"المجلة" تنشر محاضر لقاءات كلينتون وبوتين... مزاح ومديح ودروس في التاريخ (1 من 3)

تنشر "المجلة" محاضر أربعة اجتماعات مهمة بين الرئيسين الأميركي والروسي بين 3 و5 يونيو 2000

"المجلة"
"المجلة"

"المجلة" تنشر محاضر لقاءات كلينتون وبوتين... مزاح ومديح ودروس في التاريخ (1 من 3)

تكشف ملاحظات رُفِعَت عنها السرية حديثا من أول قمة رئاسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس أميركي هو بيل كلينتون في يونيو/حزيران عام 2000، عن ثوابت في أسلوب الزعيم الروسي: الإطراء، والمزاح حول الرياضة، وإظهار الموافقة مع قول "لا" فعليا، وإلقاء دروس في التاريخ.

جاء ذلك وفق وثائق حصل عليها أرشيف الأمن القومي عبر دعوى حرية المعلومات، ونُشرت مؤخرا. الملاحظات التي دوّنها ستروب تالبوت، نائب وزير الخارجية آنذاك، تُظهر بوتين في أكثر فتراته تعاونا وتوجها نحو الغرب، حيث كان يأمل في اندماج كامل لروسيا ضمن منظومة الأمن الأوروبية وحتى في "حلف شمال الأطلسي" (الناتو). وكان بوتين يؤكد التعاون في كل النقاط، الاستراتيجية والاقتصادية، حتى عندما كان ينوي الاختلاف. وكان قد نجح مؤخرا في إجبار مجلس الدوما الروسي على التصديق على معاهدة "ستارت-2" للحد من الأسلحة النووية، وهو ما فشل فيه سلفه بوريس يلتسين لسنوات.

ورغم قلة خبرته آنذاك، بدا بوتين واثقا ومسيطرا تماما على ملفاته، ينتقل بسلاسة بين المواضيع ويحاول إبهار الرئيس الأميركي.

تشمل الوثائق تعليقات تحليلية موسعة حول أسلوب بوتين، وتقييمات نفسية له، واقتباسات درامية تفضّل استخدام القوة على التفاوض (إعطاؤهم ما يستحقونه)، ووصفاً لدوافع روسيا وخطوطها الحمراء. وكلها ناتجة عن ملاحظات مباشرة عن قرب من قبل تالبوت المتقن للغة الروسية، خلال قمة يونيو 2000 بين بوتين وكلينتون في الكرملين.

كان بوتين وكلينتون قد التقيا سابقا عندما كان بوتين رئيسا للوزراء أو رئيسا بالإنابة بعد استقالة يلتسين ليلة رأس السنة 1999، لكن قمة موسكو كانت الأولى بعد انتخاب بوتين رسميا رئيسا في ربيع 2000. وكان تالبوت هو مدوّن الملاحظات الأميركي خلال الاجتماعات الثلاثة "المنفردة" (والتي كانت في الواقع 3 مقابل 3 مع مترجمين ومدونين).

تُظهر هذه الملاحظات الاستخدام المتكرر من بوتين لـ:

• الإطراء، وقوله "لقد فعلت الكثير لبلدك... ربما بقدر أي رئيس منذ روزفلت".

• المزاح الرياضي، وقوله "الشكوى من صعوبة إيجاد شريك تدريب جودو عندما تكون رئيسا".

• المحاضرات التاريخية، مثل قوله "استفادة البرنامج النووي السوفياتي من جواسيس داخل الولايات المتحدة".

• تكرار عبارات "أولا، لا تُلحق ضررا".

• الدفاع الحاد عن الحرب الوحشية في الشيشان، بقوله "أناس قساة يريدون قتل جميع اليهود".

• إظهار موافقة ظاهرية تُخفي رفضا جوهريا للتنازل عن الاعتراض الروسي على الدفاع الصاروخي، وقوله "بحث محموم عن إجراءات مضادة قد يؤدي إلى رد غير متوقع".

كما يتضمن النشر مذكرة محادثة رسمية لإحدى الجلسات العامة، أُفرج عنها من مكتبة كلينتون الرئاسية، وتوثق نقاشا لافتا حول احتمال انضمام روسيا إلى "الناتو"، حيث قال بوتين: "يسعدني ذلك". أما المذكرة الخاصة بالجلسة العامة الثانية فلا تزال سرية.

وقد نشر تالبوت نفسه نسخة مختصرة من هذه المحادثات في كتابه "The Russia Hand" في 2002، مستندا بوضوح إلى ملاحظاته الحرفية. لكن الوثائق الأصلية ظلت سرية حتى الإفراج عنها هذا العام (2025) نتيجة دعوى قانون حرية المعلومات.

واللافت أن نهج بوتين في الشيشان آنذاك وتفضيله للقوة على التفاوض يوازي موقفه الحالي من أوكرانيا، حيث إنه هو من بدأ الهجوم ويمكنه إنهاء الحرب إن أراد.

أما الموضوع الآخر المحوري- الدفاع الصاروخي- فلا يزال قضية ملتهبة، مع اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجديد ببناء "قبة ذهبية" فوق الولايات المتحدة. وكتب تالبوت أن الدفاع الصاروخي كان "واحدا من سلسلة برامج عسكرية أميركية تخشاها روسيا وتعارضها، وربما أكثر إثارة لاعتراضها من توسع (الناتو) أو حملة (الناتو) الجوية على يوغوسلافيا".

ومن اللافت أيضا أنه عندما كتب بيل كلينتون مذكراته "My Life" (2004)، شارك كثيرا من المخاوف التي عبّر عنها بوتين خلال القمة، مشككا في جدوى أنظمة الدفاع الصاروخي ومُحذرا من أنها قد تُشعل سباقات تسلح جديدة وتزيد العالم خطرا بدلا من حمايته.

