية، وأما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء: يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع، ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلي بجماعته، فيرتج المسجد لأصوات القراء، وترق النفوس، وتحضر القلوب، وتهمل الأعين".

لا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلي بجماعته، فيرتج المسجد لأصوات القراء، وترق النفوس، وتحضر القلوب، وتهمل الأعين

تتجلى المدينة العربية والعواصم والمدن الإسلامية في رمضان، فهي تتوحد في المشاعر والشعائر نفسها، وتزدان جميعها فرحا واستبشارا واستقبالا لخير الشهور. فمثلا ينقل الرحالة المقدسي البشاري في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، صورة عذبة من صور الاحتفاء برمضان المبارك في مدينة عدن اليمنية، إذ كان الناس يستقبلون الشهر ببهجة تسبق حلوله، فيخبرنا أنهم "يزينون السطوح قبل رمضان بيومين، ويضربون عليها الدبادب. فإذا دخل رمضان اجتمع رفق يدورون عند السحر يقرؤون القصائد إلى آخر الليل".

مآذن مكة وقناديل الحرم

 تفيض رحلة ابن بطوطة بمشاهد تأسر القلوب عن تقاليد مكة المكرمة في الاحتفاء بليالي الشهر الكريم، فيصف مهابة الليالي الوترية من العشر الأواخر، وما يرافقها من جلال، إذ "في كل ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء، ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة فاذا ختم نصب له منبر مزين بالحرير، وأوقد الشمع وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات، وكذلك يصنعون في جميع ليالي الوتر، وأعظم تلك الليالي عندهم ليلة سبع وعشرين، واحتفالهم لها أعظم من احتفالهم لسائر الليالي، ويختم بها القرآن العظيم خلف المقام الكريم"، يعني مقام إبراهيم -عليه السلام- حول الكعبة، وفي هذه الصور تتجلى أسمى معاني التوقير لكتاب الله ولحرمة المكان والزمان.

REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa
مسلمون يتجمعون في المسجد الحرام في مكة المكرمة خلال شهر رمضان، السعودية، 18 فبراير 2026

بعد ابن بطوطة، شهدت عين ابن جبير في مكة المكرمة فصولا من النور والجمال، إذ أقام فيها زهاء نصف عام قبل أن تمضي به ركائب الرحلة نحو العراق والشام، وقد خلد في كتابه "تذكرة الأخبار عن اتفاقيات الأسفار" المعروف برحلة ابن جبير، تفاصيل دقيقة لتلك الأيام المباركة من عامي 578 هـ و579 هـ، واصفا جلال الحرم المكي الشريف وهيبة أركانه الأربعة، حيث يقف منبر الخطيب "وهو أيضا على بكرات أربع، فإذا كان يوم الجمعة، وقرب وقت الصلاة، ضم إلى صفحة الكعبة الذي يقابل المقام، وهو بين الركن الأسود والعراقي فيسند إليه المنبر".

عندما يرى أهل مكة من سطوح منازلهم العالية القنديلين قد أطفئا علموا أن الوقت قد انقطع

ويرسم لنا ابن جبير لوحة مهيبة للخطيب بملابسه السوداء وطيلسانه، وهو يخطو نحو باب النبي صلى الله عليه وسلم، "فإذا قرب من المنبر عرج إلى الحجر الأسود فقبله، ودعا عنده، ثم سعى إلى المنبر، ورئيس المؤذنين بالحرم الشريف ساعيا أمامه، لابسا السواد أيضا"، لتكتمل الصورة بجلوسه وإعلان المؤذنين للأذان بلسان واحد يملأ الأرجاء سكينة.

REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa
مسلمون يؤدون صلاة الجمعة في أول جمعة من شهر رمضان في المسجد الحرام في مكة المكرمة، السعودية، 20 فبراير 2026

ويحكي ابن جبير أيضا عن عناية أهل مكة باستقبال الشهر الفضيل عناية فائقة، فكانت ردهات الحرم تزدان بالفرش الجديد ويرتفع ضياء القناديل من مغرب الشمس حتى فجرها، وتقام صلاة التراويح في حلقات شتى، يطوف المصلون بين ركعاتها الأربع والعشرين حول الكعبة المشرفة في مشهد يجمع بين الصلاة والطواف، أما السحور فكان له نداء خاص تعلو به مئذنة الركن الشرقي، حيث يقف المؤذن ومعه غلامان صغيران يجاوبانه بالدعاء والتذكير، ولإبلاغ البيوت البعيدة عن الحرم، كانت ترفع "خشبة طويلة في رأسها عمود كالذراع بكرتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يوقدان مدة التسحير، فإذا قرب تبين خطى الفجر، ووضع الأذان بالقطع مرة بعد مرة حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة، وبدأ وصول المؤذنين من كل ناحية بالأذان. وعندما يرى أهل مكة من سطوح منازلهم العالية القنديلين قد أطفئا علموا أن الوقت قد انقطع".

