تكشف ملاحظات رُفِعَت عنها السرية حديثا من أول قمة رئاسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس أميركي هو بيل كلينتون في يونيو/حزيران عام 2000، عن ثوابت في أسلوب الزعيم الروسي: الإطراء، والمزاح حول الرياضة، وإظهار الموافقة مع قول "لا" فعليا، وإلقاء دروس في التاريخ.
جاء ذلك وفق وثائق حصل عليها أرشيف الأمن القومي عبر دعوى حرية المعلومات، ونُشرت مؤخرا. الملاحظات التي دوّنها ستروب تالبوت، نائب وزير الخارجية آنذاك، تُظهر بوتين في أكثر فتراته تعاونا وتوجها نحو الغرب، حيث كان يأمل في اندماج كامل لروسيا ضمن منظومة الأمن الأوروبية وحتى في "حلف شمال الأطلسي" (الناتو). وكان بوتين يؤكد التعاون في كل النقاط، الاستراتيجية والاقتصادية، حتى عندما كان ينوي الاختلاف. وكان قد نجح مؤخرا في إجبار مجلس الدوما الروسي على التصديق على معاهدة "ستارت-2" للحد من الأسلحة النووية، وهو ما فشل فيه سلفه بوريس يلتسين لسنوات.
ورغم قلة خبرته آنذاك، بدا بوتين واثقا ومسيطرا تماما على ملفاته، ينتقل بسلاسة بين المواضيع ويحاول إبهار الرئيس الأميركي.
تشمل الوثائق تعليقات تحليلية موسعة حول أسلوب بوتين، وتقييمات نفسية له، واقتباسات درامية تفضّل استخدام القوة على التفاوض (إعطاؤهم ما يستحقونه)، ووصفاً لدوافع روسيا وخطوطها الحمراء. وكلها ناتجة عن ملاحظات مباشرة عن قرب من قبل تالبوت المتقن للغة الروسية، خلال قمة يونيو 2000 بين بوتين وكلينتون في الكرملين.
كان بوتين وكلينتون قد التقيا سابقا عندما كان بوتين رئيسا للوزراء أو رئيسا بالإنابة بعد استقالة يلتسين ليلة رأس السنة 1999، لكن قمة موسكو كانت الأولى بعد انتخاب بوتين رسميا رئيسا في ربيع 2000. وكان تالبوت هو مدوّن الملاحظات الأميركي خلال الاجتماعات الثلاثة "المنفردة" (والتي كانت في الواقع 3 مقابل 3 مع مترجمين ومدونين).
تُظهر هذه الملاحظات الاستخدام المتكرر من بوتين لـ:
• الإطراء، وقوله "لقد فعلت الكثير لبلدك... ربما بقدر أي رئيس منذ روزفلت".
• المزاح الرياضي، وقوله "الشكوى من صعوبة إيجاد شريك تدريب جودو عندما تكون رئيسا".
• المحاضرات التاريخية، مثل قوله "استفادة البرنامج النووي السوفياتي من جواسيس داخل الولايات المتحدة".
• تكرار عبارات "أولا، لا تُلحق ضررا".
• الدفاع الحاد عن الحرب الوحشية في الشيشان، بقوله "أناس قساة يريدون قتل جميع اليهود".
• إظهار موافقة ظاهرية تُخفي رفضا جوهريا للتنازل عن الاعتراض الروسي على الدفاع الصاروخي، وقوله "بحث محموم عن إجراءات مضادة قد يؤدي إلى رد غير متوقع".
كما يتضمن النشر مذكرة محادثة رسمية لإحدى الجلسات العامة، أُفرج عنها من مكتبة كلينتون الرئاسية، وتوثق نقاشا لافتا حول احتمال انضمام روسيا إلى "الناتو"، حيث قال بوتين: "يسعدني ذلك". أما المذكرة الخاصة بالجلسة العامة الثانية فلا تزال سرية.
وقد نشر تالبوت نفسه نسخة مختصرة من هذه المحادثات في كتابه "The Russia Hand" في 2002، مستندا بوضوح إلى ملاحظاته الحرفية. لكن الوثائق الأصلية ظلت سرية حتى الإفراج عنها هذا العام (2025) نتيجة دعوى قانون حرية المعلومات.
واللافت أن نهج بوتين في الشيشان آنذاك وتفضيله للقوة على التفاوض يوازي موقفه الحالي من أوكرانيا، حيث إنه هو من بدأ الهجوم ويمكنه إنهاء الحرب إن أراد.
أما الموضوع الآخر المحوري- الدفاع الصاروخي- فلا يزال قضية ملتهبة، مع اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجديد ببناء "قبة ذهبية" فوق الولايات المتحدة. وكتب تالبوت أن الدفاع الصاروخي كان "واحدا من سلسلة برامج عسكرية أميركية تخشاها روسيا وتعارضها، وربما أكثر إثارة لاعتراضها من توسع (الناتو) أو حملة (الناتو) الجوية على يوغوسلافيا".
ومن اللافت أيضا أنه عندما كتب بيل كلينتون مذكراته "My Life" (2004)، شارك كثيرا من المخاوف التي عبّر عنها بوتين خلال القمة، مشككا في جدوى أنظمة الدفاع الصاروخي ومُحذرا من أنها قد تُشعل سباقات تسلح جديدة وتزيد العالم خطرا بدلا من حمايته.