الجلسة الأولى

عُقد أول لقاء ثنائي بين الرئيسين كلينتون وبوتين الذي كان قد تولّى الرئاسة حديثا في شقة بوتين الخاصة داخل الكرملين، واستمر لأكثر من ساعتين ونصف. وبعد بعض الأحاديث الخفيفة عن الرياضة والتمارين، بدأ بوتين بمجاملة كلينتون، مستعيدا لقاءهما في نيوزيلندا في سبتمبر/أيلول 1999 بعد فترة قصيرة من تولّي بوتين منصب رئيس الوزراء. قال الرئيس الروسي لنظيره الأميركي "أتذكر كم كنت لطيفا وودودا وداعما عندما كنت أخطو خطواتي الأولى في القيادة. أتذكر كيف أمسكت بيدي بعد العشاء وقُدتني إلى تلك القاعة، وكيف صفق لنا الناس هناك معا". وواصل بوتين الإشادة بمساهمة كلينتون في بناء العلاقات الأميركية–الروسية خلال سنواته الثماني في الحكم. وتؤكد ملاحظات كاتب المحضر محاولة بوتين خلق أرضية مشتركة (أتفق معك تماما) والإكثار من الإطراءات؛ إذ وصف كلينتون بأنه "أحد أبرز مواطني العالم"، و"رجل دولة محنّك ومتمرس"، وقارنه بفرانكلين روزفلت.

وتُظهر الملاحظات أيضا أن بوتين كان مستعدا جدا للاجتماع ومتمكنا من تفاصيل مجموعة واسعة من القضايا، مثل الحملة الانتخابية الأميركية، ومقترحات الدفاع الصاروخي الوطني، والوضع في البلقان، وموضوعه المفضل: الإرهاب الدولي. وشدّد بوتين على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة في كل موضوع. وانخرط الرئيسان في نقاش "سري للغاية" حول صربيا وكيفية "إخراج (سلوبودان) ميلوسيفيتش من السلطة". ويبدو أن الزعيمين اتفقا تماما على هذا الموضوع وتعاهدا على العمل معا، غير أن بوتين حذّر قائلا: "علينا أن نكون حذرين وأن لا نجعل من إزالته هدفا سياسيا علنيا".

وكان بوتين متحمسا أيضا لمناقشة الوضع في الشيشان، الذي عرّفه حصريا باعتباره تهديدا إرهابيا، مشددا على وحشية الشيشانيين وقسوتهم ومعاداتهم للسامية. وفي الوقت نفسه، اعترض بوتين على أوصاف "الفظائع المزعومة أو الأسطورية التي ارتكبها الجيش الروسي. يُتحدث عنها طوال الوقت، لكن الناس يلتزمون الصمت حيال الفظائع الحقيقية".

وفي ختام الحديث، قدّم بوتين لكلينتون درسا في التاريخ، وهو ما سيفعله كثيرا في محادثاته المستقبلية مع قادة أجانب. وكان هذا الدرس عن أصل البرنامج النووي السوفياتي، عندما عيّن ستالين رئيس الشرطة السرية لافرينتي بيريا رئيسا للبرنامج النووي السوفياتي. ويبدو أن بوتين معجب بكفاءته: "من أنجز مهمته في الوقت المحدد مُنح لقب بطل الاتحاد السوفياتي، ومن لم يفعل أُعدم".

كان اللقاء ثريا في مضمونه ووديا. وأعرب كلينتون عن رضاه عن تعاون بوتين وقال له: "أعتقد أنك الشخص المناسب لقيادة هذا البلد".

وهنا ترجمة عربية لمحضر الجلسة الأولى في 3 يونيو 2000:

اللقاءات الثنائية بين كلينتون وبوتين

قمة موسكو، 3–5 يونيو/حزيران 2000

كاتب المحضر: ST

9 يونيو/حزيران 2000

الجلسة الأولى: عشاء عمل، الأجنحة الخاصة في الكرملين (8:10 – 10:50 مساء)

استُهل الحديث بتبادل أطراف الحديث عن الرياضة. أشار بوتين إلى تعرّضه لإصابة أثناء التزلج، وقال إنه حين يتعرض لإصابة يفتقد على نحو خاص تمارينه المعتادة، لذلك يحاول أن يكون حذرا. سأل الرئيس الأميركي ما إذا كان بوتين لا يزال يمارس الجودو، فأجاب بوتين بأنه اعتاد الالتزام الصارم بالتمارين طوال حياته، وكان بطلا في الجودو بمدينة لينينغراد، غير أنه يجد صعوبة في مواصلة الممارسة في ظل منصبه الحالي، ما يسبب له قدرا من الإحباط. وأضاف أنه سيُطلع الرئيس لاحقا على الصالة الرياضية القريبة منه. عقّب الرئيس بأنه قرأ كتاب بوتين ولاحظ مدى تركيزه على الجودو وفنون القتال، متسائلا ما إذا كان بالإمكان الاستمرار في ممارستها. نفى بوتين ذلك، موضحا صعوبة إيجاد شريك للمنازلة، فضلا عن ضيق الوقت المتاح.

بوتين لكلينتون: كنت أتطلع بشوق إلى لقائنا هذا. كنت كريما وداعما لي في بداياتي على الساحة القيادية. كما أنك أوليت اهتماما لما أدليت به خلال حملتي الانتخابية

انتقل بوتين بعدها إلى سؤال الرئيس عن تفاصيل حياته في البيت الأبيض، مستفسرا عما إذا كان يملك مكانا آخر يلجأ إليه. تحدث الرئيس عن كامب ديفيد، ولكنه أوضح أنه لم يتمكن من استخدامه بالقدر الذي كان يرغب فيه. وذكر أن هيلاري لم تتمكن من الذهاب إليه كثيرا في الآونة الأخيرة بسبب انشغالها بحملتها الانتخابية، فيما سيقوم هو نفسه بجولات مكثفة دعما لنائبه آل غور، ما يعني أن عطلات نهاية الأسبوع ستكون محدودة.

بوتين: كنت أتطلع بشوق إلى لقائنا هذا. لا أزال أذكر لقاءنا في نيوزيلندا جيدا، وكيف كنت كريما وداعما لي في بداياتي على الساحة القيادية. أذكر أيضا كيف أمسكت بيدي بعد العشاء واقتدتني إلى تلك القاعة حيث استقبلنا بتصفيق مشترك. كما أنك أوليت اهتماما لما أدليت به خلال حملتنا الانتخابية هنا.

رويترز
الرئيس الأميركي بيل كلينتون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماع ثنائي تستضيفه الولايات المتحدة في أوكلاند، نيوزيلندا، في 12 سبتمبر 1999

وبالطبع، لا تقتصر أسباب توقي لهذا اللقاء على ذلك. فأنت رجل أمضى ثمانية أعوام في رئاسة أقوى دولة في العالم، وخلال تلك الفترة، قدمت الكثير من أجل بناء العلاقة مع روسيا. ولا يزال أمامك بعض الوقت في منصبك، وهناك الكثير مما يمكننا إنجازه سويا.