نرحل من زمان ابن جبير الى وقت أقرب بعض الشيء الى زمننا، فبين دفتي كتابه الموسوعي، "صفحات من تاريخ مكة"، ينقل لنا المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هورخرونيه تفاصيل الحياة المكية في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، حيث كان المكيون يستقبلون شهر الصوم بطقوس فريدة، إذ يروي أنه "قبل بداية رمضان يحاول البعض تنظيف المعدة، وذلك بتناول شربة أو مادة مسهلة للمعدة، تحضر من قبل الطبيب بموجب وصفة سرية في العادة يختص بها، ومع أن العلاجات تباع بالثمن إلا أن هذه الشربة يعطيها الطبيب مجانا"، وما إن تعلن المدافع بطلقاتها النارية بزوغ هلال الشهر، حتى تدب حياة صاخبة في الأسواق، ويتفنن الباعة في عرض أصناف الحلوى الرمضانية التي تزين موائد السحور في ليلة الصيام الأولى.

في تلك اللحظات الساكنة في انتظار الإفطار، ترتقب الأعين "الريس" وهو يصعد الطابق العلوي المحيط ببئر زمزم، ليلوح بعلمه نحو القلعة، فتطلق المدافع قذائف الإذن بالضيافة الربانية

ومع اقتراب الغروب، تتهيأ أروقة الحرم الشريف لاستقبال الصائمين في مشهد يفيض بالسكينة والنظام، حيث "يبدأ الزمازمة بالخروج من الخلاوي ويقومون بفرش السجاجيد يضعون الدوارق التي تحوي الماء البارد بمعدل دورق لكل خمسة أشخاص، وقبل أن يجلس الأشخاص البارزون في أماكنهم المخصصة لهم، توضع بعض الدوارق الخاصة التي تحوي الماء المحلي أو ماء المطر أو ماء العيون، وذلك حسب ذوق الجالس ورغبته"، في حين تتدفق الحشود عبر أبواب الحرم التسعة عشر، يحمل كل منهم زاده المتواضع من تمر وتين، بينما يتبع الأثرياء غلمانهم بأطباق عامرة بصنوف الطعام.

وفي تلك اللحظات الساكنة في انتظار الإفطار، ترتقب الأعين "الريس" وهو يصعد الطابق العلوي المحيط ببئر زمزم، ليلوح بعلمه نحو القلعة، فتطلق المدافع قذائف الإذن بالضيافة الربانية، وحينها "يسمع المرء الآن من كافة أرجاء المسجد دعاء خاصا، كما يسمع أصوات شرب الماء من الدوارق الخاصة، وكذلك قرقعة صحون الطعام وما إليها"، ثم ترتفع أذانات المنابر السبع، فتقام الصلاة خلف الإمام بجوار المقام دون إبطاء، حيث "يصلى خلف إمام مذهبه، غير أن الشريعة الإسلامية لا تمنع من أن يقوم الناس بالصلاة خلف إمام من مذهب آخر، بل تمنعهم من أداء الصلاة خلف إمام مذهبهم إذا كان ذلك يؤخر أداءهم للصلاة في موعدها"، لتتجلى في هذا الجمع أبهى صور الوحدة والحرص على قدسية الوقت والعبادة.

دمشق في ذاكرة ابن بطوطة: مرافئ العلم وأطباق المودة

حينما نزل ابن بطوطة رحاب دمشق في شهر رمضان من عام 726هـ، شهد مجالس العلم التي تزدان بها ليالي الشهر الفضيل، حيث انتظم في الجامع الأموي جمع غفير من الفقهاء وطلاب العلم، وهناك سمع الرحالة جميع صحيح البخاري خلال أربعة عشر مجلسا، بدأت من منتصف الشهر وانتهت في الثامن والعشرين منه، على يد "الشيخ المعمر، رحلة الآفاق، ملحق الأصاغر بالأكابر شهاب الدين أحمد بن أبي النعم حسن بن علي بن بيان الدين مقرئ الصالحي المعروف بابن الشحنة الحجازي".

 LOUAI BESHARA / AFP
عمال وعائلاتهم يشاركون في إفطار جماعي في الجامع الأموي في حلب بعد أعمال ترميمه إثر الأضرار التي لحقت به خلال الحرب السورية، 30 مارس 2024

ولم تقتصر تلك النهضة العلمية على الرجال، بل كانت دروس رمضان في جامع دمشق منارة للسيدات العالمات اللاتي أجزن الرجال، وكان من بين من أجازوا ابن بطوطة في تلك الحقبة، "الشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت محمد بن مسلم بن سلامة الحراني، والشيخة الصالحة رحلة الدنيا زينب بنت كمال الدين أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي".

