كيف ستعيد التريليونات رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

من المختبر إلى البورصة

AFP
AFP
فني في مركز بيانات "أمازون" في نيو كارلايل بولاية إنديانا بالولايات المتحدة الأميركية

كيف ستعيد التريليونات رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

تستعد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لدخول مرحلة جديدة من تطورها، مع تحرك "أنثروبيك" نحو طرح أسهمها في البورصة، واستعداد "أوبن إيه آي" لخطوة مماثلة في توقيت لاحق، وسط تقديرات تتحدث عن تقييمات قد تصل إلى تريليونات الدولارات. لا تقتصر أهمية هذه الطروحات على الجانب المالي، إذ يمكن أن تحدد قدرة الشركات على تمويل أجيال جديدة من النماذج، وبناء مراكز بيانات أضخم، وتطوير رقائق وأنظمة حوسبة أكثر كفاءة، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي والبرمجة والروبوتات وغيرها من المجالات.

تأتي هذه التحركات في وقت أصبحت فيه تكلفة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة أكبر بكثير مما كانت عليه قبل سنوات قليلة، فالشركات تحتاج إلى استثمارات ضخمة لشراء المعالجات، وتوفير الطاقة، وتدريب النماذج وتشغيلها، فضلا عن تمويل فرق البحث والسلامة والتطوير. من ثم فإن نجاح الطروحات العامة قد يمنح القطاع مصدرا جديدا وواسعا لرأس المال، بما يسمح بتسريع بعض المشروعات التقنية التي يصعب تمويلها بالوسائل التقليدية، لكنه قد يفرض في الوقت نفسه ضغوطا جديدة على الشركات لتحقيق نتائج تجارية أسرع.

لا يتعلق الأمر بمستقبل شركتين فقط، فالقرارات التي ستتخذها "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" بعد دخول الأسواق العامة يمكن أن تؤثر في اتجاه صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها وقد تحدد اتجاه الشركات بين مواصلة بناء نماذج أكبر وأكثر استهلاكا للحوسبة، أو زيادة التركيز على الكفاءة وتطوير نماذج أصغر وأقل تكلفة. كما ستؤثر في حجم الاستثمارات المخصصة لأبحاث السلامة وفهم آليات عمل النماذج مقارنة بالإنفاق على زيادة قدراتها، فضلا عن دورها المحتمل في توسيع أو تقليص الفجوة بين مختبرات الشركات الكبرى والجامعات والمراكز البحثية التي لا تمتلك الموارد الحاسوبية نفسها.

عملية شديدة التكلفة

وقدمت "أنثروبيك" المطورة لنظام "كلود" أوراقا سرية استعدادا للطرح، بينما اتخذت "أوبن إيه آي" صاحبة "تشات جي بي تي" خطوات مماثلة وإن كانت تقارير حديثة تشير إلى إمكان انتظارها حتى 2027. وتدور تقديرات السوق حول تقييم قد يصل إلى تريليوني دولار لـ"أنثروبيك"، ونحو تريليون دولار لـ"أوبن إيه آي"ـ وهي أرقام تعكس حجم الرهان على المستقبل أكثر مما تعكس أرباح الشركات الحالية.

وأصبح تطوير الذكاء الاصطناعي الحديث عملية شديدة التكلفة، فالنماذج التي تقف وراء "كلود" مثلا لا تُبنى على أجهزة كمبيوتر عادية، بل تحتاج إلى عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من شرائح المعالجة المتخصصة، تعمل داخل مراكز بيانات ضخمة، وتستهلك كميات كبيرة من الكهرباء. وكل جيل جديد من النماذج يحتاج إلى حوسبة أكبر أثناء التدريب، ثم يحتاج لاحقا إلى حوسبة أخرى في كل مرة يستخدمه فيها شخص أو شركة. ويشير تقرير "مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026" الصادر عن جامعة ستانفورد إلى أن القدرة الحاسوبية المستخدمة في أحدث النماذج تتزايد بنحو 3.3 مرات سنويا منذ 2022.

