الجنرالات الذين أطاح بهم الزعيم الصيني... عقوبات قاسية غير متوقعة

شي جينبينغ يرفع الحد الأدنى لعقاب المستهدفين بحملات التطهير

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
أعضاء من الوفد العسكري الصيني يصلون إلى الجلسة الختامية للمجلس الوطني لنواب الشعب في قاعة الشعب الكبرى ببكين، 12 مارس 2026

الجنرالات الذين أطاح بهم الزعيم الصيني... عقوبات قاسية غير متوقعة

في 7 مايو/أيار، أصدرت محكمة عسكرية صينية حكما تاريخيا بحق وزيري الدفاع السابقين، وعضوي اللجنة العسكرية المركزية، وي فنغخه ولي شانغفو، بعد نحو ثلاثة أعوام على بدء التحقيقات. وفرضت المحكمة على الرجلين عقوبة الإعدام مع وقف التنفيذ، على أن تخفف إلى السجن المؤبد بعد عامين، مع حظر دائم للإفراج المشروط وأي تخفيف إضافي للعقوبة. ورغم أن أحكام الإعدام مع وقف التنفيذ شائعة في قضايا الفساد على المستويات العليا، بل إن كثيرين ممن تصدر بحقهم هذه الأحكام يخرجون لاحقا رغم أن العقوبة الرسمية تصبح السجن المؤبد، فإن النص صراحة على منع الإفراج المشروط ومنع تخفيف العقوبة يمثل خطوة بالغة القسوة واستثنائية. وبذلك أصبح وي ولي أعلى مسؤولين، من أصحاب المستوى الإداري دون الوطني، وهي الرتبة الواقعة مباشرة تحت رتبة المكتب السياسي، تصدر بحقهما في جمهورية الصين الشعبية عقوبة السجن المؤبد الدائم.

وفي صباح اليوم التالي، نشرت صحيفة "جيش التحرير الشعبي"، وهي الصحيفة الرسمية للجيش، تعليقا في صفحتها الأولى بشأن الحكمين. وبلهجة حادة تستدعي مقولة الثوري الصيني ماو تسي تونغ، التي تؤكد أن القوات المسلحة تخضع لسلطة الحزب لا لسلطة القادة الأفراد، اتهمت الصحيفة الرجلين بأنهما "أضمرا عدم الولاء للحزب"، وحذرت من أن "الجيش يحمل السلاح، ولا يجوز أن يكون فيه أحد غير وفي". وقبل ذلك بأسابيع قليلة، أكد الزعيم الصيني شي جينبينغ، خلال جلسة تدريب لكبار القادة العسكريين، أن حملة مكافحة الفساد داخل الجيش "بعيدة عن نهايتها". وتؤسس الأحكام القاسية بحق وي ولي، في الواقع، معايير جديدة لعقاب قادة الجيش، وتضع سابقة يمكن أن تستخدم ضد عشرات الضباط الآخرين.

تعاملت قراءات كثيرة خارج الصين مع هذا التسلسل بوصفه الفصل الختامي لقضية فساد "قوة الصواريخ" التي طال أمدها، وهي حملة تطهير واسعة في عام 2023 أطاحت بقيادة القوات الصاروخية الاستراتيجية الصينية، وأجهزة المشتريات العسكرية، والقطاع الدفاعي عموما. ورأى بعض المحللين أن قسوة الأحكام دليل على "الثورة الذاتية" المتواصلة لدى شي، بينما اعتبرها آخرون أثرا لفقدانه الثقة بجنرالاته. ولا تخلو أي من القراءتين من وجاهة في إطارها الخاص، لكنهما معا تعجزان عن تفسير سبب اختيار جهاز شي، في هذا الأسبوع تحديدا، إرفاق مجموعة بعينها من العبارات بمجموعة بعينها من الأحكام. كما لا تفسران سبب إعلان هذه الأحكام الآن، في خضم حملة تطهير أوسع لا تزال جارية.

(أ.ف.ب)
عنصر أمن يقف للحراسة قبل الجلسة العامة الثانية للمجلس الوطني لنواب الشعب في بكين، 8 مارس 2025

كانت هذه الاختيارات كلها مقصودة. فعند قراءة الأحكام الصادرة في 7 مايو وتعليق 8 مايو إلى جانب تسلسل لوائح الاتهام الرسمية التي أصدرها شي بحق مساعديه الذين سقطوا خلال العامين الماضيين، يتضح أن الأمر يشكل سلما تصاعديا لا لبس فيه في لغة الاتهام السياسي. لذلك، فإن التفسير الأرجح هو أن هذه الأحكام ليست فصلا ختاميا على الإطلاق، بل محاولة لتحديد الحد الأدنى، وربما حملة ضغط، ترمي إلى إرساء خط أساس قانوني وخطابي أكثر ارتفاعا لملفات مسؤولين آخرين لم يدانوا بعد، بل إن بعضهم لم توجه إليه اتهامات رسمية أصلا. وقد توحي أحكام وي ولي بأننا أمام حقبة جديدة من حملات التطهير التي يقودها شي، إذا استطاع إنجاحها.

