المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي... سباق تسلح أم تعددية قطبية؟

حروب الظل في السيليكون

"المجلة"
"المجلة"

المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي... سباق تسلح أم تعددية قطبية؟

يتحول الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة إلى واحدة من الساحات المركزية في تنافس القوى الكبرى داخل الجغرافيا السياسية المعاصرة. وحين بدأ النظام "أحادي القطب" الذي قادته الولايات المتحدة خلال تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية يتراجع تدريجيا في العقد التالي، توقع كثير من المحللين والخبراء أن يشبه العهد الجديد مراحل سابقة من التنافس متعدد الأقطاب. وقد صدقت هذه التوقعات في جوانب كثيرة. فلا تزال القوة العسكرية من أبرز معايير مكانة "القوة العظمى"، فيما تؤكد الصراعات التقليدية، ومنها الحربان في أوكرانيا وإيران، استمرار حضورها وتأثيرها. كذلك تظل الثروة والقوة الاقتصادية من المؤشرات الأساسية إلى نفوذ الدول على الساحة الدولية. وإلى جانب هذه المقاييس التقليدية، تتقدم القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي لتغدو عنصرا حيويا من عناصر القوة الوطنية، فيما تنفق الحكومات مبالغ ضخمة لمواكبة منافسيها.

ومن الطبيعي أن يصف بعضهم هذه المنافسة بأنها "سباق تسلح" في الذكاء الاصطناعي تتصدره الولايات المتحدة والصين. فقد ابتعدت واشنطن وبكين بفارق كبير عن أقرب منافسيهما، مع احتفاظ الولايات المتحدة بالموقع الأقوى إجمالا، على الرغم من نجاح الصين في تقليص الفجوة بسرعة في مجالات عدة. ولم يكن مستغربا أن تُعقد مقارنات مع "سباقات" سابقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، سواء في تطوير الأسلحة النووية أو استكشاف الفضاء.

أنفقت الشركات الأميركية بين عامي 2013 و2024 نحو 471 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي، مقابل 119 مليار دولار للشركات الصينية، فيما جاءت المملكة المتحدة في المرتبة الثالثة بإنفاق لم يتجاوز 28 مليار دولار

في المقابل، يرى آخرون أن استعارة سباق التسلح تختزل واقعا أكثر تعقيدا. وتقول ديان كويل، أستاذة السياسات العامة في جامعة كامبريدج، إن تنافس الولايات المتحدة والصين في الذكاء الاصطناعي لا يفرض بالضرورة لعبة "صفرية" لا يربح فيها طرف إلا بخسارة الآخر. وترى أن "القوى الوسطى" في عالم الذكاء الاصطناعي، مثل الاتحاد الأوروبي والسعودية والإمارات، تستطيع اتخاذ خيارات استراتيجية وتجنب الانجرار الحاسم إلى أحد المعسكرين كلما أمكن، بما يعزز قدرا أكبر من "التعددية القطبية" في هذا المجال المتسارع.

سباق تسلح أميركي-صيني؟

تصف مجلة "ذي إيكونوميست" الولايات المتحدة والصين بأنهما "القوتان العظميان في عالم الذكاء الاصطناعي"، مع تقدم الأولى. وتعتمد القوة الأميركية في هذا المجال إلى حد بعيد على القطاع الخاص، فيما تتولى الحكومة توجيهه عبر استثمارات استراتيجية وبيئة تنظيمية أقل تشددا نسبيا. ففي عام 2025 وحده، قاربت الاستثمارات الخاصة الأميركية في الذكاء الاصطناعي 300 مليار دولار، بينما تجاوزت قيمة العقود الفيدرالية الملزمة مباشرة في هذا القطاع 7 مليارات دولار عام 2026. وفي المقابل، أفادت تقارير في العام نفسه بأن الصين تعد برنامجا يمتد خمسة أعوام بقيمة 295 مليار دولار لتوسيع بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وعلى خلاف الولايات المتحدة، تضطلع الكيانات المدعومة من الدولة والمملوكة لها بدور أكبر بكثير في تمويل البنية التحتية الصينية للذكاء الاصطناعي وبنائها.

ولإدراك حجم الفارق مع بقية دول العالم، أفادت تقارير إعلامية في فبراير/شباط بأن الشركات الأميركية أنفقت بين عامي 2013 و2024 نحو 471 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي، مقابل 119 مليار دولار للشركات الصينية، فيما جاءت المملكة المتحدة في المرتبة الثالثة بفارق واسع، بإنفاق لم يتجاوز 28 مليار دولار.

