عين من الفضاء... إيران تراقب خصومها بتكنولوجيا صينية ودعم روسي

من المدار إلى الميدان...

Lina Jaradat
Lina Jaradat

عين من الفضاء... إيران تراقب خصومها بتكنولوجيا صينية ودعم روسي

في الشرق الأوسط، لا يكفي امتلاك الصواريخ وحده، فالفارق الحقيقي يصنعه من يسبق إلى الرؤية، ومن يمتلك الصورة الأدق، ومن يعرف كيف يحول المعلومة إلى ضربة مؤثرة. من هنا، فإن الحديث عن دعم صيني وروسي لإيران لا يندرج فقط ضمن الاصطفافات السياسية، بل يمتد إلى مستوى أكثر حساسية: تعزيز قدرات الرصد والاستهداف. نحن لا نتحدث عن حلفاء يكتفون بالتصريحات، بل عن أطراف يحتمل أنها ساهمت في سد فجوة جوهرية لدى طهران، تتعلق بكيفية مراقبة القواعد الأميركية، وتحديد الأهداف بدقة، وتحسين فاعلية الضربات.

وكانت "فايننشال تايمز" نشرت تقريرا لافتا يفيد بأن إيران حصلت سرا، في أواخر عام 2024، على قدرات استطلاع صينية مرتبطة بالقمر الاصطناعي، "عين الأرض"، المعروف اختصارا باسم TEE-01Bوبحسب التقرير، لم تقتصر هذه القدرات على التصوير التقليدي، بل استخدمت في متابعة القواعد والمواقع الأميركية في الشرق الأوسط خلال الحرب الأخيرة. وأشار التقرير إلى أن هذه المنظومة ساعدت في رصد مواقع في السعودية والأردن والبحرين والعراق، وفي بناء بنك أهداف أكثر دقة، استنادا إلى وثائق عسكرية إيرانية مسربة.

ولم تقتصر الصفقة على القمر الاصطناعي نفسه، بل شملت الوصول إلى محطات أرضية تجارية تديرها شركة صينية تقدم خدمات التحكم في الأقمار الصناعية ومعالجة البيانات. هذه الشبكة، الممتدة عبر قارات عدة، تمنح المستخدم مرونة في تحميل البيانات وتحليلها بسرعة، وهو عنصر حاسم في العمليات العسكرية الحديثة.

تشير التقارير إلى أن إيران حصلت على التحكم فيه عبر ترتيب يعرف بـ"التسليم في المدار" وهو أسلوب يسمح بنقل السيطرة على القمر بعد إطلاقه دون المرور بالقنوات التقليدية لبيع التكنولوجيا

في المقابل، نفت الصين بشكل قاطع أن يكون القمر قد استخدم لتوجيه هجمات ضد أهداف أميركية، مؤكدة أن هذه المزاعم "غير صحيحة". كما لم يصدر تعليق رسمي فوري من الولايات المتحدة أو الجهات المعنية الأخرى، مما يترك مساحة من الغموض حول التفاصيل الدقيقة.

لكن هذا الكشف يأتي في سياق أوسع من التوتر، خاصة مع تقارير أخرى تحدثت عن احتمال تزويد إيران أنظمة دفاع جوي صينية محمولة على الكتف وهي أسلحة قادرة على تهديد الطائرات المنخفضة الارتفاع بشكل فعال.

"عين الأرض"

يمثل القمر الاصطناعي الصيني "عين الأرض" نموذجا واضحا لتحول الأقمار التجارية من أدوات مدنية إلى عناصر مؤثرة في التوازنات العسكرية. فالقمر، الذي طورته شركة صينية وأطلق في يونيو/حزيران 2024، صمم أساسا لمراقبة الأرض بدقة عالية، لكنه سرعان ما اكتسب أهمية سياسية وأمنية بعد تقارير تحدثت عن استخدامه في سياق صراعات الشرق الأوسط.

من الناحية التقنية، يتمتع القمر بقدرات تصوير متقدمة تضعه ضمن فئة الأقمار العالية الدقة. إذ يمكنه التقاط صور بانكروماتية بدقة تصل إلى نحو نصف متر، مما يسمح برصد تفاصيل دقيقة مثل الطائرات والمركبات داخل القواعد العسكرية، بينما يوفر التصوير المتعدد الأطياف صورا ملونة بدقة أقل قليلا لكنها مفيدة لتحليل طبيعة الأهداف والتغيرات البيئية. كما أن عرضه الواسع، الذي يتجاوز 14 كيلومترا، يمكنه من تغطية مساحات كبيرة في لقطة واحدة، وهو ما يجعله فعالا في مراقبة مناطق واسعة دون الحاجة إلى عدد كبير من التمريرات.

يدور القمر في مدار منخفض متزامن مع الشمس على ارتفاع يقارب 545 كيلومترا، وهي ميزة تمنحه القدرة على تصوير الموقع نفسه في ظروف إضاءة متشابهة، مما يسهل مقارنة الصور عبر الزمن. هذه الخاصية تحديدا تعد ذات قيمة كبيرة في التحليل العسكري، إذ يمكن تتبع التغيرات داخل المواقع الحساسة، سواء كانت تحركات معدات أو آثار ضربات سابقة.