تؤسس الأحكام القاسية معايير جديدة لعقاب قادة الجيش، وتضع سابقة يمكن أن تستخدم ضد عشرات الضباط الآخرين

في الواقع، أعاد شي توظيف مبدأ ماو القائل إن الحزب ينبغي أن يسيطر على السلاح. فمنذ عام 2017، نص ميثاق "الحزب الشيوعي الصيني" على "نظام مسؤولية رئيس اللجنة العسكرية المركزية"، الذي يمرر كل قرار عسكري كبير عبر رئيس اللجنة العسكرية المركزية، وهو منصب يشغله شي نفسه. وما كان في السابق عقيدة تؤكد أولوية الحزب على السلاح، صار في الممارسة عقيدة تؤكد أولوية شي الشخصية على كليهما. ولم يعد "الولاء" الذي تكتب عنه صحيفة "جيش التحرير الشعبي" ولاء مجردا للحزب، بل ولاء محدد لشي.

بدأ النمط مع وي فنغخه ولي شانغفو. فعندما أعلن المكتب السياسي رسميا طرد الرجلين من الحزب في يونيو/حزيران 2024، اتهمهما الإشعار الرسمي بالفساد وبـ"انهيار العقيدة وتراجع الولاء". وقال إن سلوكهما "لوث البيئة السياسية للقوات". كانت تلك لغة قاسية، لكنها ظلت ضمن إطار يفسر القضية بوصفها فسادا.

وجاءت المحطة التالية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما أعلنت وزارة الدفاع الوطني الصينية طرد تسعة ضباط كبار، بدءا بعضو المكتب السياسي آنذاك ونائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية خه ويدونغ، ومدير إدارة العمل السياسي مياو هوا. جاء بيان الوزارة مقتضبا وبيروقراطيا، لكن افتتاحية نشرتها صحيفة "جيش التحرير الشعبي" في اليوم التالي أضافت اللغة التي حجبها البيان الأصلي. وقيل إن خه ومياو وسبعة ضباط آخرين عانوا "انهيار الإيمان وتراخي الولاء"، وأنهم "ألحقوا ضررا بالغا بمبدأ قيادة الحزب للسلاح وبنظام مسؤولية رئيس اللجنة العسكرية المركزية". وللمرة الأولى، وجه اتهام علني إلى عضو في المكتب السياسي وعضو في اللجنة العسكرية المركزية بمهاجمة الأساس المؤسسي لسلطة شي العسكرية، لا بمجرد الفساد.

(أ.ف.ب)
الزعيم الصيني شي جينبينغ يظهر على شاشة عملاقة خلال عرض عسكري في ساحة تيانانمن بمناسبة الذكرى الثمانين للانتصار على اليابان ونهاية الحرب العالمية الثانية، 3 سبتمبر 2025

وبلغ التصعيد ذروته الراهنة في يناير/كانون الثاني من هذا العام مع تشانغ يو شيا، النائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، وهو أعلى قائد عسكري في الصين إلى جانب شي، ومع ليو تشن لي، رئيس هيئة الأركان المشتركة. وخلال أيام من اعتقال تشانغ وليو، أعلنت وزارة الدفاع الوطني فتح تحقيقات رسمية. واتهم تعليق لاحق في صحيفة "جيش التحرير الشعبي"، وهو أول بيان رسمي في القضية، الرجلين بأنهما "داسا بصورة خطيرة على نظام مسؤولية رئيس اللجنة العسكرية المركزية وألحقا به ضررا بالغا"، وبأنهما "فاقما بصورة خطيرة مشكلات سياسية ومشكلات فساد تؤثر في القيادة المطلقة للحزب على الجيش وتهدد أسس حكم الحزب". لا تنتمي هذه العبارات إلى قاموس الفساد، بل تمثل أشد صيغة اتهام سياسي متاحة في مفردات الجيش الصيني، وقد استعملت عند افتتاح القضية لا عند اختتامها.