ومع دخول الكاميرات، عاد الحديث إلى المزاح بشأن المنازل. تحدث الرئيس عن المنزل الذي سيقيم فيه مع هيلاري في نيويورك، وكذلك عن الترتيبات الخاصة بمكتبة كلينتون في ليتل روك. ثم انسحبت الكاميرات...

بوتين: أحد الأسباب التي دفعتني لسؤالك عن حياتك في البيت الأبيض هو أنني أجد الحياة هنا في الكرملين شديدة العزلة.

كلينتون لبوتين: يمكنك أن تعتمد علي في مواصلة العمل للحفاظ على قوة العلاقة بيننا

الرئيس: يمكنني تفهم ذلك. لطالما قلت إن البيت الأبيض هو أجمل منزل في أميركا، لكنه أيضا جوهرة التاج في نظامنا السجني.

ثم شرح كيف أنه، للحد من شعور العزلة، أنشأ رمزا بريديا خاصا يتيح لمن نشأ معهم مراسلته، ما يمنحه منظورا من "العالم الحقيقي". وأشار إلى مشاركته في لقاءات لخريجي مدرسته الثانوية وجامعته، واستضافته لبعض زملائه القدامى في البيت الأبيض. قال بوتين إنه فكر في القيام بالأمر ذاته، لكنه تراجع خشية أن يفهم ذلك على أنه استغلال للمال العام أو قبول امتيازات من رجال أعمال.

وخلال هذا الأخذ والرد، بدأ بوتين في أكثر من مناسبة ردّه على الرئيس الأميركي بالقول: "أنا أتفق معك تماما" أو "هذا بالضبط ما أراه".

وعندما استعرض الرئيس قائمة بأصدقائه في موطنه ممن حافظ على التواصل معهم عبر السنين، قال بوتين بنبرة تكاد تميل إلى الشجن: "أنت محظوظ لأن لديك هذا العدد الكبير من الأصدقاء. أما أنا فليس لدي الكثير. والقلة التي لدي أحاول أن أبقى على تواصل معها".

بوتين: حتى بعد مغادرتك المنصب، ستكون موضع ترحيب هنا... أنت وابنتك وزوجتك.

الرئيس: ربما أستفيد من دعوتك. على أي حال، يمكنك أن تعتمد علي في مواصلة العمل للحفاظ على قوة العلاقة بيننا. كما تعلم، لقد قمت بخمس زيارات إلى هنا بصفتي رئيسا، ولكن أول زيارة لي كانت في الستينات، عندما كنت أنا وستروب شابين مفعمين بالأمل. كنا نأمل خيرا لهذا البلد في وقت لم يكن كثيرون يشاركوننا ذلك. واليوم أصبح الأمل أسهل. لطالما رغبت طوال حياتي في أن تكون هذه العلاقة قوية وصحية.

بوتين: لنر إن كان بإمكاننا ابتكار طريقة تبقيك منخرطا مع روسيا.

ثم انتقل بوتين إلى القول إن حملة هيلاري تبدو جيدة، وسأل: كيف تراها من وجهة نظرك؟

قدم الرئيس بعد ذلك تحليلا مفصلا يميل إلى التفاؤل الحذر بشأن سباق نيويورك، مشددا على مؤهلات هيلاري، بما في ذلك أنها "جابت العالم... كثيرون لا يدركون أهمية الدور الأميركي في العالم".

بوتين: إنها حالة فريدة. ما تأثير سباقها على الانتخابات الرئاسية؟

قال الرئيس إنه لا يعتقد أن التأثير سيكون كبيرا. واستعرض تاريخ السياسة في نيويورك...

بوتين (مقاطعا، بالإنجليزية): excuse me، (ثم انتقل إلى الروسية): ما كنت أتساءل عنه هو ما إذا كنت ستتهم بأنك تتدخل في سباق نيويورك، أي إنك تستخدم نفوذك كرئيس لصالح زوجتك.

قال الرئيس إن البعض قد يوجه هذا الاتهام، لكنه حافظ على مسافة من الحملات المباشرة، ولا يعتقد أن الأمر سيشكل مشكلة في النهاية. لكنه سيكون حذرا في هذا الجانب.

بوتين: نعم، أرى أن النهج السليم هو دائما النهج الحذر.

ثم استعاد ذكرى الجدل الذي أثارته زوجة (السياسي الروسي أناتولي) سوبتشاك عندما ترشحت للدوما بينما كان سوبتشاك يشغل منصب عمدة سانت بطرسبورغ. وقال إن الروس، بطبيعة الحال، لديهم نظرة مختلفة لدور المرأة مقارنة بالأميركيين، وإن زوجته نفسها من المعجبات بهيلاري.

بوتين لكلينتون: علينا أن نكون قادرين على العمل مع أي شخص ينتخبه الشعب الأميركي، لكنني سأقول لك على نحو خاص: إن تغير الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض سيخلق لنا بعض المشكلات

بوتين (بدون مقدمات): كيف تبدو حظوظ غور؟

قدم الرئيس تحليلا مفصلا وتوقعات دقيقة بشأن الحملة. الخلاصة: ستكون المنافسة محتدمة، لكن نائب الرئيس سيتمكن من الفوز لأنه سينجح في صد محاولة بوش طمس الفوارق بينهما وصياغة القضايا بطريقة تمنح الناخبين خيارات واضحة، بما في ذلك في السياسة الخارجية والأمن القومي. وهذا يسمح للرئيس بالانتقال إلى موضوع الدفاع الصاروخي...

الرئيس: يتمتع الجمهوريون بميزة عندما لا يكون هناك نقاش حاد حول القضايا. ذلك لأن الشعب الأميركي يعتقد أنه محافظ، بينما هو في الحقيقة تقدمي ويتفق معنا في معظم القضايا. وللفوز، علينا أن نكسب عبر الحُجج. واجهنا في الآونة الأخيرة مسألتين اضطررت، من أجل فعل الصواب، إلى اتخاذ خطوات لم تساعد آل غور: الأولى قضية الطفل الكوبي الصغير، والثانية مسألة التجارة مع الصين. لكننا تجاوزنا هذين الأمرين الآن. المفتاح بالنسبة لآل غور هو إقناع الناس بأن هناك خيارا حقيقيا في هذه القضايا. وهو قادر على ذلك لأنه يفهم المستقبل بصورة أفضل. وفي هذا السياق، تكتسب السياسة الخارجية أهمية. الجمهوريون ضد معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وضد معاهدة الصواريخ الباليستية. آل غور يفهم هذه القضايا جيدا، بل جيدا جدا. إنه مناظر قوي لأنه واسع المعرفة. كما أنه لعب دورا أكبر من أي نائب رئيس في التاريخ. سيواصل بوش محاولة إقناع الناس بأنه نسخة أكثر محافظة بقليل من كلينتون. لكن الدفاع الصاروخي سيكون من القضايا التي سيحاول من خلالها القول: "أنا مختلف عن كلينتون... وأنا أفضل لأنني أكثر صرامة".

