تستعد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لدخول مرحلة جديدة من تطورها، مع تحرك "أنثروبيك" نحو طرح أسهمها في البورصة، واستعداد "أوبن إيه آي" لخطوة مماثلة في توقيت لاحق، وسط تقديرات تتحدث عن تقييمات قد تصل إلى تريليونات الدولارات. لا تقتصر أهمية هذه الطروحات على الجانب المالي، إذ يمكن أن تحدد قدرة الشركات على تمويل أجيال جديدة من النماذج، وبناء مراكز بيانات أضخم، وتطوير رقائق وأنظمة حوسبة أكثر كفاءة، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي والبرمجة والروبوتات وغيرها من المجالات.
تأتي هذه التحركات في وقت أصبحت فيه تكلفة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة أكبر بكثير مما كانت عليه قبل سنوات قليلة، فالشركات تحتاج إلى استثمارات ضخمة لشراء المعالجات، وتوفير الطاقة، وتدريب النماذج وتشغيلها، فضلا عن تمويل فرق البحث والسلامة والتطوير. من ثم فإن نجاح الطروحات العامة قد يمنح القطاع مصدرا جديدا وواسعا لرأس المال، بما يسمح بتسريع بعض المشروعات التقنية التي يصعب تمويلها بالوسائل التقليدية، لكنه قد يفرض في الوقت نفسه ضغوطا جديدة على الشركات لتحقيق نتائج تجارية أسرع.
لا يتعلق الأمر بمستقبل شركتين فقط، فالقرارات التي ستتخذها "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" بعد دخول الأسواق العامة يمكن أن تؤثر في اتجاه صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها وقد تحدد اتجاه الشركات بين مواصلة بناء نماذج أكبر وأكثر استهلاكا للحوسبة، أو زيادة التركيز على الكفاءة وتطوير نماذج أصغر وأقل تكلفة. كما ستؤثر في حجم الاستثمارات المخصصة لأبحاث السلامة وفهم آليات عمل النماذج مقارنة بالإنفاق على زيادة قدراتها، فضلا عن دورها المحتمل في توسيع أو تقليص الفجوة بين مختبرات الشركات الكبرى والجامعات والمراكز البحثية التي لا تمتلك الموارد الحاسوبية نفسها.
عملية شديدة التكلفة
وقدمت "أنثروبيك" المطورة لنظام "كلود" أوراقا سرية استعدادا للطرح، بينما اتخذت "أوبن إيه آي" صاحبة "تشات جي بي تي" خطوات مماثلة وإن كانت تقارير حديثة تشير إلى إمكان انتظارها حتى 2027. وتدور تقديرات السوق حول تقييم قد يصل إلى تريليوني دولار لـ"أنثروبيك"، ونحو تريليون دولار لـ"أوبن إيه آي"ـ وهي أرقام تعكس حجم الرهان على المستقبل أكثر مما تعكس أرباح الشركات الحالية.
وأصبح تطوير الذكاء الاصطناعي الحديث عملية شديدة التكلفة، فالنماذج التي تقف وراء "كلود" مثلا لا تُبنى على أجهزة كمبيوتر عادية، بل تحتاج إلى عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من شرائح المعالجة المتخصصة، تعمل داخل مراكز بيانات ضخمة، وتستهلك كميات كبيرة من الكهرباء. وكل جيل جديد من النماذج يحتاج إلى حوسبة أكبر أثناء التدريب، ثم يحتاج لاحقا إلى حوسبة أخرى في كل مرة يستخدمه فيها شخص أو شركة. ويشير تقرير "مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026" الصادر عن جامعة ستانفورد إلى أن القدرة الحاسوبية المستخدمة في أحدث النماذج تتزايد بنحو 3.3 مرات سنويا منذ 2022.


