عقدة الصين في إيران... لماذا لا تملك بكين خيارات جيدة؟

لا تستطيع الصين أن تتحمل سقوط طهران ولا أن تتحمل انتصارها ولا أن تواصل المراقبة فترة أطول

أكسيل رانجيل غارسيا
أكسيل رانجيل غارسيا

عقدة الصين في إيران... لماذا لا تملك بكين خيارات جيدة؟

منذ أن استهدفت عملية "الغضب الملحمي" طهران في 28 فبراير/شباط، أصدرت الصين سيلا من البيانات الدبلوماسية، فنددت بالضربات الأميركية-الإسرائيلية، ودعت إلى وقف إطلاق النار، واستحضرت مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، واقترحت مبادرة سلام مشتركة من خمس نقاط مع باكستان. لكن ذلك كله لم يتبعه أي سلاح، ولا قطعة بحرية، ولا مستشار عسكري واحد. ذلك في ظل تقارير- بعضها صادر من باكستان نفسها ومن جهات مطلعة- تشير إلى دور صيني في التوصل إلى هدنة الأسبوعين بين إيران والولايات المتحدة والتي أعلنتها إسلام آباد، العاصمة الباكستانية التي تنتظر، السبت، عقد أول جولة تفاوض بين مبعوثي كلا البلدين بعد الحرب.

وعلى نطاق واسع، يصور هذا السلوك على أنه "تحفظ استراتيجي" صيني، لكن الصين عالقة بين مآلين كارثيين، يهدد كل منهما بإلحاق أضرار جسيمة بها في المدى القريب والبعيد معا. وتشتري بكين الوقت بيأس، فيما تتناقص احتياطياتها النفطية يوما بعد يوم، وتتشكل خطتها التالية على عجل.

ولفهم موقع الصين، ينبغي العودة إلى أساسيات الجغرافيا السياسية. يقع مضيق هرمز بين ساحلين يجسدان فئتين مختلفتين من المصالح الصينية. إلى غربه تمتد البصمة التجارية الصينية الراهنة: السعودية، والإمارات، والكويت، وقطر، والعراق، وعمان، وهي دول تعد الصين أكبر شريك تجاري لها، وتستثمر صناديقها السيادية في التكنولوجيا الصينية وصناعات البتروكيماويات، وتوفر بنيتها التحتية عقودا لشركات البناء الصينية، ويغذي نفطها الخام المحرك الاقتصادي الذي تقوم عليه الصناعة الصينية. أما إلى شرق المضيق، فيقع شريك من نوع آخر، ركيزة جيوسياسية للصين. وإيران ليست الشريك الاقتصادي الأثمن لبكين. فلو غاب النفط الإيراني، فقد تنهار بعض المصافي الصينية الخاصة التي تعتمد على خام منخفض السعر، لكن ذلك لا يوجه إلى الصين ضربة قاتلة. أما من الناحية الاستراتيجية، فلا غنى عن إيران. فبقاء نظامها ضروري لمنع الشرق الأوسط بأكمله من الانضواء تحت المظلة الأمنية الأميركية، بما يعرّض المصالح الصينية الضخمة في المنطقة لاحتمالات الإكراه الأميركي.

ولا تستطيع بكين أن تتحمل سقوط إيران، ولا أن تتحمل انتصارها، ولا أن تواصل المراقبة فترة أطول.

بين نتيجتين كارثيتين

لنبدأ بالسيناريو الذي يعمل عليه متشددو إيران. فلا تقوم استراتيجية طهران على الانتصار في حرب تقليدية ضد الولايات المتحدة، بل على إيقاع قدر كاف من الألم الاقتصادي بدول الخليج، حتى يقتنع شركاء واشنطن بأن كلفة الاصطفاف مع أميركا بلغت حدا لا يطاق. ويظل مضيق هرمز أداتها الأساسية. فعبر هذا الممر البحري الخانق، الذي يبلغ عرضه 21 ميلا، يمر يوميا نحو 20 في المئة من النفط والغاز المتداولين عالميا. ويغدو نظام الرسوم الذي يحدده "الحرس الثوري" الإيراني، والمقوّم باليوان، والذي يفرض قرابة دولار واحد على البرميل مقابل العبور المعتمد، أقل أهمية بوصفه موردا ماليا، وأكثر دلالة بوصفه استعراضا للسيادة، إذ تعيد طهران تعريف ممر مائي دولي كأنه أرض تحت السيادة الإيرانية.