يضحك بوتين ضحكة عالية، ويبدو حريصا على إظهار تقديره للمفارقة في كلام الرئيس.

أما غور فسيقول: "لقد كنت جزءا من القرارات الصعبة التي اتخذناها في هذه الإدارة، وأميركا في وضع أفضل بفضل تلك القرارات".

بوتين (مقاطعا): حسنا، على الجميع أن يكون حذرا كي لا يجعلوا "الأفضل" عدوا لـ "الجيد".

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي بيل كلينتون في الكرملين يوم 4 يونيو 2000

تعليق من المدون: ليس واضحا تماما ما يقصده، لكنه قد يكون مؤشرا أوليا على اعتراضه على الدفاع الصاروخي بوصفه سعيا لحل مثالي يفاقم مشكلات أخرى، كما قال سابقا: "علاج أسوأ من المرض".

الرئيس (متابعا): بوش سيعتمد اعتمادا كبيرا على خبراء المؤسسة الجمهورية التقليدية.

بوتين: لن أقول هذا علنا، لأن علينا أن نكون قادرين على العمل مع أي شخص ينتخبه الشعب الأميركي، لكنني سأقوله لك على نحو خاص: إن تغير الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض سيخلق لنا بعض المشكلات، بما في ذلك فترة انقطاع في العلاقة وفي العمل الذي نقوم به معا. فالرجل الجديد من حزب جديد سيُغرى بالقول: "سنقوم بالأمور أفضل من الذين سبقونا، وهذا يعني أننا سنكون أكثر صرامة". أعلم ذلك، رغم أن كلا الحزبين تضمن كلاما طيبا عن العلاقات الأميركية–الروسية في برامجهما.

بوتين لكلينتون: علينا أن نجد أساسا مشتركا ننطلق منه. كما يتعين علينا أن نجد طريقة تسمح لك بأن تتخذ قرارا لا يطلق سباق تسلح جديدا ولا يعيدنا إلى أجواء الشك والمخاطر التي سادت قبل خمسة عشر عاما

الرئيس: حسنا، إذا فاز بوش، لا أستطيع أن أقول لك بيقين ما الذي سيفعله. من ناحية، هو ضد معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية وضد معاهدة الصواريخ الباليستية. ومن ناحية أخرى، هو لم يعطِ دقيقة واحدة من التفكير لهذه الموضوعات قبل شهرين. فيما يتعلق بالدفاع الصاروخي الشامل، قد تتمكن من إقناعه بتغيير موقفه، لكن لا شك أنك ستكون في وضع أفضل مع نائب الرئيس. ولا يمكنك أن تكون واثقا من بوش. قد يرتكب خطأ كبيرا. أنصحك بأن تضع ذلك في اعتبارك وأنت تتخذ قراراتك. نحن نتحدث عن رجل لم يكن لديه موقف من معاهدة الحظر الشامل أو من الردع المتبادل قبل 90 يوما فقط. إذا حدث ذلك، سأحاول المساعدة، لكنني أعتقد أنك ستكون في وضع أفضل إذا أنجزت أكبر قدر ممكن معي الآن.

ومن الواضح أنه في أي قضية صعبة بيننا، سيكون عليك اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان من الأفضل إبرام اتفاق معنا الآن أو الانتظار حتى الإدارة المقبلة. هل الأفضل والأسهل أن يتم ذلك الآن أم لاحقا؟ قد يكون الأفضل الآن، لكنه سيكون الأصعب أيضا.

ثم توقع الرئيس الأميركي أنه، أيا يكن الفائز في الانتخابات الرئاسية، فإن الديمقراطيين سيستعيدون السيطرة على مجلس النواب وسيكسبون بعض المقاعد في مجلس الشيوخ. ودخل في بعض التفاصيل الإحصائية بهذا الشأن، ويبدو أن بوتين أبدى اهتماما حقيقيا بما قاله.

(وقال كلينتون إنه) من بعض النواحي، قد يبدو ذلك حجة لصالح الانتظار إلى حين قدوم الإدارة المقبلة قبل إبرام أي اتفاق. لكنني أريد أن أقدم لك حجتين في الاتجاه المعاكس. أولاهما أنه، في الثقافة السياسية الأميركية، إذا انتقلت الرئاسة من يد إلى أخرى، يمكن للرئيس الجديد أن يغير أي سياسة لا تستند إلى قانون. هذا يحدث تقريبا دائما في القضايا الداخلية، لكنه نادرا ما يحدث في مسائل السياسة الخارجية. لذلك، إذا كنت تعتقد أن بإمكانك التوصل إلى اتفاق معنا يكون أفضل مما قد تحصل عليه مع بوش، فافعله الآن، لأنه سيكون من الأصعب عليه تغيير الاتفاق إذا كان قد أبرم وأصبح ميراثا يتسلمه. وإذا أراد تغييره، فإن تاريخ السياسة الأميركية يوحي بأنه يكاد يكون مضطرا لأن يقدم لك صفقة أفضل من تلك التي حصلت عليها منا.

والحجة الثانية ترتبط بنقطتك حول مخاطر فترة الانقطاع [في حال فوز بوش]. ربما تكون قد اختبرت شيئا من هذا القبيل عندما توليت منصب القائم بأعمال الرئيس. فالرئيس الجديد غالبا ما يخشى ارتكاب خطأ، أو الظهور بمظهر الضعيف، ولا سيما في قضية تتعلق بالأمن القومي، في حين أنني لا أخشى الخسارة الآن. كل ما أريده هو أن أفعل ما هو صائب لأميركا وللعلاقات الأميركية–الروسية. أنا في نهاية ولايتي الثانية، وأفكر في المستقبل. ومن هذا المنطلق بعيد المدى صغت هذه السياسة وهذا المقترح، مع أن هذه السياسة تنطوي على خيارات صعبة بالنسبة إلي، وهذا المقترح يفرض خيارات صعبة عليك أيضا.

