همام الهمامي... من فتى يتردد على سوريا إلى مشتبه به في قمرة "فلاي دبي"

مسار غامض قبل الرحلة الأخيرة

رويترز
رويترز
طائرة تقل ركابا كانوا على متن طائرة "فلاي دبي" المتجهة من الإمارات إلى إسرائيل، والتي حُوّل مسارها إلى السعودية عقب صدور إشارة طوارئ، تصل إلى مطار بن غوريون الدولي ، إسرائيل، في 30 سبتمبر 2026

همام الهمامي... من فتى يتردد على سوريا إلى مشتبه به في قمرة "فلاي دبي"

قبل أربع سنوات من اتهامه بمحاولة السيطرة على طائرة ركاب تابعة لـ"فلاي دبي" كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب، كان همام الهمامي يكتب عن الطيران بوصفه حلما تحقق، وعن اللحظات التي لا ينساها الطيار، مثل أول رحلة منفردة وأول مرة يقود فيها طائرة تحمل ركابا.

بدا مسار المشتبه به الهمامي في الظاهر طبيعيا لشاب شغوف بالطيران تمكن من تحويل شغفه إلى مهنة، لكن المعلومات التي بدأت تتكشف بعد حادث الرحلة "إف زد 1073" في 30 سبتمبر/أيلول 2026 ترسم مسارا أكثر تعقيدا، يمتد من الإمارات وسوريا إلى أستراليا وعُمان والمغرب، ثم يعود إلى دبي. ويحاول المحققون اليوم تحديد متى بدأت أفكاره المتطرفة، وما إذا كان قد تصرف بمفرده، وكيف استطاع العودة إلى قمرة قيادة طائرة تجارية بعدما سبق أن أُبعد عن الطيران في سلطنة عُمان بسبب مخاوف أمنية.

الهمامي مواطن عُماني يبلغ 29 عاما، ولد في الإمارات لأب عُماني وأم سورية، وعاش جزءا مهماً من حياته في الإمارات. وبحسب "وول ستريت جورنال"، كان يتردد على سوريا خلال سنوات مراهقته بالتزامن مع الحرب التي اندلعت عام 2011.

ولم تُنشر حتى الآن تواريخ دقيقة لزياراته أو الأماكن التي أقام فيها أو الأشخاص الذين التقاهم هناك، ولذلك لا يمكن تحديد فترة وجوده في سوريا بصورة قاطعة. لكن بالنظر إلى عمره، كان الهمامي في نحو الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة عند اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011، وفي السابعة عشرة أو الثامنة عشرة عام 2014. ويدرس المحققون، احتمال أن تكون جذور تطرفه قد بدأت خلال تلك المرحلة، من دون وجود دليل معلن حتى الآن يثبت أنه انضم في سوريا إلى تنظيم مسلح أو أقام علاقة تنظيمية مع جماعة محددة.

لينكد إن
المشتبه به همام الهمامي

وجاءت زياراته إلى سوريا خلال مرحلة شهدت تغيرا سريعا في خريطة الفصائل المسلحة. ففي عام 2011 ظهر "الجيش السوري الحر" وتكاثرت التشكيلات المسلحة المعارضة للنظام، فيما برزت لاحقا جماعات إسلامية مثل "أحرار الشام" و"جيش الإسلام". وأعلنت "جبهة النصرة" عن نفسها في يناير/كانون الثاني 2012، ثم أعلن زعيمها أبو محمد الجولاني في أبريل/نيسان 2013 مبايعته زعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري، قبل أن يعلن انفكاكا عن التنظيم ثم محاربته "داعش". وفي نهاية 2024، وصل الجولاني الى دمشق، وكشف عن هويته بعد سقوط نظام الأسد. ومذاك التقى الرئيس الشرع قادة العالم وزار البيت الأبيض والأمم المتحدة.

