ما إن اندلعت الحرب بين إيران والولايات المتحدة في أوائل شهر مارس/آذار المنصرم، حتى ارتفعت مستويات التضخم الاقتصادي في أرمينيا بشكل استثنائي، بالذات في قطاعات الطاقة والأدوات الكهربائية والمواد الأساسية، التي تستوردها من إيران بشكل شبه كامل. في وقت انتعشت فيه خزينة "جارتها اللدودة" أذربيجان، بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً. في السياق ذاته، باتت الأوساط السياسية والشعبية الأرمينية تشعر بقلق شديد من أن تؤدي نتائج الحرب إلى فقدان أرمينيا للحليف الاستراتيجي الوحيد المتبقي إلى جوارها الحدودي، في وقت تطلعت فيه الأوساط الأذربيجانية إلى إمكانية تعزيز مكانتها الجيوسياسية في إقليم القوقاز، عبر ما قد تحرزه من نفوذ في الداخل الإيراني نفسه مستقبلاً، حيث يعيش قرابة 17 مليون أذري، يملكون وشائج قومية مع الجارة الشمالية لإيران.
التفاصيل السابقة، وإلى جانبها الكثير من الوقائع السياسية والميدانية التي تحدث يومياً، جراء الحرب الأخيرة، تدل بمجموعها إلى أن إقليم القوقاز قد يشهد تحولات سياسية وأمنية حادة خلال المدى المنظور، في انعكاس لما قد يطرأ على مكانة ودور إيران في المشهد الإقليمي هُناك. فالتعاطي والعلاقات بين الدول "الصغيرة" الثلاث ضمن ذلك الإقليم، أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، تشهد علاقتها حساسيات قومية وجغرافية متنافرة وقابلة للصِدام في أي وقت، متأثرة للغاية بتبدلات توازن القوة بين الدول المحيطة الأكبر، إيران وروسيا وتركيا.
هشاشة أرمينيا
في صيف عام 2020 شن الجيش الأذربيجاني هجوماً سريعاً على أرمينيا، وتمكن خلال أربعة أيام وحسب من استعادة كامل المناطق المتنازع عليها تاريخياً بين الطرفين في إقليم ناغورنو كاراباخ، ذي الأغلبية السكانية الأرمنية. الهجوم الأذربيجاني تم عبر دعم عسكري وسياسي تركي مفتوح، في وقت لم تتمكن فيه روسيا، حليفة أرمينيا التقليدية، من تقديم أي شكل من الحماية أو الدعم لها، بل أجبرتها على توقيع اتفاقية خاضعة لشروط الأمر الواقع، لم تتمكن حتى من حفظ حقوق السكان الأرمن في ذلك الإقليم المتنازع عليه، عبر الحظي بشكل من الحكم الذاتي، كما كانت تتعهد أذربيجان في مراحل ما قبل الحرب، بل هُجر مئات الآلاف منهم إلى داخل أرمينيا.