من فضائل أهل دمشق أنه لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده البتة، فمن كان من الأمراء والقضاة والكبراء فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون عنده

وحتما تستوقف القارئ تلك اللفتات العذبة التي نقلها الرحالة ابن بطوطة عن شمائل أهل دمشق في هذا الشهر الفضيل، وما جبلوا عليه من مودة وسخاء وتشارك في موائد الإفطار، فيقول واصفا تلك الألفة: "ومن فضائل أهل دمشق أنه لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده البتة، فمن كان من الأمراء والقضاة والكبراء فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون عنده، ومن كان من التجار وكبار السوقة صنع مثل ذلك، ومن كان من الضعفاء والبادية فإنهم يجتمعون كل ليلة في دار أحدهم أو في مسجد، ويأتي كل أحد بما عنده فيفطرون جميعا"، لتظل تلك الكلمات شاهدة على روح التكافل وجمال الاجتماع الذي يصبغ أيام رمضان بصبغة من المحبة والصفاء.

كيف استشعر الرحالة نبض رمضان في أزقة القاهرة؟

في القرن الخامس الهجري، يطالعنا الرحالة الفارسي ناصر خسرو بوصف يفيض ترفا وقدسية لجامع عمرو بن العاص في الفسطاط بالقاهرة، حيث كانت الاستعدادات لرمضان تتجلى في أبهى صورها، فيذكر في مشاهداته أنه "... كان يوقد في ليالي المواسم والأعياد أكثر من 700 قنديل، وإن المسجد يفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض، وكانت تعطر المساجد بالبخور والكافور والمسك"، لتغدو بيوت الله في هذا الشهر واحات من النور والعطر، تأسر القلوب قبل الأبصار.

 REUTERS/Mohamed Abd El Ghany
شرطي مصري يطلق مدفع الإفطار لإعلان موعد أذان المغرب خلال شهر رمضان في القاهرة، مصر، 27 مايو 2018

ثم في القرن الحادي عشر الهجري، وتحديدا في عام 1072هـ / 1662م، يطالعنا الرحالة المغربي عبد الله العياشي في مذكراته "الرحلة العياشية"، ويصف لنا بدقة مشهد تحري الهلال، إذ صعد قاضي الشافعية والشهود العدول ليلة الثلاثين إلى أعلى مئذنة مسجد المنصور قلاوون بالنحاسين، وبقوا يرقبون الأفق حتى غشيهم الظلام، فلما لم يروا شيئا "أوقدوا المصابيح في المئذنة كما هي عادتهم في ليالي الشهر كلها، فعلم الناس أن الغد من رمضان، وكذبت أقوال المنجمين". كما لم يغفل العياشي ذكر طقوس السحور التي كانت تملأ الأزقة حيوية، حيث كان "التسحير في غير الجوامع يتم بواسطة الطبلة المعروفة الآن، يطوف بها أصحاب الأرباع وغيرهم على البيوت، ويضربون عليها"، لتكتمل بهذا الوصف صورة ليالي القاهرة العامرة بالعبادة والترقب وبساطة العيش.

وإلى القرن الرابع عشر الميلادي، لتطل علينا مصر من خلال عيني الرحالة الأندلسي ابن الحاج، الذي نقل في مشاهداته ملامح من الوقار والجمال الاجتماعي في أزقة القاهرة، فذكر أن تعليق الفوانيس كان تقليدا راسخا في نفوس المصريين آنذاك، يزينون به لياليهم ويستضيئون بنوره.

كان من شيم أهل مصر وقتها ألا تخرج المرأة ليلا في شهر رمضان أو غيره "إلا ويتقدمها صبي يحمل في يده فانوسا مضاء ليعلم المارة بأن إحدى السيدات تسير كي يفسحوا لها الطريق"

ومن أعذب ما نقله ابن الحاج، وما خلده فؤاد مرسي في دراسته "معجم رمضان"، تلك العادة التي كانت تحفظ للمرأة مهابتها وخصوصيتها، إذ كان من شيم أهل مصر وقتها ألا تخرج المرأة ليلا في شهر رمضان أو غيره "إلا ويتقدمها صبي يحمل في يده فانوسا مضاء ليعلم المارة بأن إحدى السيدات تسير كي يفسحوا لها الطريق".