في منتصف 2024، أعلن أبو بكر البغدادي توسيع تنظيم "دولة العراق الإسلامية" إلى سوريا تحت اسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، المعروف اختصارا بـ"داعش". وفي يونيو/حزيران 2014 أعلن التنظيم إقامة "الخلافة" المزعومة وغيّر اسمه إلى "الدولة الإسلامية".

ويقدم هذا التسلسل السياق الذي كانت تعيشه سوريا في سنوات مراهقة الهمامي، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلا على أي علاقة له بهذه التنظيمات.

محطة أستراليا والطيران العُماني

بعد تلك المرحلة انتقل الهمامي إلى أستراليا. حصل على تأشيرة طالب عام 2014، وبدأ الدراسة هناك عام 2015، وأصبح معروفا الآن أنه درس الهندسة الميكانيكية في جامعة "آر إم آي تي" في ملبورن. وغادر أستراليا عام 2017، فيما ألغيت تأشيرته لاحقا، عام 2019، بسبب عدم بقائه مسجلا في برنامج دراسي، وليس- وفقا للمعلومات التي نشرتها وسائل الإعلام الأسترالية- لأسباب أمنية.

في موازاة صعوده المهني، ترك الهمامي وراءه سجلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي

وبعد حادث "فلاي دبي"، فتح فريق مكافحة الإرهاب المشترك في ولاية فيكتوريا، الذي يضم الشرطة الفيدرالية الأسترالية وشرطة الولاية وجهاز الاستخبارات الأمنية الأسترالي، تحقيقا في الفترة التي أمضاها الهمامي في البلاد. ولا توجد حتى الآن معلومات معلنة تثبت أنه مارس نشاطا متطرفا في أستراليا أو كان موضع تحقيق أمني أثناء إقامته هناك، ولذلك تبقى أهمية المرحلة الأسترالية في أنها واحدة من الفترات التي يحاول المحققون إعادة بناء حياته خلالها.

وفي عام 2018 التحق الهمامي بـ"الطيران العُماني"، لتبدأ المرحلة التي حولت اهتمامه بالطيران إلى مهنة. وبحسب "وول ستريت جورنال"، أصبح طيارا في مطلع عام 2022. وفي تلك السنوات درس أيضا عن بُعد إدارة الطيران في جامعة "باكينغهامشير نيو" البريطانية، التي أكدت أنه أكمل برنامجا استمر ثلاث سنوات وتخرج عام 2023، موضحة أن البرنامج كان أكاديميا ولم يتضمن تدريبا عمليا على قيادة الطائرات.

وفي موازاة صعوده المهني، ترك الهمامي وراءه سجلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي. وراجعت محطة "سي إن إن" الأميركية، أكثر من ثلاثة آلاف منشور من حساب قديم مرتبط به، يعود جزء كبير منها إلى عامي 2021 و2022.

وتكشف المنشورات عن آراء دينية واجتماعية محافظة ومتشددة، خصوصا تجاه النساء والزواج والاختلاط. كتب عن رفضه بيئات العمل المختلطة، وعن بحث والدته عن زوجة له، وعن رغبته في أن ترتدي زوجته المستقبلية النقاب وأن لا تستمر في العمل بعد الزواج. وفي أحد منشوراته تحدث عن نساء رفضن شروطه قبل أن تتغير مواقف بعضهن عندما علمن بأنه طيار. لكن هذه المواقف الاجتماعية، مهما بدت متشددة، لا تشكل بمفردها دليلا على التطرف العنيف، ولذلك ينبغي فصلها عن الأدلة الأخرى التي ظهرت لاحقا.

التحول الأبرز

التحول الأهم في ملفه وقع خلال عمله في عُمان. فبحسب "وول ستريت جورنال"، رصدت السلطات العُمانية نشاطه الإلكتروني ووجدت أنه يتابع مواقع ومدونات ذات محتوى متطرف، وخلصت إلى أن المخاوف المتعلقة بأفكاره بلغت مستوى لا يسمح باستمراره في الطيران.