قد يكون إغلاق مضيق هرمز مؤلما اقتصاديا فحسب بالنسبة إلى الاقتصادات الكبرى الأخرى في شرق آسيا وجنوب آسيا وأوروبا الغربية، لكنه يشكل بالنسبة إلى الصين تهديدا وجوديا يتجاوز الاقتصاد

والهدف هو تقويض صورة الحصانة العسكرية والمالية الأميركية بوصفها غير قابلة للمساس. لكن الضرر الجانبي يقع بصورة غير متناسبة على الصين. فبكين تستورد قرابة 40 في المئة من نفط الخليج، وتوفر السعودية وحدها نحو 17 في المئة من إجمالي واردات الصين من الخام. كما تسهم الإمارات والعراق أيضا بنسب كبيرة. وتتجاوز التزامات الصين في البنية التحتية لمبادرة "الحزام والطريق" في الخليج 200 مليار دولار. وبلغ حجم تجارتها الثنائية مع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون، إضافة إلى العراق، قرابة 350 مليار دولار في عام 2024، وهو رقم يفوق كثيرا الانكشاف التجاري الأميركي على المنطقة. وعندما تسلح إيران مضيق هرمز، فإنها لا تفرض "ضريبة" على المصالح الأميركية في المقام الأول، بل على متانة الصين الصناعية. فإيران التي "تنتصر" عبر خنق الخليج لا تمنح بكين نصرا، بل تضعها أمام أزمة طاقة، وتمزق في سلاسل الإمداد، واستثمارات في البنية التحتية تتحول إلى أنقاض، ورسالة مفادها أن أهم ممر تستورد الصين عبره الطاقة يمكن أن يحتجز رهينة لدى شريك يعده كثيرون حليفا لبكين.

غير أن النتيجة المعاكسة تنطوي على مخاطر جيوسياسية أكبر. فهزيمة إيران، بمعنى قيام نظام إقليمي جديد تنضوي فيه دول الخليج وإيران نفسها بصورة حاسمة ضمن ترتيب أحادي القطب تقوده واشنطن وتل أبيب، ستجعل المصالح الصينية الحيوية في الخليج خاضعة للأوامر الأميركية. وكان التقارب السعودي-الإيراني الذي رعت بكين مساره في عام 2023 أبرز إنجاز دبلوماسي صيني في الشرق الأوسط، إذ قدم دليلا على أن الصين تستطيع الإسهام في توفير أمن إقليمي من دون الإكراه الذي يفرضه الحضور العسكري الأميركي. وسيقوض نصر أميركي-إسرائيلي حاسم طموح الصين إلى دعم توازن قوى إقليمي من أساسه. وسيكون لدى السعودية والإمارات وبقية دول مجلس التعاون كل دافع عقلاني لتعزيز العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة وكبح التمدد الصيني في المنطقة.

رويترز
مرافق مصنع سينوبك في شنغهاي، الصين، 26 مارس 2026

ولهذا تواجه بكين معضلة لا حل ثنائيا لها، ولا يبقى أمامها سوى ممر استراتيجي ضيق يمكن تصوره. فإذا انتصرت إيران، تحولت الصين إلى دولة تابعة لها، وأخضعت أمن طاقتها للضمانات العسكرية الإيرانية في المضيق. وإذا خسرت إيران، لم تعد مصالح الصين الضخمة في الخليج، من تجارة النفط إلى الاستثمار في البنية التحتية وتبادل رأس المال والتكنولوجيا، آمنة، وانهار النظام الإقليمي الذي عملت بكين على رعايته زمنا طويلا بضربة واحدة.

وفوق هذا المأزق الذي لا يفضي إلى نصر، تواجه بكين أزمة إضافية فريدة تتمحور بالكامل حول مضيق هرمز.