أعاد شي جينبينغ توظيف مبدأ ماو تسي تونغ القائل إن الحزب ينبغي أن يسيطر على السلاح

أما تعليق صحيفة "جيش التحرير الشعبي" الصادر في 8 مايو بشأن وي ولي، فيذهب إلى ما هو أدق من مجرد تكرار صيغة الاتهام المستخدمة ضد الضباط الذين شملتهم قضيتا خه وتشانغ. فقد كان إشعار عام 2024 الأصلي قد صاغ مخالفات وي ولي أساسا في إطار الفساد، لكن افتتاحية 8 مايو وضعت عدم الولاء السياسي في الصدارة. ومع ذلك، لم تصل الافتتاحية إلى حد اتهامهما بالصيغة الأشد المخصصة للضباط الأعلى على سلم الاتهام، وإن كانت الفجوة قد ضاقت. بهذه الطريقة، يُدفع وي ولي درجة أعلى على سلم الاتهام، بما يتيح المضي في القضايا الأثقل من دون أن يظهر الحد الأدنى الجديد للعقاب وكأنه يتغير أمام الجميع.

ويعزز هذا التفسير أن الإدانات صدرت في توقيت غير مألوف، وسط حملة تطهير لا تزال جارية. وبين القضايا غير المعالجة الأعلى من وي ولي، يظل ملف تشانغ الأصعب دفعا إلى الأمام. فهو من أبناء النخبة الحمراء، ويتمتع بشبكة علاقات واسعة ومتشعبة، وله صلات تمتد عقودا داخل الحزب والدولة. ونادرا ما يواجه سياسيون كبار بهذه السمات اتهامات رسمية من دون أن يتحرك وسطاء بهدوء لدى القيادة دفاعا عنهم. وبإنزال أقسى العقوبات بوي ولي، اللذين يُنظر إليهما على نطاق واسع بوصفهما من شبكة تشانغ، يكون شي قد سحب أوراق المساومة التي كان يمكن لهؤلاء الوسطاء استخدامها.

يصعب تجاهل النمط عند جمع هذه العناصر. فقد تخلى شي عن توازن حقبة ما بعد ماو ذي الطابع الأوليغارشي، حين كانت حصانة النخبة عند أعلى القمة تمنع سياسة البلاط من الانزلاق مجددا إلى تطهيرات على الطريقة الماوية. وترسخ جزءا من هذه الصفقة في القانون أيضا. فقد استبدل تعديل عام 2015 لقانون العقوبات عقوبة الإعدام الفوري في قضايا الرشوة بأحكام إعدام مع وقف التنفيذ تخفف إلى السجن المؤبد الدائم. ومنذ ذلك الحين، صار السجن المؤبد الدائم السقف العملي للمسؤولين المدنيين من المستوى الوزاري، بمن فيهم أمناء الحزب السابقون على مستوى المقاطعات، ومنهم: باي إين بي الذي حكم عليه في 2016، وتشاو تشنغيونغ في 2020، ووزير العدل السابق فو تشنغهوا في 2022.

(رويترز)
وزير الدفاع الصيني وي فنغه قبل اجتماع مع نظيره البرازيلي في برازيليا، 6 سبتمبر 2018

يعد وي فنغخه ولي شانغفو أعلى مسؤولين، من أصحاب مستوى إداري دون وطني، يصدر بحقهما في جمهورية الصين الشعبية حكم بالسجن المؤبد الدائم. وكانت الأحكام السابقة عند هذا المستوى لا تتجاوز السجن المؤبد التقليدي. وقد رفع شي بالفعل الحد الأدنى للعقوبة مرة واحدة. ويبقى السؤال الحاسم في القضايا المتبقية: هل يرتفع هذا الحد مجددا ليبلغ مستوى المكتب السياسي؟

نادرا ما يواجه سياسيون كبارا اتهامات رسمية من دون أن يتحرك وسطاء بهدوء لدى القيادة دفاعا عنهم

يطرح تشانغ يو شيا أعقد معضلة. فهو لا يزال عضوا في المكتب السياسي، وقد ألحقت به لائحة اتهام سياسية هي الأشد بين كل القضايا حتى الآن. غير أن تشانغ بلغ الخامسة والسبعين في العام الماضي، وهي السن التي يحظر عندها القانون الصيني أحكام الإعدام، بما فيها الإعدام مع وقف التنفيذ، إلا في قضايا قتل تتسم بوحشية استثنائية. لذلك لا تتجاوز أثقل عقوبة يتيحها القانون بحقه السجن المؤبد التقليدي، وهي عقوبة أخف مما ناله وي ولي، وأخف كثيرا مما توحي به اللغة المستخدمة في قضيته.

بهذا المعنى، يصبح خه ويدونغ اختبارا للحد الأدنى الجديد للعقوبة الذي يسعى شي إلى ترسيخه. فعلى خلاف تشانغ، يمكن من حيث المبدأ، أن يتلقى خه العقوبة نفسها التي تلقاها وي ولي. وباستثناء المحاكمة ذات الطابع السياسي لـ"عصابة الأربعة" في عام 1981، لم يصدر بحق أي عضو في المكتب السياسي حكم بالإعدام مع وقف التنفيذ، فضلا عن حكم يحرم صاحبه من الإفراج المشروط ومن تخفيف العقوبة. وإذا فرضت هذه العقوبة على خه، فستضع سقفا جديدا لرتبة المكتب السياسي نفسها، سقفا ينطبق بالقدر ذاته على أعضاء مدنيين في المكتب السياسي يخضعون للتحقيق حاليا، مثل ما شينغ روي.