REUTERS
صاروخ "سيمرغ" الإيراني الحامل للأقمار الصناعية في موقع غير معلوم داخل إيران.

وتشير التقارير إلى أن إيران حصلت على التحكم فيه عبر ترتيب يعرف بـ"التسليم في المدار" وهو أسلوب يسمح بنقل السيطرة على القمر بعد إطلاقه دون المرور بالقنوات التقليدية لبيع التكنولوجيا. هذا التطور، إذا ثبتت صحته، يعني أن قدرات تصوير متقدمة أصبحت متاحة لطرف لم يكن يمتلك سابقا هذا المستوى من الدقة، متجاوزا القيود المفروضة على نقل التقنيات الحساسة.

وتؤكد تلك التقارير أن استخدام القمر لم يقتصر على المراقبة العامة، بل امتد إلى دعم العمليات العسكرية بشكل غير مباشر. فقد استخدمت صوره في التخطيط لضربات بطائرات مسيرة وصواريخ، من خلال تحديد مواقع دقيقة داخل قواعد عسكرية، كما استخدم لاحقا في تقييم نتائج تلك الضربات عبر مقارنة صور "قبل وبعد"، وهذا النوع من الاستخدام لا يجعل القمر سلاحا بحد ذاته، لكنه يجعله جزءا أساسا من منظومة اتخاذ القرار العسكري، حيث تعتمد دقة الضربات وفعاليتها بشكل متزايد على جودة المعلومات المتاحة.

رغم سعي إيران منذ سنوات لتقديم نفسها كقوة فضائية مكتفية ذاتيا، فإن الواقع يشير إلى أنها تمتلك قاعدة فضائية نامية لكنها لم تصل بعد إلى الاستقلال الكامل في الاستطلاع المتقدم والإطلاق المداري

إلى جانب ذلك، تلعب البنية التحتية الأرضية دورا محوريا في تعظيم الاستفادة من القمر. إذ تشير المعلومات إلى أن تشغيله يتم عبر شبكة محطات أرضية تجارية، تتيح نقل البيانات بسرعة ومعالجتها بكفاءة. هذه الشبكة تمنح المستخدم قدرة على الحصول على صور شبه فورية وتحليلها في وقت قصير، وهو عامل حاسم في العمليات التي تتطلب سرعة في اتخاذ القرار.

أهمية هذا الخبر لا تكمن فقط في كونه يشير إلى دعم صيني لإيران، بل في طبيعة هذا الدعم نفسه. فالمسألة، وفق ما نسب، لا تتعلق بصواريخ أو ذخائر — وهي أمور لم تحسم رواياتها بشكل قاطع من الجانبين الأميركي والصيني — بل بإضافة "عين" من الفضاء. وهذا فارق جوهري. فإيران تمتلك بالفعل وسائل هجومية متنوعة من صواريخ ومسيرات، لكن أحد تحدياتها التقليدية كان دائما مرتبطا بجودة الرؤية، فرغم سعي إيران منذ سنوات لتقديم نفسها كقوة فضائية مكتفية ذاتيا، فإن الواقع يشير إلى أنها تمتلك قاعدة فضائية نامية لكنها لم تصل بعد إلى الاستقلال الكامل في الاستطلاع المتقدم والإطلاق المداري أين يقع الهدف بدقة؟ ماذا تغير داخله؟ وما الذي ينبغي استهدافه أولا؟ هنا تبرز قيمة قمر مثل TEE-01B.

النفي الصيني

عند وضع هذا الخبر إلى جانب ما نسب إلى روسيا الشهر الماضي، تتضح صورة أوسع. ففي 6 مارس/آذار 2026 ظهرت روايات عن تزويد موسكو إيران معلومات استهداف تخص سفنا وطائرات أميركية في الشرق الأوسط، ثم تبعتها في أبريل/نيسان تقارير عن صور أقمار صناعية ودعم سيبراني لتحسين دقة الضربات. في هذا السياق، تبدو الصين—بحسب الخبر الأخير—مرتبطة بطبقة الاستطلاع الفضائي وتعزيز "الرؤية"، بينما ترتبط روسيا بطبقة أوسع من الإسناد الاستخباراتي والعملياتي. بمعنى أن الصين ربما حسنت قدرة إيران على الرصد، في حين ساعدت روسيا على تحويل هذه المعطيات إلى تأثير عملي.

أما النفي الصيني، فرغم أهميته، لا يلغي البعد السياسي للقصة. فوفق ما كشفته "فايننشال تايمز"، حصلت إيران على القمر TEE-01B في أواخر 2024، أي قبل اندلاع الحرب، مما يفتح سؤالا أوسع حول طبيعة الدعم أو التسهيل السابق، في ظل العلاقات الوثيقة بين بكين وطهران.

