القوقاز يتصدع جراء "حرب إيران"... التوازنات الإقليمية الجديدة

قد تشهد المنطقة تحولات سياسية وأمنية حادة في المدى المنظور

رويترز
رويترز
لاجئون من منطقة ناغورنو كاراباخ يستقلون شاحنة لدى وصولهم إلى قرية كورنيدزور الحدودية في أرمينيا، 27 سبتمبر 2023

القوقاز يتصدع جراء "حرب إيران"... التوازنات الإقليمية الجديدة

ما إن اندلعت الحرب بين إيران والولايات المتحدة في أوائل شهر مارس/آذار المنصرم، حتى ارتفعت مستويات التضخم الاقتصادي في أرمينيا بشكل استثنائي، بالذات في قطاعات الطاقة والأدوات الكهربائية والمواد الأساسية، التي تستوردها من إيران بشكل شبه كامل. في وقت انتعشت فيه خزينة "جارتها اللدودة" أذربيجان، بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً. في السياق ذاته، باتت الأوساط السياسية والشعبية الأرمينية تشعر بقلق شديد من أن تؤدي نتائج الحرب إلى فقدان أرمينيا للحليف الاستراتيجي الوحيد المتبقي إلى جوارها الحدودي، في وقت تطلعت فيه الأوساط الأذربيجانية إلى إمكانية تعزيز مكانتها الجيوسياسية في إقليم القوقاز، عبر ما قد تحرزه من نفوذ في الداخل الإيراني نفسه مستقبلاً، حيث يعيش قرابة 17 مليون أذري، يملكون وشائج قومية مع الجارة الشمالية لإيران.

التفاصيل السابقة، وإلى جانبها الكثير من الوقائع السياسية والميدانية التي تحدث يومياً، جراء الحرب الأخيرة، تدل بمجموعها إلى أن إقليم القوقاز قد يشهد تحولات سياسية وأمنية حادة خلال المدى المنظور، في انعكاس لما قد يطرأ على مكانة ودور إيران في المشهد الإقليمي هُناك. فالتعاطي والعلاقات بين الدول "الصغيرة" الثلاث ضمن ذلك الإقليم، أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، تشهد علاقتها حساسيات قومية وجغرافية متنافرة وقابلة للصِدام في أي وقت، متأثرة للغاية بتبدلات توازن القوة بين الدول المحيطة الأكبر، إيران وروسيا وتركيا.

هشاشة أرمينيا

في صيف عام 2020 شن الجيش الأذربيجاني هجوماً سريعاً على أرمينيا، وتمكن خلال أربعة أيام وحسب من استعادة كامل المناطق المتنازع عليها تاريخياً بين الطرفين في إقليم ناغورنو كاراباخ، ذي الأغلبية السكانية الأرمنية. الهجوم الأذربيجاني تم عبر دعم عسكري وسياسي تركي مفتوح، في وقت لم تتمكن فيه روسيا، حليفة أرمينيا التقليدية، من تقديم أي شكل من الحماية أو الدعم لها، بل أجبرتها على توقيع اتفاقية خاضعة لشروط الأمر الواقع، لم تتمكن حتى من حفظ حقوق السكان الأرمن في ذلك الإقليم المتنازع عليه، عبر الحظي بشكل من الحكم الذاتي، كما كانت تتعهد أذربيجان في مراحل ما قبل الحرب، بل هُجر مئات الآلاف منهم إلى داخل أرمينيا.

كانت أرمينيا تجد في إيران حليفاً إقليمياً موثوقاً، تجمعها به الخشية المستدامة من النفوذ الإقليمي التركي وزيادة الوزن العسكري والاستخباراتي الأذربيجاني

طوال أربع سنوات تالية للحرب، تلقت أرمينيا الكثير من الوعود الروسية بالدعم، بغية تغيير الوقائع على الأرض وتحسين شروط العلاقة والتوازن مع الجارة أذربيجان، لكنها لم تحصل على أي شيء موضوعياً، فأعلنت في أوائل عام 2024 تجميد عضويتها في منظمة "معاهدة الأمن الجماعي"، التي تشكل الذراع الأمنية والعسكرية لروسيا في الدول الآسيوية من المنظومة السوفياتية السابقة، لكنها كانت أيضا بمثابة مظلة أمنية استراتيجية لحماية أرمينيا نفسها.

في تلك الأوقات نفسها، كانت أذربيجان تتلقى كل أشكال الدعم المفتوح من تركيا، وتدخل في شراكة أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة مع إسرائيل، وإن غير معلنة في الكثير من جوانبها. ما دفع الكثير من المراقبين الأرمن إلى التشكيك في إمكانية وقف الحرب وكبح التطلعات الأذربيجانية عند حدود المناطق المتنازع عليها، متوقعين جموحاً في أهدفها، التي قد تستهدف احتلال جنوب أرمينيا الفاصل بين "جيب ناخيتشيفان" الأذربيجاني وباقي الأراضي الأذربيجانية.