وسيفرض خرق هذا الحاجز كلفة حقيقية. وستفهم شبكات أبناء النخبة وكبار المسؤولين المتقاعدين الذين مارسوا ضغوطا بصمت في السابق أن أي التماس مستقبلي لن يجد أذنا صاغية، وسيصير انتزاع تعاونهم أكثر صعوبة، وهو تعاون لا يزال شي بحاجة إليه. وستبرز أيضا مشكلة أشد حرجا، إذ إن لائحة الاتهام السياسية الموجهة إلى تشانغ أثقل من لائحة خه، ومع ذلك ستكون عقوبة تشانغ أخف، وهو ما يصعب تبريره قانونيا أمام أعضاء الحزب والرأي العام.

(رويترز)
وزير الدفاع الصيني لي شانغفو خلال مشاركته في حوار شانغريلا الأمني بسنغافورة، 2 يونيو 2023

لكن القيود المعيارية لم تكبح شي، كما أظهر العقد الماضي. ويمثل تصاعد اللغة السياسية في لوائح الاتهام الرسمية- التي لا تصف خه وتشانغ بوصفهما مسؤولين فاسدين فحسب، بل بوصفهما رجلين هاجما شخصيا أسس سلطة الحزب- جزءا من حجة تمهيدية تسبق المسار القانوني لتفسير سبب عدم انطباق سقف المكتب السياسي. ويبدو أن شي يمهد الطريق لأحكام آثر النظام حتى الآن تجنب إصدارها.

في تاريخ "الحزب الشيوعي الصيني" لم يصدر حكم بالإعدام مع وقف التنفيذ بحق أي عضو في المكتب السياسي باستثناء المحاكمة ذات الطابع السياسي لـ"عصابة الأربعة" في عام 1981

إلا أن المضي أبعد في تشديد العقوبات يكشف عن مشكلة بنيوية. فعندما يصير العقاب الأشد النتيجة المتوقعة لأعضاء المكتب السياسي المدانين، يفقد أثره الردعي الإضافي في مستوى يصعب فيه تحقيق الردع أصلا. ولا يجد المسؤول الذي يتوقع سلفا أقصى عقوبة دافعا إلى تقليص ما يفعله وهو يتجه نحو السقوط. وكلما صار الحد الأدنى للعقوبة أشد، ضعفت قدرة هذا الحد على كبح السلوك الذي يفترض أن يقيده.

وتشير الأدلة السابقة إلى أن القيمة الردعية للأحكام القاسية في قمة السياسة الصينية محدودة جدا. فلم يحد إعدام نائب رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب، تشنغ كه جيه، في عام 2000، من انفلات الفساد في حقبة هو جينتاو، التي شهدت أكثر فترات فساد النخبة تساهلا في تاريخ الحزب. ولم يوقف أيضا إعدام لاي شياومين في عام 2021، وهو رئيس مجلس إدارة التكتل المالي المملوك للدولة تشاينا هوارونغ، تدفق وسطاء ماليين جدد لخدمة الثروات المرتبطة بالنفوذ السياسي.

(رويترز)
نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الصينية تشانغ يوشيا وأعضاء اللجنة بعد انتخابهم خلال جلسة للمجلس الوطني لنواب الشعب في بكين، 11 مارس 2023

أما وي ولي، فإذا كان الضابطان اللذان يواجهان أخف لائحة اتهام سياسية في حملة التطهير الراهنة قد تلقيا حكم الإعدام مع وقف التنفيذ، مع حرمانهما من الإفراج المشروط ومن تخفيف العقوبة، فستغدو هذه النتيجة هي التوقع الافتراضي لكل من يواجه لوائح اتهام سياسية أشد، عند رتب إدارية أدنى. ولن ينجو على الأرجح مياو وليو والوجوه المحورية بين الجنرالات الذين شملتهم تلك القضايا من هذا المصير. وهكذا يغدو ما كان سقفا لإدانات الرشوة على مستوى الوزراء حدا أدنى لإدانات كبار القادة العسكريين. وسيعتمد نقل هذا الحد طبقة واحدة أعلى على شي، وعلى ما إذا كان السقف الذي أمضى عقدا يفككه بهدوء قادرا على تحمل الثقل الذي يضعه فوقه.

font change

مقالات ذات صلة