"الناتو" يعزز وجوده في الفضاء... قوة مشتركة وسيادة منفصلة

يعيد مشروع "هالو" تعريف العمليات الفضائية المشتركة ويخلق نمطا جديدا من الاعتماد العسكري المتبادل

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

"الناتو" يعزز وجوده في الفضاء... قوة مشتركة وسيادة منفصلة

فتحت دول حلف شمال الأطلسي فصلا جديدا في عملياتها الفضائية المشتركة، عبر إطلاق مبادرات متعددة الجنسيات تهدف إلى ربط القدرات الوطنية في شبكة أكثر تكاملا ومرونة، وتعزيز قدرة الحلف على الاتصالات العسكرية والاستطلاع والإنذار المبكر وتتبع الصواريخ. وفي صدارة هذه التحركات جاءت مبادرة "هالو" التي أطلقتها ثماني دول خلال منتدى الصناعات الدفاعية المصاحب لقمة الناتو في أنقرة، بهدف دمج الأقمار العسكرية المملوكة للدول الأعضاء في كوكبة شبكية ضخمة، بما يحد من قيود التكلفة والتغطية وبطء تطوير الأساطيل الفضائية المنفردة.

تزامن إطلاق المبادرة مع توسيع برامج أخرى تشمل الإطلاق السريع للأقمار الصناعية والمراقبة المستمرة من الفضاء، إلى جانب إعلان كندا وإسبانيا وتركيا مساهمات جديدة في البنية الفضائية للحلف، في خطوة تعكس انتقال الفضاء من مجال داعم للعمليات العسكرية إلى ساحة مركزية في التخطيط الدفاعي للناتو.

وأطلقت المبادرة كل من كندا والدانمارك وفنلندا وألمانيا وهولندا والنروج والسويد وتركيا، في السابع من يوليو/تموز 2026 لربط أقمارها الصناعية العسكرية في شبكة فضائية موحدة، مع احتفاظ كل دولة بملكية أقمارها والسيطرة عليها، لدعم شبكة الاتصالات العسكرية السريعة وجمع المعلومات وتتبع الصواريخ وتخفيف تكلفة بناء أسطول فضائي متكامل بصورة منفردة.

وتتجاوز أهمية "هالو" قدراتها العسكرية المباشرة، إذ تعكس تحولا أوسع في مفهوم القوة الفضائية. فلم يعد التفوق يقاس بعدد الأقمار التي تمتلكها الدولة فقط، بل بقدرتها على ربطها بأقمار الحلفاء وتشغيلها ضمن شبكة مرنة تتبادل البيانات وتواصل العمل حتى عند تعرض بعض عناصرها للتشويش أو الهجوم.

لا يقتصر هذا الاتجاه على الناتو، إذ تعمل تحالفات دولية أخرى على تنسيق قدراتها الفضائية وتبادل المعلومات. هكذا تنتقل المنافسة تدريجيا من سباق بين برامج وطنية منفردة إلى سباق بين شبكات وتحالفات فضائية، قد تكون الغلبة فيه للأقدر على الربط والإدارة واستثمار البيانات، لا للأكثر امتلاكا للأقمار وحده.

تعزيز الاتصال والتكامل

لا يملك حلف شمال الأطلسي حاليا كوكبة أقمار صناعية تابعة له، فقد أطلق ثمانية أقمار مخصصة للاتصالات بين عامي 1970 و1993. ومنذ عام 2005 بدأ الحلف انتقالا تدريجيا من تشغيل أقمار يمتلكها إلى الاعتماد على خدمات تقدمها الأقمار العسكرية الوطنية للدول الأعضاء. ويعمل الناتو اليوم عبر برنامج خدمات الاتصالات الفضائية من الجيل السادس، الذي بدأ تقديم خدماته في يناير/كانون الثاني 2020 ويستمر حتى نهاية عام 2034، بميزانية تبلغ مليار يورو. ويتيح البرنامج للحلف الوصول إلى أربعة أنظمة عسكرية وطنية، هي "سيراكيوز" الفرنسية، "سيكرال" الإيطالية، "سكاي نت" البريطانية، و"دبليو جي إس" الأميركية.

ويقدم النظام ثلاثة مستويات من الاتصالات، يستخدم المستوى الأول لنقل كميات كبيرة من البيانات إلى القواعد والوحدات العسكرية المنتشرة، بينما يخصص المستوى الثاني للاتصالات التكتيكية بين القوات العاملة في الميدان. أما المستوى الثالث فيوفر اتصالات أكثر أمنا وقدرة على الاستمرار خلال التشويش أو داخل البيئات العسكرية الشديدة الخطورة.

