ما الذي كان ينبغي لواشنطن أن تتعلمه من أوبئة إيبولا السابقة؟

بات قِصَر نظر الغرب في مقاربته لأفريقيا أوضح من أي وقت مضى

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
طاقم طبي يرتدي معدات الوقاية داخل مستشفى في روانبارا شرق الكونغو الديمقراطية، مع استمرار تفشي فيروس إيبولا، 21 مايو 2026

ما الذي كان ينبغي لواشنطن أن تتعلمه من أوبئة إيبولا السابقة؟

في عام 1995، وبعد عام على بدء مهمتي في غرب أفريقيا ووسطها لصالح صحيفة "نيويورك تايمز"، استدعيت بعيدا عن تغطية أحد الصراعات المستعرة آنذاك في ذلك الجزء من القارة، لأقدم تقريرا عن نوع آخر من الأزمات: أزمة جديدة ومرعبة، تقتل عشوائيا من دون سلاح أو عنف. كان اسمها فيروس إيبولا.

ورغم أن هذا الفيروس لم يكن مجهولا تماما في الأوساط الطبية، فإن العالم لم يكن يعرف عنه الكثير قبل تفشيه في كيكويت بزائير، التي تعرف اليوم بجمهورية الكونغو الديمقراطية. لكن الصورة تغيرت بسرعة خلال أسبوع تقريبا، حين وصل علماء ومراسلون من أنحاء مختلفة من العالم إلى باندوندو، المقاطعة الواقعة في غرب وسط زائير، حيث كان المرض ينتشر. ومن هناك، بدأت الأخبار تصل عن معدل وفياته المرتفع وأعراضه المرعبة، ومن بينها نزف حاد وقيء عنيف.

وعندما وصلت إلى كينشاسا، عاصمة زائير، في مايو/أيار من ذلك العام، كانت معظم التغطية الميدانية على الخطوط الأمامية قد خفتت. واصل الأطباء والعلماء عملهم في كيكويت لمحاولة احتواء الوباء وفهم هذا الفيروس المرعب على نحو أدق، لكنني حين هبطت هناك على متن طائرة صغيرة مستأجرة، كان معظم المراسلين قد غادروا خوفا من العدوى. وكذلك فعل كل من استطاع مغادرة المدينة.

(أ.ف.ب)
صورة لمطار واشنطن دالاس الدولي مع بدء إجراءات فحص موسعة للكشف عن إيبولا للمسافرين القادمين من أفريقيا، 22 مايو 2026

لم يكن العالم وقتها مستعدا أو واعيا بما يكفي لمواجهة الفيروسات الفتاكة. في ذلك الوقت، لم أكن قد رأيت قط أقنعة التنفس من طراز "إن 95"، التي أصبحت لاحقا مألوفة بعد الانتشار العالمي لـ"كوفيد-19". وقبل أن أغادر مقري في إيفوري كوست إلى زائير، لم يجد طبيبي المحلي ما ينصحني به سوى قناع قطني عادي، وقفازات جراحية، ومريلة ورقية أرتديها عند الاقتراب من مرضى إيبولا.

عام 1995 لم يكن العالم مستعدا أو واعيا بما يكفي لمواجهة الفيروسات الفتاكة ومنها إيبولا

وبهذا القدر البسيط من الحماية، أجريت مقابلات مع أقارب مرضى كانوا يحتضرون بسبب إيبولا في المستشفى الرئيس في كيكويت، ورأيت آخرين يدفنون موتاهم في مكان قريب. ولاحقا، أمضيت ظهيرة كاملة أتجول في قرية كان واضحا أن الفيروس لا يزال ينتشر فيها، رغم بيانات رسمية صادرة عن وكالات صحية دولية تؤكد أن تفشي إيبولا جرى احتواؤه.

وفي متابعتي التي أعقبت تلك التغطية، وجهت نقدا لاذعا إلى الدول الغنية، وحملتها مسؤولية الوضع الكارثي الذي انتهت إليه الصحة العامة في أفريقيا. فالمسألة لم تكن مجرد تقاعس عن الاستثمار في السنوات الأخيرة فحسب، بل كانت، إلى حد كبير، حصيلة إرث طويل جرى التغاضي عنه من ضعف الاستثمار في قطاعي الصحة والتعليم، بما في ذلك كليات الطب، طوال الحقبة الاستعمارية.