رويترز
صورة من الداخل لطائرة "فلاي دبي" محل الجدل، في 30 سبتمبر 2026

وفي عام 2024 أُبعد عن قمرة القيادة، ونُقل إلى وظيفة إدارية في "الطيران العُماني"، كما خضع لبرنامج لمكافحة التطرف. لكن هذه الإجراءات لم تتحول، وفق ما نشرته الصحيفة، إلى تحذير دولي يمنعه بصورة تلقائية من العمل طيارا لدى شركة أخرى، ولم تُسحب رخصته بطريقة تحول دون استخدام مؤهلاته خارج السلطنة.

بحسب الروايات المنشورة عن التحقيق، وقع اعتداء داخل قمرة القيادة، واتُهم الهمامي باستخدام فأس الطوارئ للاعتداء على قائد الطائرة ومحاولة السيطرة على أجهزة التحكم

وغادر الهمامي "الطيران العُماني" في مطلع عام 2025، ثم توجه إلى المغرب، حيث خضع لدى "الخطوط الملكية المغربية" لتدريب نظري استمر نحو ثلاثة أشهر في إطار عملية تسبق التوظيف. ولم ينته ذلك بتعيينه في الشركة، ولم تعلن "الخطوط الملكية المغربية" سببا تفصيليا لعدم توظيفه.

وبعد أشهر، وجد الهمامي فرصة أخرى. ففي فبراير/شباط 2026 وظفته "فلاي دبي" مساعد طيار. ووفقا لتقارير إعلامية، أجرت الشركة فحصا لسجله الجنائي، لكنها لم تحصل من السلطات العُمانية على المعلومات المتعلقة بالمخاوف الأمنية التي أدت إلى إبعاده عن الطيران. وهذه النقطة أصبحت إحدى أهم حلقات التحقيق: كيف تمكن طيار كانت سلطات بلده قد اعتبرت أن المخاوف المتعلقة بتطرفه تستدعي إبعاده عن قمرة القيادة من اجتياز إجراءات التوظيف والعودة إلى قيادة طائرات ركاب؟

رحلات جوية إلى إسرائيل

وزاد الأمر حساسية أن الهمامي بدأ ضمن عمله في "فلاي دبي" تنفيذ رحلات إلى إسرائيل. فهو مواطن عُماني، فيما لا تقيم سلطنة عُمان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، كانت هناك إجراءات إسرائيلية يفترض بموجبها التدقيق في جنسية أفراد أطقم الرحلات القادمة إلى إسرائيل من الدول التي لا تقيم معها علاقات دبلوماسية. كما ذكرت "واشنطن بوست" أن الجانب الإسرائيلي كان يتلقى مسبقا معلومات عن الركاب وأفراد الطاقم وجنسياتهم. ومع ذلك، نفذ الهمامي رحلات إلى تل أبيب قبل الحادث، وهو ما دفع السلطات الإسرائيلية بعده إلى مراجعة الإجراءات التي سمحت بذلك.

فلايت رادار/ رويترز
تُظهر لقطة شاشة من موقع "فلايت رادار 24" رحلة تابعة لشركة فلاي دبي متجهة إلى إسرائيل، وقد حُوّلت مسارها إلى السعودية في 30 سبتمبر 2026

كما عاد المحققون إلى نشاطه الإلكتروني بحثا عن مؤشرات أكثر مباشرة على التطرف العنيف. ومن أبرز المواد التي كشفتها "سي إن إن" مقطع صُوّر خلال فترة عمله في "الطيران العُماني"، ظهرت فيه طائرات تابعة لشركة "العال" الإسرائيلية في مطار دبي، وأضيفت إليه صور لأيمن الظواهري، الزعيم السابق لتنظيم "القاعدة"، ولهمام خليل أبو ملال البلوي، منفذ الهجوم الانتحاري الذي استهدف قاعدة للاستخبارات الأميركية في خوست بأفغانستان عام 2009 وقتل سبعة من موظفي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه). غير أن توقيت نشر المقطع يفرض قدرا كبيرا من الحذر: فقد ظهر على حساب مرتبط بالهمامي بعد ساعات من حادث الطائرة، عندما كان الهمامي قد أصبح قيد الاحتجاز. ولم تتمكن "سي إن إن" من تحديد ما إذا كان قد أعده مسبقا وحدد موعد نشره، أم إن شخصا آخر كان يستطيع الدخول إلى حسابه. ولذلك فإن مضمون المقطع مهم في التحقيق، لكن ظروف نشره لا تزال غير محسومة.