لم يعد البرنامج الفضائي الإيراني مجرد واجهة رمزية، بل أصبح جزءا من البنية العسكرية للدولة، وإن بدرجة تطور متوسطة. فإيران ليست قوة فضائية كبرى مثل الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا، لكنها تجاوزت أيضا مرحلة المحاولات المحدودة

ومن هنا يمكن قراءة النفي في سياق أوسع من مجرد رد إعلامي. فالصين حريصة على تجنب أي انطباع بأنها ساهمت في تطوير قدرة استهداف طالت قواعد أميركية، خصوصا في توقيت ديبلوماسي حساس يسبق القمة المرتقبة بين دونالد ترمب وشي جين بينغ في بكين منتصف مايو/أيار. ويكتسب ذلك وزنا إضافيا بعد تصريح ترمب في 15 أبريل/نيسان بأنه طلب من شي عدم إرسال أسلحة إلى إيران، وأن الأخير أكد التزام بلاده ذلك.

رغم سعي إيران منذ سنوات لتقديم نفسها كقوة فضائية مكتفية ذاتيا، فإن الواقع يشير إلى أنها تمتلك قاعدة فضائية نامية لكنها لم تصل بعد إلى الاستقلال الكامل في الاستطلاع المتقدم والإطلاق المداري. ووفق بيانات شركة BryceTech، بلغ عدد الأقمار الصناعية الإيرانية التي أطلقت حتى نهاية 2024 نحو 31 قمرا، إلى جانب 4 مركبات إطلاق نشطة و3 مواقع إطلاق رئيسة أو قيد التطوير. هذه الأرقام تعكس برنامجا حقيقيا تراكم عبر الزمن، يضم أقمارا عسكرية ومدنية وبحثية واتصالية واستشعارية، وليس مجرد محاولات رمزية.

أقمار لا تمنح الاستقلال

في قلب هذا البرنامج، تبرز الأقمار العسكرية التابعة للحرس الثوري، خاصة سلسلة "نور" بالإضافة إلى مشاريع أخرى مثل "ثريا" و"مهدا" و"كيهان-2" و"هاتف-1" و"چمران-1" ووحدات مدارية مثل "سامان-1" مما يعكس توسعا واضحا في القدرات، لكن امتلاك عدد أكبر من الأقمار لا يعني بالضرورة جودة أعلى أو استقلالا كاملا، إذ تبقى التحديات مرتبطة بالدقة والاستمرارية والموثوقية، خاصة في ظروف الأزمات.

أما على مستوى البنية التحتية، فيبرز مركز الإمام الخميني الفضائي قرب سمنان كأهم موقع مدني، إلى جانب موقع شاهرود التابع للحرس الثوري الذي يمثل العمود الفقري للأنشطة العسكرية، خاصة إطلاق أقمار "نور". كما يظهر ميناء جابهار الفضائي كمشروع قيد التطوير تسعى إيران من خلاله إلى توسيع قدراتها المستقبلية في مجال الإطلاق.

REUTERS
ينطلق صاروخ الإطلاق "سويوز-2.1b" حاملاً القمر الصناعي الإيراني "خيام" من منصة الإطلاق في مركز "بايكونور" الفضائي بكازاخستان

في المقابل، تكشف هذه الوقائع حدود البرنامج الفضائي الإيراني. فطهران لم تعتمد على قدراتها المحلية وحدها، بل لجأت إلى روسيا لإطلاق وتشغيل بعض أهم أقمارها، مثل "خيام" عام 2022 و"بارس-1" في فبراير/شباط 2024، ثم "كوثر" و"هدهد" في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه. كما أقرت، بحسب "رويترز"، بأن بنيتها المحلية لا تملك بعد القدرة الكاملة لوضع بعض الأقمار في المدار الشمسي المتزامن بالميل المطلوب، وهو مدار حاسم لأقمار الاستطلاع. ومع ظهور رواية القمر الصيني TEE-01B، يتعزز الانطباع بأن إيران، رغم ما راكمته، لا تزال تعتمد على روسيا في الإطلاق، وعلى الصين أو شراكاتها في بعض القدرات الاستخبارية الأكثر تقدما.

بالتالي، لم يعد البرنامج الفضائي الإيراني مجرد واجهة رمزية، بل أصبح جزءا من البنية العسكرية للدولة، وإن بدرجة تطور متوسطة. فإيران ليست قوة فضائية كبرى مثل الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا، لكنها تجاوزت أيضا مرحلة المحاولات المحدودة، ونجحت في بناء قاعدة فضائية معتبرة. غير أن القيمة العسكرية لهذه القاعدة لا تقاس بالعدد فقط، بل بالوظائف التي توفرها، مثل الاستطلاع، ومراقبة التحركات، وتحديث بنك الأهداف، وتقييم نتائج الضربات.

ومع ذلك، تظل هذه القدرات مفيدة لكنها محدودة، إذ لا تمنح إيران تفوقا فضائيا مستقلا أو تغطية مستمرة وعالية الاعتمادية. كما أن الاعتماد على الخارج في الإطلاق والحصول على تقنيات مثل TEE-01B يكشف استمرار فجوات في الدقة، والمدارات المثلى، والاستقلال الكامل في التشغيل.

font change