بوتين: منطقك هذا وارد، لكنّ هناك منطقا آخر أيضا. أنت رقم كم في الرئاسة الأميركية؟

يجيب الرئيس بأنه الرئيس الثاني والأربعون.

فيرد بوتين: أنت الرئيس الثاني والأربعون، وهذا رقم جيد! لقد فعلت الكثير لبلدك، خصوصا فيما يتعلق بالنهضة الاقتصادية التي شهدها، ربما بقدر ما فعل أي رئيس منذ روزفلت بعد الكساد الكبير. كما أنك فعلت الكثير للعالم أيضا. لقد كنت رئيسا للولايات المتحدة عندما انهار الاتحاد السوفياتي وولدت روسيا الجديدة. ومن هذه الزاوية، أنت أحد كبار "مواطني العالم". وانطلاقا من هذا المنظور، لا أستطيع أن أتخيل أنك قد تتخذ قرارا خطيرا من زاوية مصلحة البشرية والأمن الدولي.

بعيدا عن حساباتك الداخلية، أعتقد أنك سترغب في اتخاذ قرار يلتزم، كما يقول الأطباء، بمبدأ "عدم التسبب بالضرر". بطبيعة الحال، سيكون من الأفضل التوصل إلى تفاهم معك أنت. لكن علينا أن نجد أساسا مشتركا ننطلق منه. كما يتعين علينا أن نجد طريقة تسمح لك بأن تتخذ قرارا لا يطلق سباق تسلح جديدا ولا يعيدنا إلى أجواء الشك والمخاطر التي سادت قبل خمسة عشر عاما.

ولست أتحدث هنا عن روسيا وحدها. فإذا أخفقنا في التوصل إلى الحل الصحيح، فإن دولا أخرى سترد الفعل. كيف سيكون شكل ذلك المشهد؟ لذا أرجو أن تفكر مليا قبل اتخاذ أي قرار.

بعد ذلك، أوقف بوتين النقاش وأخذ الرئيس في جولة داخل الأجنحة الخاصة: غرفة الاستراحة، والمكتبة الفخمة ذات الطابقين التي تضم تمثالا نصفيا للشاعر الروسي بوشكين، وصالة الألعاب الرياضية [المجهزة بجهاز أوزان شامل، وطاولة تدليك، وجهاز لمراقبة القلب] والكنيسة الصغيرة الخاصة، وأجنحة الضيوف. كما حرص على أن يرى الرئيس غرفة مظلمة تبدو بوضوح خارج الاستخدام: العيادة التي كانت مخصصة للمقيم السابق.

عند عودتهما إلى غرفة طعام منفصلة لتناول الحلوى، ذكر الرئيس الأميركي أنه سيزور يلتسين يوم الاثنين لتقديم احترامه له، وسأل ما إذا كان لا يزال في البيت الصيفي نفسه الذي كان يقيم فيه عندما كان رئيسا.

بوتين: نعم، لقد تركته في المكان نفسه.

كلينتون: لا أريد لكوسوفو أن تصبح دولة مستقلة. ليس لدى أميركا مصلحة استراتيجية طويلة الأمد في كوسوفو مستقلة، ولا في أن تكون الولايات المتحدة القوة المهيمنة في المنطقة

ثم استعاد الرئيس الأميركي ذكريات الوليمة ذات الأطباق المتعددة التي أقامها له يلتسين بمقر إقامته في يناير/كانون الثاني 1994، وكيف أن ثقل تلك الوجبة كان أثقل على (وزير الخارجية الأميركي) وارن كريستوفر: "تلك الوجبة كادت أن تكلفنا وزير خارجيتنا". وتبادلا بعض الدعابات حول أسلوب يلتسين في الصيد (مجزرة كبيرة للحيوانات البرية، ولا خطر يذكر على الصياد). وقال الرئيس: "عندما وصف بوريس كيف كان يلاحق الخنازير البرية، لم يكن الأمر يبدو وكأنه نزال عادل". فانفجر بوتين ضاحكا. ثم استعاد بوتين ذكرى صيد يلتسين لمئتي بطة في يوم واحد: "أحيانا أظن أنه كان يتظاهر بالاعتلال".

ثم عاد الحديث إلى الحياة في البيت الأبيض والكرملين، وكيف يتأقلم أطفال الرئيسين مع ظروف العيش.

بوتين: الأمر كان صعبا على ابنتيّ، لكنهما تتحليان بروح طيبة. وبسبب خوفنا من الإرهابيين، لا يمكنهما الذهاب إلى مدارس عادية. علينا أن نجلب المدرسين إلى هنا.

ومن هنا انتقل بوتين إلى الحديث عن الإرهاب الشيشاني، وروى رواية قاسية عن خطف الطفل الإسرائيلي، وإنقاذه، والاتصال الهاتفي الذي تلقاه من باراك تعبيرا عن الامتنان.

بوتين: إننا نتعامل مع أناس وحشيين وقساة. أمس بثثنا مقابلة مع أحد نواب مسخادوف، تحدث فيها بصراحة عن ضرورة قتل جميع اليهود. هناك بالطبع مظاهر أخرى للتطرف والتعصب الإسلامي، لكن الشيشانيين يذهبون أبعد من غيرهم. ومع ذلك، فإن وزير خارجيتكم يلتقي أحمدوف هذا، المسمى وزير خارجية الشيشان. نحن لا نعد ذلك عملا وديا.

ثم أضاف: وهناك أيضا تلك الفظائع "الأسطورية" المزعومة التي يقال إن الجيش الروسي ارتكبها. الحديث عنها لا يتوقف. لكن الناس يصمتون عن الفظائع الحقيقية. أعتقد أن أجهزتنا الخاصة تعرف الوقائع الحقيقية، وتحافظ على تواصل جيد مع نظيراتها لديكم.

فلنرفع نخب تعاوننا عموما، بما في ذلك في هذا الجانب.

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي بيل كلينتون يتبادلان اتفاقيات في 4 يونيو 2000 بشأن إنشاء مركز إنذار مشترك لتبادل المعلومات حول عمليات إطلاق الصواريخ، وذلك بعد وقت قصير من توقيعها

بعد ذلك، بدأ بوتين بمحاولة إنهاء العشاء، مشيرا إلى أن الوزراء والضيوف الآخرين قد تجمعوا لحضور حفل الجاز. وأجرى مراجعة سريعة لجدول أعمال اجتماع اليوم التالي.