ولم يكن إيبولا، في الحقيقة، سوى مظهر واحد من أزمة أعمق. فقد حظي بكل ذلك الاهتمام لا لأنه كان الأشد فتكا وحده، بل لأن انتقاله كان سهلا وأعراضه مروعة، ولأن الغرب خشي أن يجد طريقه إلى العالم الغني. في المقابل، ظلت الملاريا، التي لم تكد تثير أي اهتمام خارجي، تحصد ملايين الأرواح في أفريقيا، بينما كانت أمراض جرى القضاء عليها منذ زمن أو احتواؤها في أماكن أخرى، من الحصبة إلى الحمى الصفراء والتهاب السحايا وغيرها، تفتك بأعداد لا تحصى من الناس.

(رويترز)
طفلان لمريض أميركي مصاب بإيبولا ينظران إلى والدهما داخل جناح العزل في مستشفى شاريتيه ببرلين، 21 مايو 2026

وكان لتفشي إيبولا في زائير عام 1995 أبعاد أخرى كبيرة لم يكن بوسعي استشرافها آنذاك. فإلى جانب الإبادة الجماعية في رواندا في العام السابق، ساهم ذلك التفشي في إحداث تحولات واسعة في سياسة الولايات المتحدة تجاه أفريقيا. وقد بدا لبعض هذه التحولات منطق مقنع في الظاهر، غير أن كثيرا من آثارها ساهم، من حيث لا يقصد، في تعميق الأزمات التي تعيشها القارة اليوم. فقد أدركت إدارة كلينتون أن الإبادة الجماعية وتفشي إيبولا في تلك المرحلة كانا متصلين في جذورهما بفشل الدولة، لكنها خرجت من هذا الإدراك باستنتاجات خاطئة. وهكذا، أضفت الحاجة إلى حماية المصالح الغربية، سواء من الفوضى العنيفة وتدفقات اللاجئين أو من الأمراض شديدة العدوى، بعدا حيويا مرتبطا بالأمن القومي على أزمات من هذا النوع، ما مهد الطريق لنهج في التعامل مع القارة يزداد تمحورا حول وزارة الدفاع الأميركية.

ظلت الملاريا تحصد ملايين الأرواح في أفريقيا لأنها لم تثر أي اهتمام خارجي

ولمواجهة عدم الاستقرار السياسي في أفريقيا، بدأت واشنطن تقلل من شأن الحكم الديمقراطي، وتمنح الأولوية لعلاقاتها مع أنظمة سلطوية كانت تراها محكمة القبضة وقادرة على ضبط الداخل، في بلدان مثل إثيوبيا وإريتريا ورواندا بعد الإبادة الجماعية. كما سعت إلى المضي في النهج نفسه داخل أكبر بلدان الإقليم، زائير، حين دعمت في عام 1997 الإطاحة بحليفها القديم موبوتو سيسي سيكو، واستبداله بديكتاتور جديد مدعوم من رواندا، هو لوران ديزيريه كابيلا. غير أن هذه المقاربة لم تؤد إلى سلام أو استقرار، إذ انتهى المطاف بكل واحد من هذه البلدان إما غارقا في حروب كارثية أو منخرطا فيها.

وفي الوقت نفسه، دفعت واشنطن نحو مقاربة أمنية لما كانت تراه تهديدا أفريقياً للعالم عبر بوابة الأمراض المعدية. ففي يونيو/حزيران 1996، أعلن نائب الرئيس الأميركي آل غور ما عرف آنذاك باسم "التوجيه الرئاسي بشأن الأمراض المعدية الناشئة"، وهو ما أوكل إلى وزارة الدفاع الأميركية مهمة مراقبة تفشيات الأمراض عبر الحدود ومن خلال شبكات عسكرية.

ومهما بدا هذا التوجه منطقيا من زاوية الإنذار المبكر، فإنه لم يفعل شيئا لتعزيز الرعاية الصحية داخل أفريقيا، ولا لمعالجة الفقر المتجذر الذي كان يهيئ، منذ البداية، بيئة مناسبة لانتقال الأمراض وانتشارها.

(أ.ف.ب)
طاقم طبي يرتدي معدات الوقاية ينقل مريضا على حمالة داخل مستشفى في روانبارا شرق الكونغو الديمقراطية، 21 مايو 2026

وتكشفت عواقب هذا القصر في النظر بوضوح صارخ مع تفشيات إيبولا اللاحقة والمتكررة، ولا سيما أكبرها في غرب أفريقيا بين عامي 2013 و2016. فمنذ عاد المرض إلى الظهور في غينيا، انتشر بسرعة إلى دول مجاورة مثل سيراليون وليبيريا، ثم بلغ مدى أبعد حين وصل إلى لاغوس، كبرى مدن نيجيريا. وقبل احتوائه، كان الفيروس قد أودى بحياة أكثر من 11 ألف شخص من بين ما يزيد على 28 ألف إصابة، في تذكير قاس بأن العالم يحتاج إلى استثمار أكبر، لا أقل، في بنية الصحة العامة الأفريقية، وإلى انخراط دائم لا إلى اهتمام عابر لا يتحرك إلا تحت ضغط الأزمات. لكن ما حدث لاحقا في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مضى في الاتجاه المعاكس تماما.