لماذا يستطيع العالم الانتظار بينما تعجز الصين عن ذلك؟

قد يكون إغلاق مضيق هرمز مؤلما اقتصاديا فحسب بالنسبة إلى الاقتصادات الكبرى الأخرى في شرق آسيا وجنوب آسيا وأوروبا الغربية، لكنه يشكل بالنسبة إلى الصين تهديدا وجوديا يتجاوز الاقتصاد.

فتعاني اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند والاتحاد الأوروبي صدمة ارتفاع أسعار النفط، وتواجه جميعها اضطرابات في الإمدادات. لكن يتوافر لها جميعا، وقد عرض عليها، مخرج أخير يتمثل في الولايات المتحدة وذراعها النفطية الجديدة، فنزويلا. وتسيطر واشنطن على أكبر احتياطي نفطي استراتيجي في العالم، وتنتج نفطا أكثر من أي دولة أخرى، كما تعمل محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال لديها بكامل طاقتها وتواصل التوسع. ويمكن للدول التي تبقى ضمن البنية الأمنية الأميركية- بعضها على نحو غير كامل وبعضها على مضض- أن تؤمن ترتيبات طاقة بديلة إذا ظل المضيق مغلقا. وستدفع ثمنا أعلى، وستعاني، لكنها ستبقى قادرة على الصمود.

الصين أكبر مستورد للطاقة في العالم، واحتياطياتها محدودة مهما بلغت. وحتى 2 مارس، كانت تخزن 1.39 مليار برميل من النفط، وهو ما يكفي لتغطية 120 يوما من صافي واردات الخام وفق مستويات عام 2025

أما الصين فلا تستطيع ذلك. فالولايات المتحدة ليست مجرد منافس جيوسياسي للصين على نحو مجرد، بل غدت القوة المهيمنة عالميا بما يخدم مصالحها، والقادرة على خنق إمدادات الطاقة الصينية إذا رأت في ذلك ما يلائمها ويفيدها. وتخيل هذا المستقبل: تتحول الصين، مثل بقية القوى الكبرى في العالم، إلى شراء نفطها من الولايات المتحدة ووكلائها. وفي سيناريو يتعلق بتايوان، لا يعود الأسطول الأميركي بحاجة إلى قصف الموانئ الصينية، إذ يكفي أن توقف واشنطن إمدادات النفط إلى الصين. ومن دون الوقود الأحفوري، لا تستطيع السفن الحربية الصينية بسط قوتها عبر غرب المحيط الهادئ. والصواريخ لا تطير على الألواح الشمسية. وحتى مسيّرات "شاهد" الإيرانية تطير بمحركات احتراق داخلي صغيرة تعمل بالبنزين. ومن دون البتروكيماويات تتوقف آلة الحرب الصينية. وعندئذ يغدو الاعتماد على طاقة أميركية حبة السم بالنسبة إلى الصين.

وعلى خلاف أي اقتصاد كبير آخر، تواجه الصين تهديدا وجوديا من إغلاق مضيق هرمز. وقد تتحمل دول أخرى تبعاته، أما الصين فلا تستطيع السماح بأن يصبح الإغلاق دائما، ولا بأن يتحول ما يتيحه من حرمان من الطاقة إلى أمر اعتيادي.

مصيدة المضيق

الصين أكبر مستورد للطاقة في العالم، واحتياطياتها محدودة مهما بلغت. وحتى 2 مارس/آذار، كانت تخزن 1.39 مليار برميل من النفط، وهو ما يكفي لتغطية 120 يوما من صافي واردات الخام وفق مستويات عام 2025. ودخلت هذه الحرب وهي أكثر استعدادا مما ظنه أي مراقب خارجي، إذ راكمت المخزون عبر حملة طويلة ومتعمدة امتدت سنوات، لتهيئة اقتصادها لمواجهة تهديد محتمل للطاقة من الولايات المتحدة في سياق تايوان. ومع اندلاع الحرب في إيران، أصبح ذلك المخزون مفيدا على نحو عارض. لكن احتياطيات الصين، مهما عظمت، تمضي في عد تنازلي يمتد تقريبا حتى يونيو/حزيران.