لم يكشف الناتو حتى الآن عدد الأقمار المقرر ضمها إلى الشبكة أو هوياتها. كما لم يحدد المدارات التي ستعمل فيها، أو ما إذا كان تبادل البيانات سيجري مباشرة بين الأقمار أم عبر محطات أرضية

وتتولى وكالة الاتصالات والمعلومات التابعة للناتو توزيع احتياجات المستخدمين على السعات الفضائية التي تقدمها الدول الأربع. وبهذه الآلية يحصل الحلف على خدمة اتصالات فضائية مشتركة، من دون أن يمتلك الأقمار الصناعية أو يسيطر عليها بصورة مباشرة.

تأتي مبادرة "هالو" لتوسيع هذا النموذج وتطويره، لا لاستبداله بصورة فورية. فبدلا من الاكتفاء بشراء سعات اتصال من أقمار وطنية، تسعى الدول الثماني المشاركة إلى ربط أقمارها العسكرية ضمن ما وصفه الناتو بأنه كوكبة ضخمة ومترابطة. وستبقى الأقمار مملوكة للدول وخاضعة لسيطرتها الوطنية، لكن المشروع سيعزز الاتصال والتكامل بينها، بما يتيح دعم الاتصالات العالية السرعة، ونقل المعلومات الاستخباراتية، وتتبع الصواريخ. ولا يتحدث الحلف هنا عن إطلاق قمر باسم "هالو"، بل عن إنشاء طبقة شبكية تربط أنظمة عسكرية فضائية قائمة أو ستطورها الدول المشاركة لاحقا.

REUTERS
الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أثناء حديثه إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد قمة قادة الناتو في أنقرة، تركيا، في 8 يوليو 2026

لم يكشف الناتو حتى الآن عدد الأقمار المقرر ضمها إلى الشبكة أو هوياتها. كما لم يحدد المدارات التي ستعمل فيها، أو ما إذا كان تبادل البيانات سيجري مباشرة بين الأقمار أم عبر محطات أرضية. ولا تتوافر معلومات معلنة عن الترددات، أو بروتوكولات الاتصال، أو أنظمة التشفير، أو الميزانية، أو موعد بدء التشغيل. ووصف نائب الأمين العام للناتو المبادرة بأنها مشروع يستكشف إمكان تطوير هذه الكوكبة، فيما يصنفها الحلف رسميا على أنها لا تزال في مرحلة التأسيس.

توزيع المهام

مع ذلك، يبدو الهدف الاستراتيجي للمبادرة أوضح من تفاصيلها التقنية، فقد أوضح الناتو أن كوكبات الدولة الواحدة قد تتعرض لهجمات سيبرانية أو للتشويش أو للتدمير المادي، كما قد تواجه صعوبة في نقل كميات كبيرة من البيانات بمفردها. ومن خلال "هالو"، يريد الحلف توزيع مهام الاتصالات وجمع المعلومات وتتبع الصواريخ على أقمار تابعة لدول عدة. وإذا تعطل أحد الأنظمة، فقد تتيح الشبكة تحويل بعض المهام أو البيانات إلى نظام آخر. ولا يتمثل الهدف في منع الهجمات على الأقمار، بل في تقليص قدرة الخصم على تعطيل عمليات الناتو عبر استهداف عدد محدود منها.

ويتوافق هذا النموذج مع السياسة الفضائية للناتو، التي تؤكد أن الحلف لا يسعى إلى التحول إلى قوة فضائية مستقلة، ولا يعتزم تطوير أقمار خاصة به. وتحتفظ كل دولة بسيادتها الكاملة على أقمارها وقدراتها الفضائية، بينما تقدم البيانات والخدمات للحلف طوعا ووفقا لقوانينها الوطنية. وبذلك توفر "هالو" للناتو وسيلة لتوسيع قدراته من دون شراء كوكبة مركزية وإدارتها، مع إبقاء الأصول الفضائية الحساسة تحت السيطرة الوطنية المباشرة للدول المشاركة.