أ ف ب
جنود أذر يُعربون عن حزنهم بجوار صورة على شاهد قبر وأعلام أذربيجانية ترفرف في مقبرة تذكارية في باكو، 27 سبتمبر/أيلول 2023، إحياءً للذكرى السنوية الثالثة لبداية حرب كاراباخ الثانية

خلال هذه المرحلة، كانت أرمينيا تجد في إيران حليفاً إقليمياً موثوقاً، تجمعها به الخشية المستدامة من النفوذ الإقليمي التركي وزيادة الوزن العسكري والاستخباراتي الأذربيجاني. فالتقديرات الأرمينية تقول إن توقف الحرب في صيف عام 2020 بعد أربعة أيام فحسب، على الرغم من هزيمة الجيش الأرميني، وعدم سعي الجيش الأذربيجاني لفتح الحدود مع "جيب ناخيتشيفان" كان بسبب إشارات إيرانية واضحة وقتئذ، بعد نشر وحدات من "الحرس الثوري" على الحدود مع أذربيجان، وتأكيدها عدم القبول بكسر التوازن الإقليمي هناك تماماً.

لكن ذلك أيضاً يبدو في طور الانهيار، فاحتمال أن يجري النظام الإيراني إعادة نظر في أولوياته وسياساته، في ظل تركيزه المستقبلي الشديد على الداخل، أو حتى تضعضع مكانته الإقليمية والعسكرية، سيلحق شكلين من الضرر بأرمينيا، فمن طرف سيسمح لأذربيجان بالتطلع لحل المسائل العالقة بمزيد من الفروض الميدانية، بالذات فيما خص عُقدة الجغرافيا المتداخلة والقلقة بين البلدين. كذلك قد يحرمها الأمر من واردات "ممر زانغزور"، الفاصل بينها وبين إيران، والذي يُعد ممراً لعبور كميات هائلة من البضائع الروسية نحو آسيا عبر إيران، والعكس. وهو من أهم موارد الخزينة العامة الأرمينية.

غموض أذربيجان

في حديث مطول مع "المجلة"، يشرح الباحث الأذربيجاني المقيم في ألمانيا رشاد علي نرجس ما يسميه "حسابات أذربيجان بعيدة المدى"، متوقعاً حذراً شديداً في قراءاتها للوقائع الإقليمية جراء ما يحدث في إيران، وتمهلاً مستداماً في إمكانية تمددها نحو أرمينيا، قبل اتضاح كامل اللوحة الإقليمية، وحتى الدولية، عقب انتهاء الحرب الحالية.

طوال سنوات (2020-2025) كان "السلام الهش" يجمع أذربيجان بأرمينيا، فالتوترات الأمنية كانت تندلع بين فترة وأخرى، وتصل في بعض الأحيان إلى مستويات خطيرة

يوضح نرجس رؤيته حسب ما يلي: "لو أخذنا موقف أذربيجان اعتباراً مما قد يفرزه ضعف إيران من نتائج على العلاقة مع الجارة أرمينيا، فإن الحرب الحالية هي فرصة استراتيجية استثنائية بالنسبة لأذربيجان. لكن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فبعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، سقطت طائرات مُسيرة إيرانية في (جيب ناخيتشيفان) الأذري، ما دفع الرئيس إلهام علييف إلى إدخال الجيش في حالة تأهب قصوى. فالحادث كان بمثابة إنذار إيراني لأذربيجان، التي من الواضح أنها أقرب إلى إسرائيل في هذه الحرب، والتوازن البارد بينها وبين إيران قائم لأسباب متعلقة بالتوازن والتوافق بين إيران وتركيا، لكن ذلك قد لا يدوم طويلاً، خصوصاً لو خرجت إيران من هذه الحرب بشيء من الاستمرارية".