رويترز
سفن شحن في الخليج العربي، قرب مضيق هرمز، كما تُرى من شمال رأس الخيمة، في الإمارات العربية المتحدة، 11 مارس 2026

وجاء رد إيران على مسألة إعادة فتح المضيق عبر إنشاء ما يشبه نظام رسوم سياديا في واحد من أكثر الممرات المائية الدولية حساسية في العالم. فعلى السفن التي تطلب عبورا آمنا أن تجتاز عملية تدقيق يديرها "الحرس الثوري" الإيراني، مع قبول المدفوعات باليوان الصيني أو بالعملات المستقرة. ويزج هذا التصميم الخاص باليوان بالصين في دور ضامن استراتيجي ضمني، إذ يدفع بكين إلى تمرير العائدات عبر نظامها الموازي لتسوية العملات، متجاوزة الدولار.

وهنا تتجسد معضلة الصين المركزية في المضيق. فلا يُعد هرمز، تحت السيطرة البحرية الأميركية، خيارا مقبولا لها، كما لا يعد إغلاقه تحت السيطرة الإيرانية خيارا مقبولا أيضا. ولدى بكين خياران عقلانيان. أولهما أن تفاوض إيران ثنائيا لضمان استمرار عبور شحناتها. لكن هذا التفاوض يجعل الصين رهينة للمزاج الجيوسياسي الإيراني. وثانيهما أن تقود تحالفا متعدد الأطراف من دول الجنوب العالمي للتفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز بصورة جماعية.

وقد أظهرت إيران بالفعل أنها ستسخر مرور النفط الصيني لانتزاع مكاسب استراتيجية. ففي مارس/آذار، حين حظر مسؤولون إيرانيون مرور سفينتين صينيتين تابعتين لـ"كوسكو"، استند "الحرس الثوري" إلى توقفهما أخيرا في موانئ دبي وأبوظبي والدمام بوصفه سببا مانعا. وهكذا، فإن "الوصول المميز" للصين امتياز قابل للسحب يمنحه شريك لا تربطه التزامات ملزمة، وليس حقا تمارسه دولة حليفة أمنيا.

تدفع الطاقة والغذاء والتصنيع والتكنولوجيا اقتصاد الصين المستعد لظروف الحرب، وهو التحول الذي تستعد له بكين الآن. وقد ضربت حرب إيران أمن الطاقة الصيني مباشرة

وإذا نجحت إيران في ترسيخ نظام الرسوم بصورة دائمة فوق مضيق هرمز، فلن تجد الصين نفسها دولة تابعة لإيران فحسب، بل دولة معتمدة عليها. فعندئذ ستغدو سلسلة إمدادات الطاقة الخليجية بأكملها، التي تمثل نحو 55 في المئة من إجمالي واردات الصين من الخام، خاضعة لرحمة حسن النية الإيراني، والسياسة الداخلية الإيرانية، وتقدير "الحرس الثوري" لمدى انسجام السلوك التجاري الصيني مع المصالح الاستراتيجية لإيران. وفوق ذلك، سيقع الممر الحيوي للطاقة في الصين تحت ضمانة أمنية إيرانية ضمنية.

وفي المقابل، تستطيع الصين أن تقود تحالفا متعدد الأطراف من دول الجنوب العالمي للتفاوض على فتح المضيق تحت راية حرية الملاحة. وسيثبت هذا الخيار تفوقه الاستراتيجي في كل الأبعاد. فإذا تمكنت بكين من جمع تحالف من دول غير غربية يضمن المرور عبر مضيق هرمز، فستغير شروط الصراع كله. وعندئذ ستصبح أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، التي تختنق اقتصاداتها بالقدر نفسه بفعل الإغلاق، معتمدة على بنية متعددة الأطراف تقودها الصين، لا على القوة البحرية الأميركية. كما ستكتسب اقتصادات "آسيان"- التي باتت الحلقة الأهم في سلاسل الإمداد الصناعية العالمية- ثقة أكبر في البنية العالمية التي تقودها الصين. وستفقد الولايات المتحدة سرديتها بوصفها الضامن الذي لا غنى عنه للتجارة العالمية. وفي المقابل، ستكسب بكين ما سعت إليه منذ زمن، وهو تقديم برهان على أن نموذجها للتعددية القطبية، المدعوم بتدخل غير عسكري، يحقق سلاما وازدهارا مستدامين.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونظيره الباكستاني إسحاق دار في بكين، في 31 مارس 2026