يظهر تقرير ستانفورد لعام 2026 أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل جزءا متزايدا من البحث في الأحياء والكيمياء والجينوميات، مع ظهور نماذج تحاول توقع تأثير التغيرات الجينية أو استجابة الخلايا للأدوية قبل إجراء التجارب المعملية

من هنا يصبح دخول البورصة أشبه بالحصول على وقود إضافي لسباق علمي شديد التكلفة، فالشركة العامة تستطيع الوصول إلى مصادر تمويل أوسع بكثير من الشركات الناشئة التقليدية، ويمكنها استخدام أسهمها لجمع أموال جديدة أو شراء شركات وتقنيات أخرى.

وبالنسبة لمختبر ذكاء اصطناعي، يمكن أن يعني ذلك بناء حاسوب عملاق جديد، أو تدريب نموذج لم يكن من الممكن تحمل تكلفته سابقا، أو تمويل عشرات التجارب الفاشلة للوصول في النهاية إلى نموذج أفضل. ولهذا يمكن أن يسرع الطرح العام تطوير النماذج نفسها، ليس لأن البورصة تنتج اكتشافات علمية، وإنما لأنها توفر الموارد التي تسمح للباحثين بإجراء تجارب أكبر وأكثر عددا، بعدما وصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة أصبحت فيها البنية التحتية جزءا من البحث العلمي نفسه.

AFP
لقطة جوية لمركز بيانات الذكاء الاصطناعي التابع لشركة AWS في نيو كارلايل، بالولايات المتحدة الأميركية

على سبيل المثل، يصف مشروع "أوبن أيه آي" مشروع "ستارغيت" باعتباره محاولة لبناء قاعدة حوسبية ضخمة تسمح بتوفير نماذج أكثر قدرة على نطاق واسع، وقد بدأت بالفعل مشروعات لمراكز بيانات تصل قدرة بعضها إلى جيغاوات كاملة. وفي أغسطس/آب، تم الكشف عن مشروع في أوهايو قد تصل قدرته المخطط لها إلى ثمانية جيغاوات، وهذه ليست مجرد مبان تستضيف خوادم، بل يمكن النظر إليها بوصفها "مختبرات علمية" جديدة، تشبه في بعض جوانبها مسرعات الجسيمات أو التلسكوبات العملاقة وبها بنية تحتية ضخمة لا يمكن إجراء بعض التجارب من دونها.

الاتجاه المعاكس

إذا نجحت طروحات شركات الذكاء الاصطناعي وجذبت مبالغ ضخمة، فقد تتسارع زيادة حجم التدريب والحوسبة والبيانات المستخدمة لبناء النماذج. فالفكرة التي قادت الصناعة خلال السنوات الماضية بسيطة نسبيا، عندما تحصل النماذج على مزيد من البيانات والحوسبة، تتحسن قدراتها في اللغة والبرمجة والاستدلال وحل المشكلات. لكن زيادة الحجم ليست مجرد صنع نسخة أسرع من "تشات جي بي تي"، ففي مراحل معينة تظهر قدرات لم تكن واضحة في النماذج الأصغر. ولذلك تراهن الشركات على أن توفير حوسبة أكبر قد ينتج أنظمة تستطيع تنفيذ مشروعات برمجية كاملة، أو التعامل مع مشكلات علمية معقدة، أو العمل لساعات وأيام كـ"وكلاء مستقلين" بدلا من مجرد الإجابة عن سؤال واحد.

لكن تدفق الأموال قد يغير أيضا اتجاه البحث في الاتجاه المعاكس، من بناء النماذج الأكبر إلى بناء النماذج الأكثر كفاءة، فبعد دخول البورصة لن يكون كافيا أن تقول الشركة إن نموذجها أكثر ذكاء، وسيصبح عليها أيضا إثبات أن تشغيله ليس باهظ التكلفة. وقد يدفع ذلك الباحثين إلى ابتكار طرق للحصول على القدرات نفسها باستخدام عدد أقل من العمليات الحسابية، أو تشغيل نموذج صغير للمهام البسيطة ونموذج كبير للمشكلات الصعبة، أو تطوير معماريات جديدة تستخدم الذاكرة والحوسبة بكفاءة أعلى. ومن المفارقات أن ضغط المستثمرين على التكاليف قد يتحول هنا إلى حافز علمي لتطوير ذكاء اصطناعي أخف وأسرع وأقل استهلاكا للطاقة.