الجلسة الأولى
عُقد أول لقاء ثنائي بين الرئيسين كلينتون وبوتين الذي كان قد تولّى الرئاسة حديثا في شقة بوتين الخاصة داخل الكرملين، واستمر لأكثر من ساعتين ونصف. وبعد بعض الأحاديث الخفيفة عن الرياضة والتمارين، بدأ بوتين بمجاملة كلينتون، مستعيدا لقاءهما في نيوزيلندا في سبتمبر/أيلول 1999 بعد فترة قصيرة من تولّي بوتين منصب رئيس الوزراء. قال الرئيس الروسي لنظيره الأميركي "أتذكر كم كنت لطيفا وودودا وداعما عندما كنت أخطو خطواتي الأولى في القيادة. أتذكر كيف أمسكت بيدي بعد العشاء وقُدتني إلى تلك القاعة، وكيف صفق لنا الناس هناك معا". وواصل بوتين الإشادة بمساهمة كلينتون في بناء العلاقات الأميركية–الروسية خلال سنواته الثماني في الحكم. وتؤكد ملاحظات كاتب المحضر محاولة بوتين خلق أرضية مشتركة (أتفق معك تماما) والإكثار من الإطراءات؛ إذ وصف كلينتون بأنه "أحد أبرز مواطني العالم"، و"رجل دولة محنّك ومتمرس"، وقارنه بفرانكلين روزفلت.
وتُظهر الملاحظات أيضا أن بوتين كان مستعدا جدا للاجتماع ومتمكنا من تفاصيل مجموعة واسعة من القضايا، مثل الحملة الانتخابية الأميركية، ومقترحات الدفاع الصاروخي الوطني، والوضع في البلقان، وموضوعه المفضل: الإرهاب الدولي. وشدّد بوتين على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة في كل موضوع. وانخرط الرئيسان في نقاش "سري للغاية" حول صربيا وكيفية "إخراج (سلوبودان) ميلوسيفيتش من السلطة". ويبدو أن الزعيمين اتفقا تماما على هذا الموضوع وتعاهدا على العمل معا، غير أن بوتين حذّر قائلا: "علينا أن نكون حذرين وأن لا نجعل من إزالته هدفا سياسيا علنيا".
وكان بوتين متحمسا أيضا لمناقشة الوضع في الشيشان، الذي عرّفه حصريا باعتباره تهديدا إرهابيا، مشددا على وحشية الشيشانيين وقسوتهم ومعاداتهم للسامية. وفي الوقت نفسه، اعترض بوتين على أوصاف "الفظائع المزعومة أو الأسطورية التي ارتكبها الجيش الروسي. يُتحدث عنها طوال الوقت، لكن الناس يلتزمون الصمت حيال الفظائع الحقيقية".
وفي ختام الحديث، قدّم بوتين لكلينتون درسا في التاريخ، وهو ما سيفعله كثيرا في محادثاته المستقبلية مع قادة أجانب. وكان هذا الدرس عن أصل البرنامج النووي السوفياتي، عندما عيّن ستالين رئيس الشرطة السرية لافرينتي بيريا رئيسا للبرنامج النووي السوفياتي. ويبدو أن بوتين معجب بكفاءته: "من أنجز مهمته في الوقت المحدد مُنح لقب بطل الاتحاد السوفياتي، ومن لم يفعل أُعدم".
كان اللقاء ثريا في مضمونه ووديا. وأعرب كلينتون عن رضاه عن تعاون بوتين وقال له: "أعتقد أنك الشخص المناسب لقيادة هذا البلد".
وهنا ترجمة عربية لمحضر الجلسة الأولى في 3 يونيو 2000:
اللقاءات الثنائية بين كلينتون وبوتين
قمة موسكو، 3–5 يونيو/حزيران 2000
كاتب المحضر: ST
9 يونيو/حزيران 2000
الجلسة الأولى: عشاء عمل، الأجنحة الخاصة في الكرملين (8:10 – 10:50 مساء)
استُهل الحديث بتبادل أطراف الحديث عن الرياضة. أشار بوتين إلى تعرّضه لإصابة أثناء التزلج، وقال إنه حين يتعرض لإصابة يفتقد على نحو خاص تمارينه المعتادة، لذلك يحاول أن يكون حذرا. سأل الرئيس الأميركي ما إذا كان بوتين لا يزال يمارس الجودو، فأجاب بوتين بأنه اعتاد الالتزام الصارم بالتمارين طوال حياته، وكان بطلا في الجودو بمدينة لينينغراد، غير أنه يجد صعوبة في مواصلة الممارسة في ظل منصبه الحالي، ما يسبب له قدرا من الإحباط. وأضاف أنه سيُطلع الرئيس لاحقا على الصالة الرياضية القريبة منه. عقّب الرئيس بأنه قرأ كتاب بوتين ولاحظ مدى تركيزه على الجودو وفنون القتال، متسائلا ما إذا كان بالإمكان الاستمرار في ممارستها. نفى بوتين ذلك، موضحا صعوبة إيجاد شريك للمنازلة، فضلا عن ضيق الوقت المتاح.