الرحلة الأخيرة

وفي 30 سبتمبر/أيلول 2026، وصل المسار كله إلى الرحلة "إف زد 1073" التابعة لـ"فلاي دبي"، التي أقلعت من دبي متجهة إلى تل أبيب وعلى متنها 174 راكبا. كان الهمامي مساعدا لقائد الطائرة. وبحسب الروايات المنشورة عن التحقيق، وقع اعتداء داخل قمرة القيادة، واتُهم الهمامي باستخدام فأس الطوارئ للاعتداء على قائد الطائرة ومحاولة السيطرة على أجهزة التحكم.

وذكرت "وول ستريت جورنال"، نقلا عن رواية قائد الطائرة، أن الهمامي استأذن للصلاة قبل بدء الاعتداء. وخلال الصراع فقدت الطائرة ارتفاعا بسرعة كبيرة، قبل أن يتمكن القائد، رغم إصابته، من فتح باب قمرة القيادة وتدخل آخرين للمساعدة في السيطرة على الهمامي واستعادة التحكم بالطائرة. وتحولت الرحلة إلى مدينة تبوك السعودية، حيث هبطت بسلام.

لا تكمن أهمية قصة المشتبه به همام الهمامي فقط في ما جرى داخل قمرة الطائرة، بل في السنوات التي سبقته. فالمحققون يحاولون اليوم ملء فراغات تمتد من زياراته إلى سوريا وهو مراهق

وصفت السلطات الإماراتية ما حدث بأنه محاولة لتنفيذ "عمل إرهابي"، لكن التحقيق لم يحسم حتى الآن السؤال الأهم المتعلق بوجود جهة تقف خلف الهمامي. فلا يوجد، استنادا إلى ما نشرته "وول ستريت جورنال" و"واشنطن بوست" و"بي بي سي" و"سي إن إن"، دليل معلن يثبت أن الهمامي كان عضوا في تنظيم "القاعدة" أو "داعش"، أو إنه تلقى تعليمات من تنظيم مسلح أو دولة لتنفيذ الهجوم.

بهذا المعنى، لا تكمن أهمية قصة همام الهمامي فقط في ما جرى داخل قمرة الطائرة، بل في السنوات التي سبقته. فالمحققون يحاولون اليوم ملء فراغات تمتد من زياراته إلى سوريا وهو مراهق، إلى سنوات دراسته في أستراليا، ثم صعوده المهني في "الطيران العُماني"، ورصد نشاطه الإلكتروني وإبعاده عن الطيران، ومروره بالمغرب، وأخيرا عودته إلى قمرة القيادة عبر "فلاي دبي". وبين كل هذه المحطات يبقى سؤال بداية التطرف مفتوحا: لا توجد معلومات كافية للقول إنه بدأ في سوريا، ولا دليل معلنا على أنه بدأ في أستراليا، فيما أول إجراء أمني معروف وموثق ضده ظهر لاحقا في عُمان.

الثابت حتى الآن أن إشارات التحذير سبقت حادث الطائرة. فقد اعتبرت السلطات العُمانية أن المخاوف المتعلقة بالهمامي كافية لإبعاده عن الطيران وإخضاعه لبرنامج لمواجهة التطرف، لكنه تمكن لاحقا من البحث عن عمل لدى شركة طيران أخرى، ثم العودة فعليا إلى قمرة القيادة مع "فلاي دبي".

font change