يتولى مركز العمليات الفضائية التابع للناتو في قاعدة رامشتاين بألمانيا تنسيق هذه الجهود من داخل قيادة الحلف الجوية. وبدأ المركز العمل بصورته الحالية عام 2024، ليشكل حلقة وصل بين قادة الناتو والمراكز والوكالات الفضائية الوطنية

لا تقتصر استراتيجيا الناتو الفضائية على حماية الأقمار من التشويش والهجمات. فمنذ إعلان الفضاء مجالا عملياتيا خامسا عام 2019، يعمل الحلف على دمج الخدمات الفضائية في عملياته العسكرية، وبناء صورة مشتركة للأنشطة والتهديدات في المدار. كما يسعى إلى تعزيز قدرة الدول الأعضاء على تبادل المعلومات وتشغيل أنظمتها بصورة متكاملة، وضمان استمرار الاتصالات والملاحة والإنذار الصاروخي خلال الأزمات والحروب. وفي المفهوم الاستراتيجي لعام 2022، تعهد الناتو بتطوير قدراته على منع التهديدات الفضائية واكتشافها والتصدي لها والرد عليها، إلى جانب تعزيز مرونة الأنظمة التي يعتمد عليها في الدفاع الجماعي.

AFP
أفراد الطاقم العسكري الفرنسي يصعدون على متن طائرة Awacs -نظام التحذير والتحكم المحمول جوا- التابعة للجيش الفرنسي

ويتولى مركز العمليات الفضائية التابع للناتو في قاعدة رامشتاين بألمانيا تنسيق هذه الجهود من داخل قيادة الحلف الجوية. وبدأ المركز العمل بصورته الحالية عام 2024، ليشكل حلقة وصل بين قادة الناتو والمراكز والوكالات الفضائية الوطنية. ويجمع المركز الطلبات المتعلقة بالصور والاتصالات والبيانات الفضائية، ثم ينسق توفيرها من الدول الأعضاء. وتندرج "هالو" ضمن هذه الاستراتيجيا، إذ ستتيح للمركز الوصول إلى شبكة أوسع من الأقمار الوطنية المترابطة، بدل التعامل مع كل قدرة وطنية منفصلة. وبذلك تخدم المبادرة ثلاثة أهداف مباشرة: تسريع وصول البيانات إلى القيادة، وتوسيع التغطية، وتقليل احتمال توقف العمليات نتيجة تعطيل قمر واحد أو نظام وطني بعينه.

معركة السيطرة

لا ينفرد حلف شمال الأطلسي بالتحرك نحو دمج القدرات الفضائية الوطنية في أطر مشتركة. ففي عام 2014 أنشأت الولايات المتحدة وبريطانيا وأوستراليا وكندا مبادرة العمليات الفضائية المشتركة، قبل أن تتوسع لاحقا بانضمام فرنسا وألمانيا ونيوزيلندا، ثم إيطاليا واليابان والنروج، ليرتفع عدد أعضائها إلى عشر دول. وتهدف المبادرة إلى تنسيق الأنشطة العسكرية في الفضاء، وتوحيد التخطيط، وتعزيز قدرة الأنظمة الوطنية على العمل بصورة متكاملة، فضلا عن تبادل المعلومات المتعلقة بالأقمار الصناعية والتهديدات القائمة في المدار.

ويتجسد البعد العملياتي لهذا التعاون في عملية المدافع الأولمبي، التي تقودها القيادة الفضائية الأميركية بمشاركة عدد من الحلفاء. وتسعى الدول المشاركة إلى بناء صورة مشتركة للأنشطة المدارية، وتنسيق حماية أقمارها، والاستجابة للتحركات التي قد تمثل تهديدا لها. وفي سبتمبر/أيلول 2025 نفذت الولايات المتحدة وبريطانيا مناورة مشتركة اقترب خلالها قمر أميركي من قمر بريطاني لفحصه. وأكدت العملية أن التعاون لم يعد يقتصر على تبادل البيانات أو التدريبات الأرضية، بل امتد إلى تحركات فعلية ومنسقة بين الأقمار داخل المدار على نحو مباشر.

تكشف هذه النماذج أن المنافسة الفضائية لم تعد تقاس فقط بعدد الأقمار التي تطلقها كل دولة، بل بقدرتها على ربط الأقمار والمحطات الأرضية ومراكز القيادة التابعة لدول متعددة داخل منظومة موحدة

يقدم الاتحاد الأوروبي نموذجا مختلفا. فمن خلال برنامج الاتصالات الحكومية عبر الأقمار الصناعية، يجمع الاتحاد السعات المتاحة لدى الدول والشركات، ثم يتيحها للحكومات الأوروبية عبر منصة موحدة. ويسمح هذا الترتيب للدول بالحصول على اتصالات آمنة خلال الأزمات والكوارث، من دون الحاجة إلى امتلاك كوكبة وطنية متكاملة. ويعمل الاتحاد أيضا على مشروع "آيريس 2"، الهادف إلى إنشاء شبكة أوروبية للاتصالات الآمنة عبر أقمار موزعة في مدارات متعددة. ولا يقتصر المشروع على الاحتياجات الدفاعية، بل يعكس مسعى أوسع لتقليل اعتماد أوروبا على الشبكات والشركات غير الأوروبية في الاتصالات الحكومية والبنية التحتية الحساسة.

