كيف تتحرك باكستان لإنجاز "الاتفاق النهائي" بين إيران وأميركا؟

تبقى مسألة العقوبات بندا يبدو كأنه مستقى من "كتاب قواعد" أوباما، وهو ما يضيق به ترمب ولا يحب الاعتراف به

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران، 23 مايو 2026

كيف تتحرك باكستان لإنجاز "الاتفاق النهائي" بين إيران وأميركا؟

تتوالى المستجدات على المشهد بوتيرة متسارعة، وغالبا ما تأتي عبر منشورات يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، بما يوحي بأن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بات وشيكا. وخلال زيارة رسمية إلى الهند، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن المفاوضات دخلت مرحلتها الأخيرة. هنا، ينقسم الجدل الإعلامي والسياسي داخل الولايات المتحدة بين سؤال: "هل يمضي ترمب في الاتفاق أم يتراجع؟" وبين أصوات متشددة في الكونغرس، ومجلس الشيوخ تدفع نحو مواصلة المواجهة، وأخرى ترى أن ما جرى لم يكن، في جوهره، سوى حرب إسرائيلية.

في غضون ذلك، تواصل باكستان انتهاج سياسة دقيقة تقوم على حفظ التوازن، وتسعى إلى ضبط حساسيات الإيرانيين والأميركيين على حد سواء. كما تضطلع بدور دبلوماسي بالغ الحساسية، إذ تتحرك الدبلوماسية الباكستانية بوتيرة شبه يومية بين بكين وطهران، بالتوازي مع اتصالات تنسيقية لا تنقطع مع السعودية وقطر وتركيا.

وتتحرك خيوط هذا المسار بحذر شديد، ضمن مداولات محسوبة بين مختلف الأطراف. ولا يعد مضمون هذه المداولات سرا، إذ إن النقاط الرئيسة معروفة، وغالبا ما يناقشها المسؤولون أنفسهم، غير أن تنفيذ هذه النقاط يبقى العقبة الأبرز، إذ لا تزال تفاصيله طي الكتمان، فيما يبدو الإعلان النهائي وشيكا، وغير مؤكد بعد.

رغم أن إيران دأبت، منذ عهد الخميني، على التأكيد أن السلاح النووي يتعارض مع الإسلام، فإن العالم الخارجي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، لم يقتنع تماما بكلام الرجل الذي قاد ثورة عام 1979 

"لن تمتلك إيران أسلحة نووية"... لكن هل يكفي ذلك لصنع اتفاق؟ 

كما قال روبيو، تحقق تقدم مهم، لكن الطريق لم يبلغ نهايته بعد. وفي هذه المرحلة، تبدو الصيغة الأساسية للاتفاق قائمة على أن إيران وافقت، بحسب ما يتردد، على التخلي علنا عن أي مسعى لامتلاك أسلحة نووية، والتنازل عن التخصيب بدرجة نقاء تصلح للاستخدام العسكري، وفتح برنامجها النووي أمام التفتيش الدولي. وأكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده لن تسعى أبدا إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها تريد طمأنة المجتمع الدولي في هذا الشأن. غير أن هذا التأكيد لا يزال يحتاج إلى ما يعضده، ولا سيما أمام الجمهور الأميركي، كي يجد ترمب مخرجا يتيح له التراجع. ورغم أن إيران دأبت، منذ عهد الخميني، على التأكيد أن السلاح النووي يتعارض مع الإسلام، فإن العالم الخارجي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، لم يقتنع تماما بكلام الرجل الذي قاد "ثورة" عام 1979. 

كانت إحدى العقد الأساسية في المفاوضات هي كيفية ضمان التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، وصوغ آليات تمنع تخصيب اليورانيوم من الاقتراب من العتبة الفاصلة. ولا تزال هذه المسألة غير واضحة حتى الآن. غير أن الصين والولايات المتحدة، في الحد الأدنى، تلتقيان عند هذا الشرط. وقد شكلت إيران، والحل المطروح لملفها، جزءا من الملفات التي جرى نقاشها ضمن زيارة ترمب إلى الصين. 

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولتهما في بكين، الصين، في 14 مايو 2026

كما أجرى وزير الخارجية الباكستاني أكثر من جولة خارجية، فيما باشر رئيس الوزراء شهباز شريف زيارة تمتد لأربعة أيام إلى الصين، بالتزامن مع وجود قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران قبل انتقاله الى بكين للانضمام الى شريف، حيث قال خلال لقائه وزير الخارجية الصيني، وانغ يي الاثنين إن التوصل إلى اتفاق بين إيران وأميركا قريب، في وقت أشاد الرئيس الصيني شي جين بينغ،  بالصداقة "المتينة" بين الصين وباكستان، ذلك خلال استقباله شريف، في مسعى لتعميق شراكتهما "في كل الظروف". 

وكان ترمب وجه خلال اتصال شارك فيه مسؤولون من المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر، الشكر إلى منير على جهوده، فيما كان الأخير في العاصمة الإيرانية. ومن هنا، يبدو واضحا أن المسار لم يعد محصورا بتفاهم أميركي إيراني، بل صار يتحرك ضمن إطار إقليمي أوسع، يضفي على الاتفاق المرتقب طابعا أشمل.  