الرئيس: سأرغب بالتأكيد في مناقشة الاقتصاد بالتفصيل، بما في ذلك كيف يمكنني المساعدة. وسنحتاج أيضا إلى التعامل بصراحة مع القضايا الاستراتيجية، بما فيها الدفاع الصاروخي. كما أنني مهتم برؤيتك لاستراتيجية روسيا طويلة الأمد للاندماج. أعتقد أنه ينبغي لكم الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في أقرب وقت ممكن. أعلم أنك ستزور الصين قريبا، وأود أن أتحدث معك قليلا عن ذلك. كما أود أن أتحدث معك عن البلقان. ربما يمكننا عقد اجتماع صغير صباح الغد.

سواء توصلنا إلى اتفاق بشأن الدفاع الصاروخي أم لا، فقد عملت طوال ثمانية أعوام من أجل روسيا قوية وشراكة قوية. وأعتقد أنك الشخص المناسب لقيادة هذا البلد. أنا عازم على التوصل إلى أي اتفاقات ممكنة معك، وعلى إدارة خلافاتنا بأفضل طريقة ممكنة.

هناك أمران أرغب في مناقشتهما معك في أضيق إطار ممكن، وليس ضمن مجموعة كبيرة، وبالروح نفسها من الصراحة التي أبديتها معي قبل قليل.

اسمح لي أن أتحدث بصراحة عن البلقان. أنا لا أريد لكوسوفو أن تصبح دولة مستقلة. ليس لدى أميركا مصلحة استراتيجية طويلة الأمد في كوسوفو مستقلة، ولا في أن تكون الولايات المتحدة القوة المهيمنة في المنطقة على حساب المصالح المشروعة لدول أخرى. لدينا مصلحة ودور هناك، لكنّ لدول أخرى أيضا مصلحة ودورا. نريد أن نرى البلقان يتطور بطريقة مندمجة مع أوروبا الجديدة. هذا يخدم مصالحنا بعيدة المدى. وأنا أكره التطهير العرقي، سواء جاء من ميلوسيفيتش أو من أمثال ذلك الشخص الذي تحدثت عنه في المقابلة.

بوتين: ما الذي تقترحه؟

بوتين: عملية انفصال كوسوفو عن يوغوسلافيا مستمرة. شئنا أم أبينا، كوسوفو لم تعد جزءا من يوغوسلافيا. لذلك، فإن ميلوسيفيتش ليس الرجل المناسب لقيادة يوغوسلافيا

الرئيس: إخراج ميلوسيفيتش من المشهد. إذا حدث ذلك، ستتراجع أسباب قلقكم من الهيمنة الأميركية في المنطقة، لأن صربيا ستعود إلى مسار أكثر طبيعية، بما في ذلك تطوير روابطها الطبيعية مع روسيا، الروابط الدينية والقومية. ليست لدي أي مصلحة شخصية أو سياسية في الوقوف في وجه علاقات جيدة بين صربيا وروسيا. لكن المشكلة هي وجود ذلك الرجل في السلطة.

بوتين: سأجيبك بسرية تامة. من المستحيل بالنسبة إلي حتى التلميح بما سأقوله علنا. سأعتمد على زملائنا هنا في الحفاظ على ما سأقوله في غاية السرية. ما ذكرته يتوافق تماما مع تفكيرنا حول كيفية بناء السلام والنظام في البلقان. لكننا لم نصل بعد إلى طريقة للتخلص من ميلوسيفيتش. هذه مشكلة تواجهنا نحن الاثنين، فقد خُدِعنا سوية. والآن، وبسرية، سأخبرك بأننا أرسلنا إشارات للتأكد من أنه لن يبقى في منصبه طويلا. لقد كنا نستكشف الأمر عبر أقرب القنوات، العائلية والعسكرية على حد سواء. لكنه شخص شديد المراس، عنيد إلى أقصى حد. أعلم أن الأمر يبدو غريبا، لكنه في الواقع يشعر بثقة كبيرة. أنت تعلم أن المعارضة اليسارية كانت هنا. قررت السماح لهم بالمجيء. لم أكن مضطرا لذلك، ولم أكن مضطرا لأن أتيح لهم أن يحظوا بالاهتمام. لكنني قررت توفير تغطية مناسبة حتى يعرف شعب صربيا أن هناك صربيا أخرى ممكنة غير صربيا ميلوسيفيتش. لذلك، من حيث المبدأ، نحن متفقان. لكن الأمر ليس بسيطا. فلنفترض أننا نفهم بعضنا. لكن دعنا ننظر إلى الواقع. مئتا ألف صربي فروا من كوسوفو. قارن تلك الكارثة الإنسانية بتهجير ثلاثين إلى أربعين ألف ألباني من منازلهم. الصرب بشر أيضا. عملية انفصال كوسوفو عن يوغوسلافيا مستمرة. شئنا أم أبينا، كوسوفو لم تعد جزءا من يوغوسلافيا. لذلك، فإن ميلوسيفيتش ليس الرجل المناسب لقيادة يوغوسلافيا. لكن علينا أن نكون حذرين في أن لا نجعل من إزاحته هدفا سياسيا معلنا. فهو منتخب ديمقراطيا، وسيكون من غير المجدي بالنسبة للصرب أن تأتي أطراف من الخارج لتخبرهم بمن يجب أن يكون قائدهم ومن لا يمكن أن يكون.

حاول بوتين مرة أخرى إنهاء النقاش والانتقال إلى حفل الجاز.

الرئيس: لدي مجموعة أخرى من النقاط يجب أن أطرحها، لأن ساندي بيرغر يناقش جانبا منها مع سيرغي إيفانوف، وأريدك أن تكون على اطلاع كامل بالسياق عندما يرفع إليك سيرغي تقريره قبل لقائنا غدا.

بوتين (بالإنكليزية) أوكي.

الرئيس: أعلم أن هذه مسألة شائكة، لكنني أود العودة إلى موضوع الدفاع الصاروخي والاستقرار الاستراتيجي. أدرك، لأنني استمعت بعناية لما نقله إليّ فريقي ممن تحدثوا مع فريقكم، أننا لا نتفق في هذا الشأن. لكن هناك أمورا أريدك أن تسمعها مني مباشرة.