وتتبنى دول "بريكس" نموذجا أقل اتصالا بالعمليات العسكرية. فقد اتفقت البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا على إنشاء كوكبة افتراضية تضم أقمار الاستشعار عن بعد التي تملكها الدول الأعضاء. وتستخدم هذه الكوكبة لتبادل الصور والبيانات المتعلقة بالكوارث والمناخ والبيئة، مع بقاء الأقمار تحت السيطرة الوطنية وعدم انتقال ملكيتها إلى المجموعة. وعلى الرغم من الطابع المدني للمشروع، فإنه يستند إلى الفكرة نفسها التي تقوم عليها "هالو": دمج القدرات الوطنية القائمة داخل شبكة أوسع، من دون بناء أسطول مشترك من الصفر.

نمط جديد

وتكشف هذه النماذج أن المنافسة الفضائية لم تعد تقاس فقط بعدد الأقمار التي تطلقها كل دولة، بل بقدرتها على ربط الأقمار والمحطات الأرضية ومراكز القيادة التابعة لدول متعددة داخل منظومة موحدة. ويخلق هذا التكامل نمطا جديدا من الاعتماد العسكري المتبادل، إذ قد تعتمد دولة على أقمار حليف آخر في الاتصالات أو المراقبة أو الإنذار الصاروخي. ومع ذلك، لا يلغي هذا الترابط السيادة الوطنية؛ إذ تحتفظ كل دولة بالقرار النهائي في شأن أقمارها ونوعية البيانات التي تسمح بمشاركتها. وقد يمنح ذلك الدول المالكة للأقمار الأكثر تطورا، ومحطات التحكم الأقوى، وقدرات تحليل البيانات الأوسع، نفوذا أكبر داخل التحالف. وفي الوقت نفسه، تصبح حدود المواجهة الفضائية أقل وضوحا، لأن استهداف قمر وطني يقدم خدمات لدول عدة قد يعطل عمليات التحالف بأكمله، ويحول هجوما على أصل تابع لدولة واحدة إلى أزمة جماعية أوسع.

AFP
لحظة انطلاق صاروخ "سبكتروم" التابع للشركة الألمانية "إيسار إيروسبيس"، الذي انفجر بعد ثوان من إطلاقه في 30 مارس 2025 من ميناء أندويا الفضائي في النروج

ويبرز هذا التحدي بوضوح أكبر في "هالو". فقد تتفق الدول تقنيا على ربط أقمارها، لكنها قد تختلف خلال الحرب في شأن طريقة استخدامها. فقد ترفض دولة توجيه قمرها لدعم عملية عسكرية لا تؤيدها، أو تفرض قيودا على الصور والمعلومات التي تتيحها للحلفاء. وقد تنشأ أيضا خلافات في شأن أولوية المهام عندما تطلب أكثر من قيادة استخدام القمر نفسه في الوقت ذاته.

ويطرح تعرض أحد الأقمار للهجوم معضلة إضافية. فقد أعلن الناتو أن هجوما كبيرا على الأصول الفضائية قد يؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، لكن القرار سيظل مرتبطا بطبيعة الهجوم وحجمه وتأثيره. ويزداد الموقف تعقيدا عندما يكون القمر مملوكا لدولة واحدة، لكنه يقدم خدمات إلى شبكة عسكرية يستخدمها الحلف بأكمله. ففي هذه الحالة، قد يستهدف الهجوم أصلا وطنيا، بينما تمتد تداعياته إلى عمليات جماعية.

لذلك، لن يتحدد نجاح التحالفات الفضائية بعدد الأقمار المرتبطة بالشبكة وحده، بل سيتوقف أيضا على وجود قواعد مسبقة لمشاركة البيانات، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ القرار خلال الأزمات. فالقوة الفعلية لا تنبع من ربط المعدات فقط، وإنما من قدرة الدول على التحرك سريعا وبكفاءة عالية بوصفها تحالفا واحدا عندما تخضع الشبكة للاختبار.

font change

مقالات ذات صلة