قد يعيد هذا التحول رسم خريطة صناعة الرقائق أيضا، فمختبرات الذكاء الاصطناعي تعتمد حاليا بصورة كبيرة على وحدات معالجة الرسوميات التي تنتجها شركات مثل "إنفيديا" لكن تكاليف الحوسبة الهائلة تخلق حافزا لتطوير شرائح مخصصة

وقد يكون أحد أكبر التحولات هو انتقال المنافسة من سؤال "من يملك أفضل روبوت دردشة؟" إلى سؤال "من يستطيع بناء باحث اصطناعي؟"، فالهدف الأبعد لشركات مثل "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" هو تطوير أنظمة تساعد في إجراء البحث العلمي نفسه وتساعد في قراءة آلاف الأوراق العلمية، واقتراح الفرضيات، وتحليل البيانات، وكتابة الأكواد، وتصميم التجارب. ويظهر تقرير ستانفورد لعام 2026 أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل جزءا متزايدا من البحث في الأحياء والكيمياء والجينوميات، مع ظهور نماذج تحاول توقع تأثير التغيرات الجينية أو استجابة الخلايا للأدوية قبل إجراء التجارب المعملية. وإذا ساعد الطرح على زيادة قدرات هذه النماذج، فقد يمتد تأثيره إلى علوم أخرى بعيدة تماما عن صناعة البرمجيات.

والمرحلة الأكثر إثارة ـ وربما الأكثر حساسية - أن تبدأ عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي في تطوير ذكاء اصطناعي أفضل، فاليوم يساعد "كلود" وغيره بالفعل المبرمجين في كتابة الأكواد واختبارها، لكن شركات القطاع تدرس سيناريو تستطيع فيه النماذج مساعدة الباحثين على تصميم خوارزميات جديدة، أو تحسين عملية التدريب، أو اكتشاف أخطاء في النماذج اللاحقة. وتقول "أنثروبيك" إن أحد مجالات البحث التي تراقبها هو ظهور دلائل مبكرة على مساهمة الذكاء الاصطناعي في تسريع أبحاث الذكاء الاصطناعي ذاتها، وإذا تحقق ذلك على نطاق واسع، فقد تتحول عملية التطوير من دورة يقودها البشر بالكامل إلى حلقة يعمل فيها البشر والآلات معا على إنتاج الجيل التالي من الأنظمة

لكن المزيد من المال والحوسبة لا يعني بالضرورة تقدما أفضل في كل الاتجاهات. فقد يدفع ضغط المنافسة الشركات إلى سباق لإطلاق النموذج الأقوى قبل الآخرين، وهنا يظهر سؤال السلامة. كلما أصبح النموذج أكثر قدرة على البرمجة والتخطيط واستخدام الأدوات، زادت الحاجة إلى التأكد من أنه لا يستطيع مساعدة المستخدمين في تنفيذ هجمات إلكترونية خطرة أو تقديم إرشادات تؤدي إلى أضرار جسيمة. ولهذا تخصص "أنثروبيك" فرقا للبحث في تفسير ما يحدث داخل النماذج، واختبارات الاختراق، والأمن السيبراني، ومواءمة سلوك النموذج مع تعليمات البشر. الطرح العام يمكن أن يوفر موارد أكبر لهذه الأبحاث، لكنه قد يخلق أيضا ضغطا للإسراع في إطلاق المنتجات.