وتزيد "اتفاقية باكستان"، وهي مبادرة من خمس نقاط بين الصين وباكستان كُشف عنها في 31 مارس/آذار، من إلحاح استئناف الملاحة الاعتيادية عبر المضيق. وتمثل هذه المبادرة الخطوة الأولى المترددة لبكين نحو المسار متعدد الأطراف لحل معضلة هرمز. وتعكس خطوطها العامة، التي تدعو إلى إعادة فتح المضيق من دون تحديد الجهة التي ستفعل ذلك أو آلية التنفيذ، عدم استعداد الصين لتحمل هذا التحدي الملح، فضلا عن نقص الوسائل المتاحة لها حاليا لبلوغ النتيجة متعددة الأطراف التي تقصدها. ولدى بكين 90 يوما إضافيا لصياغة حل، قبل أن تتحول حرب إيران إلى أزمة تخصها هي نفسها.

أبعد من النفط: نقاط الضعف المتسلسلة التي لا تستطيع بكين التحوط منها

تدفع الطاقة والغذاء والتصنيع والتكنولوجيا اقتصاد الصين المستعد لظروف الحرب، وهو التحول الذي تستعد له بكين الآن. وقد ضربت حرب إيران أمن الطاقة الصيني مباشرة، ثم سرعان ما زعزعت آثارها المتفرعة أمن الصين الغذائي، ومتانة صناعتها، واكتفاءها الذاتي التكنولوجي.

وتبدو جبهة التصنيع شديدة الحدة على وجه الخصوص. فقد تجاوزت "سينوبك" شركة "باسف" لتصبح أكبر شركة كيماويات في العالم. وبعدما كانت الصين أكبر مستورد للبتروكيماويات في العالم، أصبحت أكبر منتج ومورد لها. وهذا المحرك الصناعي لا يعمل بالطاقة الشمسية، بل على النافتا وغاز البترول المسال ومدخلات بتروكيماوية تتدفق من منطقة الخليج. وتترجم ارتفاعات أسعار هذه المدخلات مباشرة إلى ارتفاعات في تكاليف الإنتاج عبر القاعدة الصناعية الصينية، في اللحظة نفسها التي تتحمل فيها هذه القاعدة أصلا وطأة ضغوط الرسوم الجمركية الأميركية.

ثم تبرز جبهة التكنولوجيا، وهي جبهة لم تنل حتى الآن ما تستحقه من اهتمام. فقد أنتجت قطر نحو 63 مليون متر مكعب من الهيليوم في عام 2025، وهو ما يعادل ثلث المعروض العالمي. وأوقفت الضربات الإيرانية على البنية التحتية الغازية في قطر هذا الإنتاج. ويعد الهيليوم، بوصفه منتجا ثانويا لعمليات إنتاج الغاز الطبيعي المسال، ضروريا لتصنيع أشباه الموصلات، بما في ذلك الرقائق المتقدمة التي تستخدمها نماذج الذكاء الاصطناعي المنتجة في مصانع تصنيع الرقائق في آسيا. وبينما يمكن تكديس النفط على نحو استراتيجي، لا يمكن حتى تخزين الهيليوم. وتهدد حرب ممتدة تبقي منشآت الغاز الطبيعي المسال في قطر خارج الخدمة سلسلة إمدادات أشباه الموصلات في الصين، في وقت تراهن فيه بكين على اقتصاد الذكاء الاصطناعي عبر تصنيع رقائق محلية بوصفه مسألة أمن قومي ملحة. فالبلد الذي ينجح في إنتاج الرقائق هو الذي يفوز بالسباق الاقتصادي العالمي الحاسم، فيما يخرج من الجولة التالية البلد الذي ينفد لديه الهيليوم أولا.