كلينتون: "وثيقة المبادئ" التي سنوقعها غدا خطوة جيدة وصلبة، لكنها خطوة مرحلية. إنها تمنحنا وقتا إضافيا. وقد يعني ذلك وقتا إضافيا لإنجاز شيء ما خلال وجودي في المنصب

أنا مقتنع بقوة، كما ظل فريقي يؤكد لفريقكم طوال الأشهر الماضية، بأن المرحلة الأولى من برنامج الدفاع الصاروخي الوطني لا تشكل تهديدا لروسيا ولا لمبدأ الردع المتبادل. سوف نظل أسرى منطق الردع المتبادل إلى أن نبتكر شيئا أفضل يحل محله، شيئا نتفق عليه نحن الاثنان. لكن، وبقدر ما أؤمن بذلك، أؤمن بالقدر نفسه بأن برنامج الصواريخ الكوري الشمالي يشكل تهديدا لنا، وهو تهديد يقترب منا بسرعة كبيرة. وهناك دولة أو دولتان أخريان ستشكلان تهديدا لنا خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة.

والآن، أرجو أن تفهم وتصدق ما أقوله: أمامي قرار صعب. لم أتخذه بعد. حقا لم أفعل. سأقوم بما يخدم المصلحة البعيدة المدى لبلدي، وكذلك المصلحة البعيدة المدى لما أعتقد أنه يخدم العلاقات بين بلدينا، سواء اتفقت معي أم لا. هناك اختبار قادم في يوليو/تموز، وسيكون له أثر كبير على معيار التكنولوجيا. وهناك ثلاثة معايير أخرى أيضا، وأنت تعرفها. سأضطر إلى الموازنة بين عوامل كثيرة. لكن ما يجب أن تعرفه هو أن هذا القرار لا تحركه السياسة؛ لست أحاول حماية آل غور سياسيا؛ فليس هذا هو الموضوع. قد لا تتفق معي، لكن قد أخلص إلى أن لدينا التكنولوجيا اللازمة للتعامل مع هذا التهديد.

والآن، هناك سببان يجعلانني أعتقد أن من مصلحتكم التوصل إلى اتفاق وفق الخطوط التي اقترحتها. أولا، قد أتمكن من إتاحة اتفاق أكثر طموحا بشأن "ستارت-3" مما يمكننا تحقيقه في الظروف الأخرى. ثانيا، إذا توصلنا إلى اتفاق، فسيكون ذلك سابقة قوية تفترض أن أي خطوات مستقبلية في مجال الدفاع الصاروخي يجب أن تستند إلى اتفاق مشترك.

دعني أقلْ كلمة عن "وثيقة المبادئ" التي سنوقعها غدا. إنها خطوة جيدة وصلبة، لكنها خطوة مرحلية. إنها تمنحنا وقتا إضافيا. وقد يعني ذلك وقتا إضافيا لإنجاز شيء ما خلال وجودي في المنصب، أو وقتا إضافيا إذا اخترتم الانتظار إلى حين مجيء خلفي. أعتقد أن ذلك سيكون خطأ، كما قلت سابقا، لكن في كل الأحوال أرى أننا نملك إطارا يحمي خياراتنا نحن الاثنين. خياراتي تشمل المضي قدما في التكنولوجيا التي أعتقد أنها ستنجح ضمن الإطار الزمني للتهديد. أما خياراتكم فتشمل إما إبرام اتفاق معي أو مع من سيأتي بعدي.

وكما تؤكد وثيقة المبادئ على الردع المتبادل، وفي الوقت نفسه تعترف بالحاجة إلى التعامل مع التهديدات الجديدة. إنها تحترم معاهدة الصواريخ الباليستية وتعيد التأكيد عليها، وتحترم الاستقرار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا. لكن كوريا الشمالية ليس لها أي "حق" في تهديد الولايات المتحدة أو أي طرف آخر بالأسلحة النووية والصواريخ. لا يوجد في معاهدة الصواريخ الباليستية ما يحمي كوريا الشمالية في هذا الشأن.

وأعلم أنك طرحت مقترحك الخاص بشأن اعتراض الصواريخ في مرحلة الدفع (الإقلاع). وأنا مستعد للعمل معك على ذلك. لكن لا يمكنني جعل التعاون معك في هذا المجال ثمنا للتخلي عن برنامج الدفاع الصاروخي الوطني إذا كان خبراؤنا يعتقدون أن التكنولوجيا المتاحة قادرة على التعامل مع التهديد الكوري الشمالي. قد يكون اعتراض الصواريخ في مرحلة الدفع واعدا، لكنه سيحتاج إلى عشر سنوات إضافية تقريبا، بينما المشكلة الكورية الشمالية تقترب بوتيرة أسرع بكثير.

كلينتون لبوتين: أعدك بأنني لن أؤيد أبدا وضع روسيا في موقف لا يمكن تحمله فيما يتعلق بالردع المتبادل. فقط لا تظن أن هذه مسألة سياسية بالنسبة إليّ؛ إنها مسألة استراتيجية، مسألة استراتيجية حقيقية

إذن، خلاصة الأمر هذا المساء هي التالية: إذا قررت أنك تفضّل التعامل مع خَلَفي، يمكنني أن أفعل شيئا يمنحك وقتا أطول بكثير للقيام بذلك؛ أي بحيث لا تجد نفسك تتعامل مع شخص لا يملك سوى نحو ستين يوما لاتخاذ قرار خاص به ولعقد اتفاق معكم، بينما يكون خوفه الأكبر هو أن يبدو ضعيفا.

نحن عالقون في دوّامة زمنية. بعد ثلاثين عاما، سينظر الناس إلى الحرب الباردة والمواجهة النووية الأميركية–الروسية بوصفها تاريخا قديما؛ وستكون الولايات المتحدة وروسيا تعملان معا في مواجهة تهديدات جديدة: دول مارقة تهدد العالم بأسلحة كيماوية وبيولوجية وقنابل تُحمل في حقائب، وتهديدات جديدة تنبع من صراعات دينية وعرقية ومن التطرف الديني. كيف نضع أنفسنا الآن في الجانب الصحيح من التاريخ عندما يحين ذلك المستقبل؟ كيف نضمن أننا جزء من منظومة واحدة تعمل معا، وأن لا نسمح لأنفسنا بأن نقع أسرى ذهنية الحرب الباردة، وفي الوقت نفسه نحافظ على قوة الردع المتبادل بيننا إلى أن نجد بديلا أفضل؟ وكيف نستفيد من الفرصة والمسؤولية الملقاة على عاتقنا لخفض مستويات الأسلحة النووية إلى حد كبير؟ إنني أؤمن بأننا نستطيع الحفاظ على قدر كبير من الردع المتبادل بترسانات أصغر. هذا هو السؤال، و"وثيقة المبادئ" إلى جانب مقترحنا يشكلان طريقا جيدا نحو تفاهم مشترك.