وهنا ستظهر واحدة من أهم المعارك التي سيحددها دخول البورصةوتتعلق بكم من الأموال يذهب إلى زيادة القدرات، وكم يذهب إلى فهم هذه القدرات؟ فمن الممكن إنفاق مليار دولار إضافي على شرائح تجعل النموذج أقوى، لكن معرفة لماذا اتخذ النموذج قرارا معينا أو كيف يمكن ضمان عدم خداعه للمستخدم ليست مشكلة تُحل دائما بمجرد إضافة مزيد من الشرائح. أبحاث مثل "قابلية التفسير" تحاول النظر داخل الشبكات العصبية لفهم الآليات التي تنتج السلوك، بينما تختبر فرق السلامة النماذج في ظروف متطرفة قبل إطلاقها. وإذا أصبحت هذه الشركات كيانات عامة ضخمة، فإن قرارات توزيع ميزانياتها قد تؤثر عمليا في أولويات مجال كامل من علوم الحاسوب.

النماذج المفتوحة

وقد يؤثر الطرح كذلك في مسألة أخرى مهمة هي انفتاح التكنولوجيا، فهناك اليوم معسكران تقريبا، إما شركات تحتفظ بأوزان نماذجها وتقنياتها الأساس داخل أنظمة مغلقة، أو مشروعات تنشر نماذج مفتوحة يمكن الباحثين والشركات تشغيلها وتعديلها. ودخول الشركات الكبرى البورصة قد يزيد رغبتها في حماية تقنياتها باعتبارها أصولا شديدة القيمة، خصوصا إذا أصبحت قيمتها السوقية مرتبطة بتفوق نماذجها. في المقابل، قد يؤدي ذلك إلى تقوية النماذج المفتوحة التي يطورها باحثون وشركات منافسة. وتقول "أنثروبيك" نفسها إن النماذج المفتوحة التي لا تمتلك قدرات خطرة تمثل منفعة عامة للباحثين والمطورين.

AFP
صورة عامة لأبراج نقل الطاقة الكهربائية في 25 مارس 2026 في لوس أنجليس، كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية

وقد يعيد هذا التحول رسم خريطة صناعة الرقائق أيضا، فمختبرات الذكاء الاصطناعي تعتمد حاليا بصورة كبيرة على وحدات معالجة الرسوميات التي تنتجها شركات مثل "إنفيديا" لكن تكاليف الحوسبة الهائلة تخلق حافزا لتطوير شرائح مخصصة. ومع زيادة رأس المال المتاح يمكن أن تستثمر شركات النماذج مباشرة في تصميم معالجات مصممة لطريقة عمل أنظمتها، بدلا من الاعتماد بالكامل على شرائح عامة الاستخدام. وقد يصبح السؤال في السنوات المقبلة ليس فقط من صنع أفضل نموذج، وإنما من يملك المنظومة المتكاملة: النموذج، والرقائق، ومراكز البيانات، والشبكات، والبرمجيات. وكلما زاد التكامل بين هذه الطبقات، أصبح بناء منافس جديد من الصفر أكثر صعوبة.

إذا اقتنع المستثمرون بأن شركات النماذج تستحق تقييمات تريليونية، فإن الأموال لن تتجه إلى "أنثروبيك" أو "أوبن إيه آي" فقط، بل إلى الشركات التي تصنع الذاكرة والرقائق، وأنظمة تبريد الخوادم، والألياف الضوئية، ومحطات الكهرباء، والروبوتات، وأدوات الأمن السيبراني، وبرامج إدارة البيانات

لكن هذه الضخامة تحمل خطرا علميا آخر يتعلق بتركيز البحث المتقدم في عدد صغير جدا من الشركات. فبحسب مؤشر ستانفورد لعام 2026، أصبحت الصناعة تنتج أكثر من 90% من نماذج الذكاء الاصطناعي البارزة، بينما أصبحت أقوى الأنظمة أقل شفافية في ما يتعلق ببيانات التدريب وحجم النماذج وطريقة بنائها. السبب بسيط: الجامعات تستطيع إنتاج أفكار وخوارزميات مهمة، لكنها لا تستطيع بسهولة تمويل مركز بيانات تكلفته عشرات المليارات. وإذا منحت الأسواق العامة الشركات الكبرى موارد إضافية هائلة، فقد تتسع الفجوة بين البحث الأكاديمي والبحث الصناعي، بحيث يصبح بعض التجارب العلمية ممكنا فقط داخل عدد محدود من المختبرات الخاصة.