ما تقتضيه اللحظة الآن هو أن تتقدم الصين وتقود ائتلافا للتفاوض مع إيران من أجل الحفاظ على المضيق ممرا مفتوحا لعبور الطاقة. وهي، بذلك، لا تقدم تنازلا لواشنطن، بل تحمي مصلحة اقتصادية عالمية

ويزيد أمن الغذاء من تعقيد الضغوط الاقتصادية على الصين. فقد تجاوزت الصين الولايات المتحدة في عام 2021 لتصبح أكبر مستورد للغذاء في العالم. وتمثل منطقة الخليج نحو 30 إلى 35 في المئة من صادرات اليوريا العالمية، ونحو 20 إلى 30 في المئة من صادرات الأمونيا العالمية، وهما من الأسمدة التي يقوم عليها الإنتاج الزراعي العالمي. وبالنسبة إلى أكبر مستورد للغذاء في العالم، فإن اضطرابا في الأسمدة بهذا الحجم، إذا تزامن مع موسم الزراعة الربيعي، يشكل تهديدا مباشرا للإنتاج الزراعي في عام 2026، وقد يدفع أيضا أسعار الغذاء إلى الارتفاع حتى عام 2027.

وهكذا تتعرض الطاقة والغذاء والتصنيع والتكنولوجيا، وهي شرايين الصين الاقتصادية الأربعة، لضربة من حرب لم تبدأها الصين ولا تستطيع إيقافها.

لحظة لا تملك بكين رفاهية إهدارها

مرة أخرى، لا تستطيع بكين أن تتحمل انتصار إيران، ولا أن تتحمل هزيمتها، ولا أن تواصل أيضا مراقبة إغلاق مضيق هرمز.

وتقتضي خطتها المثلى أن تدعم إيران بالقدر الكافي لإبقاء النظام قابلا للحياة، ومنع إعادة ضبط أحادي القطب في الإقليم تفرضها الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن من دون أن يشتد هذا الدعم إلى حد الإسهام في تغطية كلفة تدمير دول الخليج، حيث تقع المصالح الاقتصادية الحيوية للصين. فلا تتمثل الغاية في نصر إيراني يقوض الدول العربية، بل في بقاء إيران بما يضمن استمرار بنية توازن القوى في الشرق الأوسط.

وتكشف "اتفاقية باكستان" حدود الدبلوماسية. فلم تزحزح دعوات بكين إلى "العبور الطبيعي" نقطة الجباية الإيرانية قيد أنملة. ومع ذلك، تملك الصين نفوذا على إيران. فهي توفر الآلية التي تتيح لطهران تحقيق عائدات من نفطها تحت العقوبات، وتسوية المعاملات خارج نظام "سويفت"، ودعم القاعدة المالية للنظام.

ما تقتضيه اللحظة الآن هو أن تتقدم الصين وتقود ائتلافا للتفاوض مع إيران من أجل الحفاظ على المضيق ممرا مفتوحا لعبور الطاقة. وهي، بذلك، لا تقدم تنازلا لواشنطن، بل تحمي مصلحة اقتصادية عالمية بالنيابة عن كثير من دول الجنوب العالمي.

وقد منحت الحرب بكين لحظة تاريخية لم تسع إليها ولم تتهيأ بعد لاستثمارها. فحرب إيران خلقت فراغا دبلوماسيا لا يملؤه إلا طرف يملك، في آن واحد، نفوذا على طهران والرياض وسوق الطاقة العالمية. وتعد الصين، في هذه اللحظة، الدولة الوحيدة التي ينطبق عليها هذا الوصف على نحو معقول.

وما إذا كانت بكين ستغتنم هذه اللحظة قبل أن ينفد عداد احتياطياتها لا يحدد فقط الكيفية التي سينتهي بها هذا الصراع، بل يحدد أيضا شكل النظام العالمي عند نهايته.

font change

مقالات ذات صلة