أعلم أن الأمر صعب. أنتم تفعلون أشياء لا تعجبني في الشيشان، وأنا أفعل أشياء لا تعجبكم في كوسوفو، لكن حتى ونحن ندير هذه الخلافات، علينا أن نتعامل مع المشكلة المشتركة المتمثلة في التهديدات الصاروخية. ذلك التهديد مؤكد؛ وإذا وضعنا إلى جانب هذا اليقين احتمال أن تتمكن بلادنا من إقامة دفاع لا يهدد الردع المتبادل. لكنه، من الناحية القانونية البحتة، يمثل خرقا لمعاهدة الصواريخ المضادّة للصواريخ الباليستية (ABM)، فهذا يعني أن عليّ أن أبذل جهدا صادقا معكم لإيجاد طريقة لتعديل المعاهدة، لا لتقويضها، بل لجعلها قابلة للصمود لثلاثين عاما أخرى.

لذا، لديك قرارك الذي عليك اتخاذه، ولي قراري. ومهما أفعل، أعدك بأنني لن أؤيد أبدا وضع روسيا في موقف لا يمكن تحمله فيما يتعلق بالردع المتبادل. فقط لا تظن أن هذه مسألة سياسية بالنسبة إليّ؛ إنها مسألة استراتيجية، مسألة استراتيجية حقيقية.

وإذا كان أفضل ما يمكننا التوصل إليه هو وثيقة المبادئ، وإذا قررت المضي قدما في برنامج الدفاع الصاروخي الوطني، فإنني أرغب في منحكم أكبر قدر ممكن من الوقت للتعامل مع الرجل الذي سيأتي بعدي. هذا هو السياق الذي تقوم عليه محادثة ساندي بيرغر مع سيرغي إيفانوف. فالأمر كله يتعلق بالتوصل إلى اتفاق، عاجلا أم آجلا، وتجنب وقوع كارثة.

رويترز
الرئيس الأميركي بيل كلينتون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتشاوران خلال مراسم توقيع اتفاقيات إنشاء مركز إنذار مشترك لتبادل المعلومات حول عمليات إطلاق الصواريخ

بوتين: قد يفاجئك ما سأقوله، لكنني أتفق معك، بخلاف بعض زملائي، بمن فيهم عدد من مسؤولي وزارة الدفاع. في المستقبل، ستكون القنابل المحمولة في الحقائب تهديدا أكبر بكثير. وهناك نقاط يمكنني أن أختلف معك فيها. فعلى سبيل المثال، عندما تقول: "علينا أن نفعل ذلك الآن". أرى أنه سيكون من الأفضل التركيز على التهديدات التي سنواجهها بعد ثلاثين عاما…

الرئيس (مقاطعا): عليّ أن أركّز على التهديدات التي ستواجهنا قبل ذلك بكثير.

بوتين (وقد بدا للحظة خارج إيقاعه، ومتفاجئا حقا من الرد): حسنا، لكن علينا أن نفكر مليا في كيفية تجنب أي خطوات خاطئة. أستطيع أن أرى بوضوح تام أن الولايات المتحدة لا تستعد لتوجيه ضربة نووية ضد روسيا. لكن علينا أن نتعامل مع ميزان القوى بيننا بحذر شديد، مع أخذ المستقبل في الاعتبار تماما كما نأخذ الحاضر. حتى ما يقوله خبراؤكم في الاجتماعات المشتركة أمام خبرائنا يؤكد كثيرا من مخاوفنا.

بوتين: روسيا قد تحتاج إلى اتخاذ إجراءات مضادة، على هيئة قدرات صاروخية أقصر مدى، تستهدف منشآت الدفاع الصاروخي الأميركية في أوروبا

ثم أعاد بوتين سرد رواية محرَّفة لما قال إن سيرغي إيفانوف سمعه في "الدبابة" عن مزاعم بأن العسكريين الأميركيين أكدوا أن الدفاع الصاروخي الوطني صمم لمواجهة ثالوث نووي، وأن روسيا هي الدولة الوحيدة التي تمتلك ثالوثا إلى جانب الولايات المتحدة، وبالتالي فالنظام موجَّه ضد روسيا. لذلك يعتقد كثيرون عندنا أن ميزان القوى مختل، أو لعله في طريقه إلى الاختلال.

وتحدث بوتين عن خطاب ألقاه بريماكوف اليوم في البرلمان، قال فيه إن روسيا قد تحتاج إلى اتخاذ إجراءات مضادة، على هيئة قدرات صاروخية أقصر مدى، تستهدف منشآت الدفاع الصاروخي الأميركية في أوروبا (وربما كان يقصد رادارات المرحلة الثانية في المملكة المتحدة وغرينلاند).

قاطع الرئيس الأميركي بإيجاز قائلا إن بوتين ربما لم يفهم "التدرج المرحلي" للنظام والمقترح الأميركي.

بوتين: ما أعنيه هو أن هناك بحثا محموما هنا عن إجراءات مضادة، وقد يقود ذلك إلى رد غير متوقع.

ثم سأل بوتين سؤالا بلاغيا عما إذا كان الرئيس الأميركي يعرف كيف بدأ البرنامج النووي السوفياتي، وروى حكاية لافرينتي بيريا الذي كلفه ستالين بالإشراف على مشروع عاجل، فجمع بيريا العلماء، ووزّع المهام عليهم وحدد المهل؛ فمن أنجز مهمته في الوقت نال لقب "بطل الاتحاد السوفياتي"، ومن أخفق أُعدم. وبعد إزالة الستالينية مُنح كثير ممن أُعدموا أو ماتوا في المعسكرات اللقب نفسه بعد وفاتهم. ثم خلص إلى أن عددا غير قليل من العلماء الأميركيين تجسسوا لصالح الاتحاد السوفياتي ونقلوا أسرارا نووية، لا لأنهم خونة، بل لأنهم كانوا يؤمنون، كما قال، بـ"الردع المتبادل" وأرادوا ضمان السلام عبر التوازن.

الرئيس: هذا مثير للاهتمام. وأنا أيضا أؤمن بالردع المتبادل وبالتوازن. ولهذا نعد هذه الوثيقة ونقدم هذا المقترح.

ثم انتهى العشاء، وتوجه الرئيسان إلى حفل الجاز.

font change