وتبرز مذكرات المستشرق الأيرلندي ريتشارد بيرتون، خريج أكسفورد والضابط في الجيش البريطاني، لتوثق ملامح الشهر الفضيل في أواخر عهد عباس باشا الأول عام 1853م، إذ يصف بيرتون بدقة لحظات وطقوس السحور التي يفتتحها المدفع بقوله: "بعد نصف ساعة من منتصف الليل ينطلق مدفع السحور منبها المسلمين بوجوب الاستعداد لتناول طعام السحور وهو بمثابة إفطار مبكر. وبمجرد سماع المدفع يوقظني خادمي إذا كنت نائما... ويضع أمامي بقايا وجبة المساء (الإفطار)".

يتجلى في مشاهدات بيرتون الإجلال لشعائر المجتمع المصري وصبره الجميل، فهو يرى أن "تراعي مختلف الطبقات شعائر هذا الشهر بإخلاص شديد ـ رغم قسوتها! ـ فلم أجد مريضا واحدا اضطر يأكل حتى لمجرد الحفاظ على حياته.. وحتى الآثمون الذين كانوا قبل رمضان قد اعتادوا السكر والعربدة ـ حتى في أوقات الصلاة ـ قد تركوا ما كانوا فيه من إثم، فصاموا وصلوا!... والأثر الواضح لهذا الشهر على المؤمنين هو الوقار الذي يغلف طباعهم"، ومع اقتراب الغروب، يجعل بيرتون من القاهرة لوحة بديعة لمدينة تستعيد أنفاسها، فتبدو كأنها تفيق من غفوتها، حيث يرقب الناس لحظة الإفطار من النوافذ والمشربيات، وبينما ينهمك البعض في تسبيحهم، يترقب الجميع تلك اللحظة الفارقة التي يعلنها المدفع من القلعة ومن قصر العباسية، لتتبدل وحشة الصمت بفرحة غامرة تروي ظمأ العطشى طوال نهار رمضان، وليبدأ بعدها السمر مع قدح القهوة ومباهج المساء المعتادة.

REUTERS/Mohamed Abd El Ghany
رجل مصري يعد الكنافة، إحدى الحلويات التقليدية في شهر رمضان، في القاهرة، مصر، 2 أبريل 2023

ولم تكن مائدة رمضان لتكتمل في أعين المستشرقين دون ملاحظة "فن صناعة الكنافة" الذي سحرت تفاصيله علماء الحملة الفرنسية، حتى أفردوا لها مكانا في موسوعة "وصف مصر"، فقد قدم العالم كونتيه رسما دقيقا لورشة صانع الكنافة، بينما وصف العالم بوديه براعة "شيخ الكنفانية" وهو يسكب المزيج بحركة دائرية رشيقة من إناء مثقوب فوق صينية محماة، لتنضج الخيوط وتنفصل في وقت قصير، مشيرا إلى أن "المصريين شرهون للغاية لهذا النوع من الطعام، ويأكلونه وهو شديد السخونة، وفي معظم الأحيان في المكان الذي أعد فيه".

قدم العالم كونتيه رسما دقيقا لورشة صانع الكنافة، بينما وصف العالم بوديه براعة "شيخ الكنفانية" وهو يسكب المزيج بحركة دائرية رشيقة

وفي ختام الشهر، تأخذ الروحانيات بعدا أكثر عمقا في العشر الأواخر، كما يروي إدوارد لين عن ازدحام المساجد الكبرى كجامع الحسين والسيدة زينب بالمصلين، خاصة في الليلة السابعة والعشرين، التي يعتقد المسلمون أنها ليلة القدر حيث تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء. ومن ألطف ما نقله لين من موروثات تلك الحقبة ذلك الاعتقاد الشعبي بتحول الماء المالح إلى عذب في تلك الليلة المباركة، حيث كان الأتقياء يجلسون في خشوع سائلين الله القبول، و"أمامهم إناء فيه ماء مالح، وبين حين وآخر يتذوقون طعمه ليروا إن أصبح حلو المذاق فيتأكدون أن هذه الليلة هي: ليلة القدر".

REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
مصل يبكي خلال صلاة التراويح في ليلة القدر في مسجد عمرو بن العاص في القاهرة القديمة، مصر، 17 أبريل 2023

طالما كانت الحواضر العربية مجبولة على الفرح، عصية على الكسر، فبرغم جراح الحروب والخطوب التي ألمت بها، ظلت تشرع أبوابها للحياة. ويظل رمضان في ربوعها سيد الشهور وتاج الأزمان، والمناسبة الأبهى التي تستعيد فيها مدننا عافيتها، وترتدي من جديد ثوب الفرح المطرز بالسكينة والنور والألفة.

font change