تنجذب الدول المرتبطة بالصين تجاريا في أفريقيا وآسيا إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية الأقل تكلفة والمفتوحة الأوزان، فيما تعتمد اقتصادات غربية كثيرة اعتمادا عميقا على المنتجات الأميركية

وإلى جانب التفاوت في التمويل، تختلف مقاربة القوتين العظميين للذكاء الاصطناعي. فقد شهدت الولايات المتحدة، التي تتصدر المنافسة، استثمارات رأسمالية ضخمة في المكونات الرئيسة لمنظومة الذكاء الاصطناعي، ومنها مراكز البيانات والنماذج المتقدمة. أما الصين، فقد واجهت صعوبة في مجاراة الولايات المتحدة في الوصول إلى الرقائق الأكثر تطورا وبعض أشكال الاستثمار واسع النطاق في النماذج المتقدمة، فركزت بدرجة أكبر على رفع كفاءة الأبحاث وتطوير قدراتها الحاسوبية المحلية. وبفضل هذه المقاربة، تمكنت الصين، رغم استمرار تأخرها، من تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة في مجالات عدة، وقدمت منتجات بديلة للذكاء الاصطناعي بتكاليف أقل.

 

أ.ف.ب
امرأة تلامس يد روبوت بشري من شركة كينون روبوتكس خلال فعاليات المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي، الصين، 18 يوليو 2026

وفي يناير/كانون الثاني 2025، فاجأت الصين قطاع التكنولوجيا بإطلاق نموذج "ديب سيك آر 1"، وهو نموذج توليدي نافس أبرز النماذج الأميركية، مع أن تدريبه، بحسب التقارير، تطلب إنفاقا أقل بكثير. ومع متابعة كل طرف تطور قدرات الآخر بقلق، حرصت بكين وواشنطن على منع المنافسين من الوصول إلى أحدث تقنياتهما. ففي يونيو/حزيران، منعت وزارة التجارة الأميركية لفترة وجيزة الرعايا الأجانب، داخل الولايات المتحدة وخارجها، من الوصول إلى أكثر نماذج شركة "أنثروبيك" تطورا، وهما "فايبل-5" و"ميثوس-5". وبعد ذلك بقليل، فرضت شركة "أوبن إيه آي" قيودا مماثلة. وفي الشهر التالي، أفادت وكالة "رويترز" بأن مسؤولين صينيين يدرسون تقييد وصول الأجانب إلى بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في البلاد.

ويبدو هذا المشهد، على نحو متزايد، أقرب إلى "سباق" من طراز الحرب الباردة. وكما حدث في الصراع بين الشيوعية والرأسمالية، يسعى الطرفان إلى امتلاك أكثر التقنيات تطورا، ويدفعان بقية العالم نحو معسكرين متنافسين. ومع تباعد المقاربتين الصينية والأميركية، وسعي كل طرف إلى منع الآخر من الوصول إلى منظومته الخاصة للذكاء الاصطناعي، يواجه العالم خيارا متزايد الحدة بين "حزمتين تقنيتين" متنافستين، إحداهما صينية والأخرى أميركية.

وقبل أعوام قليلة، كان في وسع الدول والشركات الجمع بين مكونات مختلفة للذكاء الاصطناعي مصدرها الولايات المتحدة أو الصين، واختيار ما يناسبها من كل منظومة. أما اليوم، فتجعل واشنطن وبكين هذا المزج أكثر صعوبة، مع اتجاه عالم الذكاء الاصطناعي نحو ثنائية قطبية متنامية. وفي ظل هذا التشظي، تواجه الحكومات والشركات متعددة الجنسيات خيارات استراتيجية أشد صرامة وحدّة.

طريق وسط لـ"القوى الوسطى" في الذكاء الاصطناعي

تنجذب الدول المرتبطة بالصين تجاريا في أفريقيا وآسيا إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية الأقل تكلفة والمفتوحة الأوزان، فيما تعتمد اقتصادات غربية كثيرة اعتمادا عميقا على المنتجات الأميركية، وقد ربطت إدارة ترمب الوصول إلى هذه المنتجات، على نحو متزايد، بمفاوضات أوسع تتصل بالتجارة والأمن والدبلوماسية. غير أن حكومات عدة لا تسير في هذا الاتجاه، مما دفع بعض الباحثين، ومنهم البروفيسورة كويل، إلى التشكيك في سردية "سباق التسلح".

وتعرف كويل "القوى الوسطى" بأنها جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والدول متوسطة الدخل، باستثناء الولايات المتحدة والصين. وعلى الرغم من إدراك هذه الدول الحاد للتنافس بين القوتين العظميين وتفاعلها معه، فإنها تتخذ خيارات استراتيجية مدروسة للحد من مواطن ضعفها.