بين عامي 2013 و2016 أودى فيروس إيبولا بحياة أكثر من 11 ألف شخص

كانت سياسة واشنطن تجاه أفريقيا في السنوات الماضية، في ظل حكم ترمب، من أكثر السياسات التي ألحقت ضررا بالصحة العامة في القارة في العصر الحديث. فخلال ولايتيه، تراجعت مكانة أفريقيا في سلم الاهتمام الدبلوماسي والانخراط السياسي الأميركي. كما أشرف على تفكيك أهم أذرع المساعدات الخارجية في الحكومة الأميركية، وهي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي قدمت واشنطن عبرها معظم دعمها للصحة العامة. وقال كثير من منتقديه إنه أضعف بشدة مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة. وفي يناير/كانون الثاني، سحب بلاده من منظمة الصحة العالمية، لتصبح أول دولة تغادر هذا الذراع التابع للأمم المتحدة منذ تأسيسه عام 1948. ولم يكن ذلك مجرد موقف سياسي رمزي، إذ كانت واشنطن على مدى سنوات طويلة أكبر ممول للمنظمة.

وأسهمت تحركات كهذه في تسريع التراجع الحاد في التزامات الغرب تجاه الصحة العامة والتنمية في أفريقيا. ووفقا لكثير من خبراء الرعاية الصحية، يرى كثير من خبراء الرعاية الصحية أن آثار هذا التراجع بدأت تتضح في أزمة إيبولا الحالية في الكونغو، التي راحت تكتسب زخما مقلقا خلال الأسابيع الأخيرة، ببطء ولكن بثبات. ومنذ عاد ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي، أغلقت مختبرات أميركية كانت تؤدي دورا رائدا في دراسة المرض. كما أفادت تقارير أيضا بأن أحد المسؤولين السياسيين في إدارته وصف إيبولا بأنه "خدعة". وفي الوقت نفسه، تراجع الدعم الأميركي لخدمات الصحة العامة في أفريقيا عموما، وجفت مساهمات الولايات المتحدة في جهود منظمة الصحة العالمية الطارئة لإدارة الأزمات.

وما يثير القلق أكثر في التفشي الحالي أن أخباره لم تصل إلى العالم الخارجي إلا بعد وقت طويل، ما منح الفيروس فرصة أوسع للانتشار وأخر الاستجابة الطارئة. فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية الأزمة في 16 مايو، لكن العلماء يعتقدون أن الفيروس بدأ ينتشر قبل الإعلان بأيام، وربما بأسابيع. وكما حدث في أزمات سابقة، سينتهي هذا التفشي أيضا. لكن السؤال هو: متى، وبأي كلفة بشرية؟

ومع ذلك، فإن الأزمات يمكن أن تتيح أحيانا فرصة للمراجعة. وما تكشفه هذه الأزمة أن إدارة كلينتون، رغم أخطائها الكثيرة، أصابت في نقطة أساسية واحدة: فقد رأت أن الصحة العالمية، عندما يتعلق الأمر بالأمراض المعدية، شأن مشترك يعني الجميع. ولهذا، فإن بلدا مثل الولايات المتحدة، بما يملكه من إمكانات مالية هائلة وقدرات علمية متقدمة، لا يتحمل مسؤولية التحرك بدافع أخلاقي فقط، بل لأن مصلحته نفسها تقتضي ذلك.

(أ.ف.ب)
عاملون طبيون يرتدون معدات الوقاية يحملون مواد تعقيم داخل مستشفى في روانبارا شرق الكونغو الديمقراطية، 21 مايو 2026

في المناخ السياسي الراهن، يبدو شبه مستحيل أن تنظر واشنطن إلى الأمور من هذه الزاوية، حتى لو كانت مصلحتها نفسها تقتضي بذل المزيد من الجهد لتحقيق الصالح العام. لكن إذا عادت الولايات المتحدة يوما إلى تبني رؤية أوسع لدورها في العالم، وإحساس أعمق بما يفرضه هذا الدور من مسؤولية، فعليها أن تبدأ من أفريقيا. إذ إن تعزيز الخدمات العامة على المستوى المحلي، بدءا من الرعاية الصحية والتعليم، يشكل أساسا متينا للتقدم. غير أن ذلك لا يتحقق إلا عبر شراكات قوية مع حكومات تخضع للمساءلة الديمقراطية أمام شعوبها، لا أمام واشنطن وحدها، ولا أمام مصالح المانحين الأجانب.

font change

مقالات ذات صلة