في المقابل، يمكن الطرح أن يجبر هذه المختبرات على قدر من الشفافية لم يكن موجودا عندما كانت شركات خاصة. فالشركة المدرجة تخضع لتدقيق أكبر من المستثمرين والجهات التنظيمية، وتضطر إلى الكشف عن مخاطرها واستثماراتها وعلاقاتها التجارية بصورة أوسع. وقد يمتد هذا تدريجيا إلى طريقة تقييم مخاطر النماذج واختبارها، خصوصا إذا اعتبر المستثمرون حادثا أمنيا كبيرا أو إساءة استخدام خطرة للنموذج تهديدا لقيمة الشركة. وتستعد "أنثروبيك" في الوقت نفسه للحفاظ على هياكل تمنح مؤسسيها وهيئات رقابية نفوذا كبيرا بعد الطرح، في محاولة لحماية القرارات الطويلة الأجل من ضغوط المساهمين القصيرة الأجل.

يبقى الاحتمال الأكثر تأثيرا هو أن يؤدي نجاح أول طرح ضخم إلى إشعال سلسلة كاملة من الاستثمارات التقنية. فإذا اقتنع المستثمرون بأن شركات النماذج تستحق تقييمات تريليونية، فإن الأموال لن تتجه إلى "أنثروبيك" أو "أوبن إيه آي" فقط، بل إلى الشركات التي تصنع الذاكرة والرقائق، وأنظمة تبريد الخوادم، والألياف الضوئية، ومحطات الكهرباء، والروبوتات، وأدوات الأمن السيبراني، وبرامج إدارة البيانات. عندها يمكن أن يتحول الطرح العام إلى إشارة تقول للصناعة إن بناء بنية تحتية أكبر للذكاء الاصطناعي سيجد من يموله، وهو ما قد يسرع التطوير التقني في عشرات القطاعات المرتبطة به حتى لو لم تكن هي نفسها شركات ذكاء اصطناعي.

أما إذا كان الاختبار الأول مخيبا، فقد يحدث العكس. فإذا اكتشف المستثمرون أن بناء كل جيل جديد من النماذج يحتاج إلى مبالغ أكبر بكثير من العائد الذي يحققه، فقد تصبح الشركات أكثر حذرا تجاه فكرة "الأكبر دائما أفضل" وعندها قد تتحول الأولويات العلمية نحو نماذج أصغر ومتخصصة، وخوارزميات تدريب أكثر كفاءة، وتقنيات تستطيع فعل المزيد بحوسبة أقل. وهذا السيناريو لا يعني توقف تطور الذكاء الاصطناعي، بل ربما يغير مساره. فكثير من التطورات العلمية المهمة حدثت عندما اضطر الباحثون إلى حل مشكلة نقص الموارد بالابتكار، بدلا من حلها بمجرد إضافة أجهزة أقوى.

لذلك لا ينبغي النظر إلى طرح "أنثروبيك" أو "أوبن إيه آي" باعتباره مجرد فرصة لشراء سهم جديد. فالذي يجري في الخلفية هو محاولة تحديد حجم الموارد التي سيحصل عليها الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي، ومن سيملك هذه الموارد، وما الذي سيطلبه المجتمع والمستثمرون في المقابل. نجاح هذه الطروحات قد يسرع بناء حواسيب أكبر ونماذج أكثر قدرة وباحثين اصطناعيين يساعدون البشر في العلم والهندسة، لكنه قد يزيد أيضا تركيز التكنولوجيا داخل عدد صغير من الشركات ويشعل سباقا أسرع نحو قدرات يصعب فهمها. ولذلك قد يكون السؤال الحقيقي أقل ارتباطا بسعر السهم وأكثر ارتباطا بما ستفعله هذه الشركات بالتريليونات التي يعتقد السوق أن مستقبلها يستحقها.

font change

مقالات ذات صلة