يتابع الباحث رشاد علي نرجس قائلاً: "ثلاث ملفات متداخلة تدفع أذربيجان للكثير من الحذر تجاه الحرب الراهنة. فموقف تركيا ليس واضحاً تماماً مما يجري، لأنها وإن كانت حليفة استراتيجية للولايات المتحدة وتملك علاقات دبلوماسية واقتصادية مع إسرائيل، لكنها تخشى تماماً من إمكانية انهيار النظام الإيراني، لأن ذلك سيكون ذا تأثير استراتيجي بعيد المدى على استقرارها الداخلي، وأذربيجان مجبرة على مطابقة الموقف التركي في هذا السياق. كذلك تخشى أذربيجان من أية توترات داخلية في إيران. فملايين الأذر الإيرانيين قد يدخلون في مواجهة مستعرة مع أي نظام سياسي جديد إيران، الذي قد يُشيد شرعيته الداخلية بناء على قمعه للطموحات الأذرية بالانفصال أو الحصول على شكل من الحكم الذاتي، وهذا له تأثير شديد على استقرار أذربيجان الداخلي. المسألة الثالثة تتعلق بتضاؤل قدرة أذربيجان على التصرف عبر شبكة واسعة ومتكاملة من العلاقات المتناقضة، كما تفعل منذ سنوات، وتعتبر ذلك مصدراً رئيساً لقوتها الإقليمية. فتصاعد الحرب وتوسعها قد يُجبر باكو إلى الاختيار بين إيران وتركيا وروسيا من طرف أو إسرائيل والولايات المتحدة من طرف آخر، وفي الحالتين ثمة مخاطرة شديدة على أمنها واستقرارها الجيوسياسي".

الغطاء الأميركي الرقيق

طوال سنوات (2020-2025) كان "السلام الهش" يجمع أذربيجان بأرمينيا، فالتوترات الأمنية كانت تندلع بين فترة وأخرى، وتصل في بعض الأحيان إلى مستويات خطيرة، كما حدث في مناطق "قره باخ" الجبلية في خريف عام 2023. فاتفاقية وقف إطلاق النار التي أُعلنت برعاية روسية عقب حرب الأيام الأربعة لم تجب على مجمل الأسئلة الجوهرية التي كان يتطلع إليها الطرفان، بالذات شكل الحكم في المناطق المتنازع عليها وعودة المهجرين الأرمن وآلية تواصل أذربيجان مع "جيب ناخيتشيفان" التابع لها.

تحقق الاختراق المفاجئ في الاجتماع الذي عقده قادة البلدين في البيت الأبيض في الثامن من أغسطس 2025، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب

تحقق الاختراق المفاجئ في الاجتماع الذي عقده قادة البلدين في البيت الأبيض في الثامن من أغسطس/آب 2025، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب. إذ وقعا بالأحرف الأولى على اتفاقية، تنص في مضامينها الرئيسة على منح أذربيجان حرية التواصل البري مع "جيب ناخيتشيفان" عبر ممر آمن، شريطة أن يكون خاضعاً قضائياً وأمنياً وسيادياً لسلطة أرمينيا، لأنه يعبر أراضيها، كما أكد على ضرورة تحويل تلك الجغرافيا إلى مركز للتنمية الاقتصادية، بخطط تتقصد إنشاء سكك للقطارات وممرات لنقل الخطوط الكهربائية والألياف الضوئية والتعاون الاقتصادي والاعتراف المتبادل بالسيادة على كامل الأراضي المعترف بها دولياً.

أ ب
الرئيس دونالد ترمب، في الوسط، برفقة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، على اليمين، ورئيس أذربيجان إلهام علييف، يوقعون اتفاقية ثلاثية خلال حفل أقيم في قاعة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض، يوم الجمعة 8 أغسطس 2025

صحيح أن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس زار أرمينيا في أوائل العام الجاري، بغية تأكيد المظلة الأميركية للاستقرار في جنوب القوقاز، استناداً إلى اتفاقية "طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين (TRIPP)"، حسب تصريحاته، لكن المراقبين الأرمن يُشيرون إلى ثلاثة هواجس تنتابهم باستمرار بشأن المستقبل القريب لهذه الاتفاقية.

فهي أولاً اتفاقية موقعة بالأحرف الأولى، وليست مُقرة وناجزة وتحت مراقبة الجهات الراعية والمؤسسات الدولية، وتالياً يُمكن التملص منها تحت أية ذريعة كانت، أو حتى عدم إتمامها. كذلك لأنها مثل أية اتفاقية أخرى، خاضعة للشروط الموضوعية على أرض الواقع، فبغياب إيران كقوة مساندة لأرمينيا ضمن الحسابات الخاصة بإقليم القوقاز، أو في حال زيادة الاستقطاب بينها وبين الولايات المتحدة الراعية لهذا الاتفاق، تفقد أرمينيا شعورها بالطمأنينة بعيدة المدى. مع الأمرين، فإن انشغال روسيا التام بالملف الأوكراني، وهي القوة الدولية الوحيدة ذات الحضور العسكري في أرمينيا، وقابليتها لتقديم تنازلات لتركيا، وتالياً لأذربيجان في هذا الملف، طلباً للدعم التركي، يؤثر على حالة الاستقرار المديدة، خصوصاً وأن الولايات المتحدة لا تنتشر أو تعتبر حضورها في القوقاز أمراً استراتيجياً.

font change

مقالات ذات صلة