لا يزال الوقت مبكرا لمعرفة ما إذا كان تطور الذكاء الاصطناعي سيبقى سباقا ثنائيا بين الصين والولايات المتحدة، أم إن إحدى القوى الوسطى ستتمكن من تقديم تحد جدي لهما

ويتطلع عدد متزايد منها إلى تطوير "ذكاء اصطناعي سيادي"، أو، بصورة أكثر واقعية، إلى بناء قدرات وبنى تحتية محلية كافية للحد من الاعتماد المفرط على الصين والولايات المتحدة. ويمكن لهذا التوجه أن يحقق فوائد مالية وأمنية وجيوسياسية، إذ قد يقلص التدفقات المالية إلى الخارج الناجمة عن الاعتماد على مزودي الذكاء الاصطناعي الأجانب، ويبقي البيانات الأمنية الحساسة داخل الدولة، ويجنبها الارتهان الكامل لواشنطن أو بكين. ولهذا يضخ الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا والهند والمملكة المتحدة والسعودية والإمارات وكوريا الجنوبية وسنغافورة، إلى جانب دول أخرى، استثمارات كبيرة في تطوير قدراتها الخاصة في الذكاء الاصطناعي.

أ.ف.ب
زائر يجرب محاكيا لـ"الحرب الإلكترونية" في جناح القوات المسلحة الألمانية "البوندسفير" خلال معرض هانوفر الصناعي، 20 أبريل 2026

ولا تتوهم هذه الدول أن تلك الاستثمارات ستتيح لها الانفصال كليا عن الصين والولايات المتحدة. فمعظمها يتقبل استمرار اعتماده على إحداهما أو كلتيهما لبعض الوقت، رغم تزايد صعوبة البيئة المحيطة. فعلى سبيل المثال، تخطط السعودية والإمارات لاستثمار أكثر من 100 مليار جنيه إسترليني في الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك جعلتا الحصول على الرقائق الأميركية الحيوية بندا رئيسا في المحادثات مع دونالد ترمب خلال زياراته الأخيرة.

لكن تطوير قدرات وطنية في الذكاء الاصطناعي، كما تشير مجلة "ذي إيكونوميست"، يمنح القوى الوسطى نفوذا أكبر في تعاملها مع واشنطن و/أو بكين، حتى إن ظلت بعيدة عن تحقيق "السيادة" الكاملة. ومن شأن هذا النفوذ أن يصعب على أي من القوتين دفع حلفائها إلى تبعية مطلقة لا تقبل النقاش.

ثنائية قطبية أم تعددية في الذكاء الاصطناعي؟

لا يزال أثر هذا النشاط الذي تبديه القوى الوسطى في الجغرافيا السياسية العالمية غير واضح. فمن جهة، قد لا تتجاوز محاولات بناء "ذكاء اصطناعي سيادي" توفير قدر من الحماية لعدد محدود من الدول الغنية. وخلال الحرب الباردة، طورت فرنسا وبريطانيا والصين والهند وجنوب أفريقيا وإسرائيل أسلحتها النووية بصورة مستقلة عن القوتين العظميين، لكن ذلك لم يخرج العالم من هيمنة الثنائية القطبية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

ومن جهة أخرى، لا يتحتم أن يصبح سباق التسلح بين القوتين المتصدرتين السمة الغالبة على النظام الدولي. فعشية الحرب العالمية الأولى، انخرطت المملكة المتحدة وألمانيا في سباق تسلح على سفن "دريدنوت" الحربية، لكنه ظل عنصرا واحدا ضمن نظام عالمي أوسع متعدد الأقطاب، ولم يتحول إلى السمة التي تحدده كله.

ولا يزال الوقت مبكرا لمعرفة ما إذا كان تطور الذكاء الاصطناعي سيبقى سباقا ثنائيا بين الصين والولايات المتحدة، أم إن إحدى القوى الوسطى ستتمكن من تقديم تحد جدي لهما. وحتى إذا استمر سباق التسلح في الذكاء الاصطناعي بين بكين وواشنطن، فلا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيجري داخل النظام العالمي الحالي متعدد الأقطاب، أم سيسهم في دفع بقية العالم نحو جغرافيا سياسية ثنائية القطب.

ويبقى السؤال اللافت: هل سيعكس الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف النظام الجيوسياسي القائم من قبل، أم سيشارك في صياغته وتحديد ملامحه؟

font change

مقالات ذات صلة