وشدد مجلس التعاون الخليجي، على ضرورة حضوره في أي اتفاق نهائي تتوصل إليه إسلام آباد، ويبدو أن ممثليه قد يتوجهون إلى باكستان للمشاركة في جولة جديدة من المحادثات. وفي المقابل، أبقت الصين قنواتها مفتوحة مع باكستان وإيران، وقدمت دعما علنيا للوساطة الباكستانية. كما حاول ترمب جاهدا إنهاء الحرب قبل رحلته إلى بكين. وتبقى الخلاصة أن منع إيران من بلوغ عتبة السلاح النووي هو القاسم المشترك بين هذه التحركات، في وقت تبدي طهران استعدادا لفتح منشآتها أمام تفتيش شفاف يثبت التزامها بهذا الشرط. 

هرمز والعقوبات وإسرائيل 

قد تقترب الصفقة النهائية، في جوهرها، من اتفاق عهد أوباما، بما قد يشكل إحراجا علنيا لترمب. فإذا كان ثمة ثابت يميز إدارتيه، الأولى والثانية، فهو حرصه على الظهور نقيضا للرئيس الأسبق باراك أوباما، بحيث يبدو كل ما يفعله قطيعة مع إرث تلك المرحلة. غير أن الخبراء الذين تابعوا هذا الملف يجمعون، ببساطة، على أن تجاوز اتفاق أوباما ليس خيارا واقعيا في هذه الحالة. وفي أفضل السيناريوهات، قد يكون ذلك السقف الأعلى لما يمكن أن تقبل به إيران، التي لم يعد لديها الكثير لتخسره، وازدادت تشددا بعدما اقتنعت بأنها تمسك بأوراق قوة مؤثرة عبر هرمز وممرات الشحن. 

(رويترز)
ناقلة النفط "أغيوس فانوريوس-1" بعد عبورها مضيق هرمز ووصولها إلى المياه العراقية قبالة البصرة، 17 أبريل 2026

وأحد المسارات العملية التي تحدث عنها مسؤولون باكستانيون يتعلق بالتنسيق الفعلي لحركة السفن وآلية التعامل مع مضيق هرمز. ففي حين لا تزال إيران متمسكة بفكرة فرض سلطة أشبه بـ" رسم عبور" يدر عليها الأموال، اختبرت باكستان بالفعل مقاربة أكثر واقعية. فخلال رحلات منير إلى طهران في الأسابيع الأخيرة، رافقه مدير عام العمليات العسكرية، اللواء كاشف عبد الله، ولمن لا يعرف، فإن هذا المنصب في الجيش الباكستاني يمثل غرفة العمليات التي تدير حركة الجيش اليومية، وتنسق أنشطته الميدانية. وإضافة لهذا المنصب، تولى كاشف أيضا التنسيق مع الأميركيين خلال حرب العشرين عاما في أفغانستان. ومن هنا يبرز السؤال: ما سبب وجوده في طهران وحضوره مثل هذه الاجتماعات؟  

الواضح أن الجيش الباكستاني لا يتحرك عبر القنوات الدبلوماسية وحدها، بل يدخل هذه المحادثات أيضا بعقلية عسكرية عملية، فالمطلوب هو تحديد ما ينبغي تحريكه، وضمان عدم تداخل الخطوط على نحو خطر، سواء في البحر أو على البر، بما يحول دون استهداف مزيد من المواقع العسكرية، ويدخل في هذا الإطار أيضا ملف الاعتداءات على دول خليجية أخرى. وهذا ملف تبدو باكستان وحدها قادرة على دفعه إلى نقطة حاسمة بالنسبة إلى مجلس التعاون الخليجي. وبموافقة أميركية، أقامت باكستان أيضا ممرا بريا من إيران للإمدادات والتبادلات التجارية، إلى جانب مسارات لإخراج السفن من المياه الإيرانية والخليجية نحو الموانئ الباكستانية القريبة في بلوشستان، وكان لعمان دور في هذه المحادثات، بهدف جعل عمان وباكستان، محطتين محتملتين لتخزين إمدادات النفط في حال عادت التوترات إلى التصاعد. 

على مدى العقد الماضي، كانت باكستان من أكثر الأطراف نشاطا في الدوريات التي تقودها الولايات المتحدة ودول الخليج في بحر العرب، عند نقطة اتصاله بمضيق هرمز، ثم جنوبا نحو المحيط الهندي 

كما اقترحت باكستان استضافة احتياطيات من النفط الخام لدول مجلس التعاون الخليجي، باعتبار ذلك ضمانة لاستقرار الإمدادات العالمية مستقبلا، غير أن هذا المسار يتطلب امتثالا إيرانيا شبه فوري. وفي المقابل، يمكن للنفط الإيراني أن يجد طريقه إلى باكستان، ثم يتجه شمالا نحو الصين، بما يتيح تلبية احتياجات مختلف دول المنطقة. وعلى مدى العقد الماضي، كانت باكستان من أكثر الأطراف نشاطا في الدوريات التي تقودها الولايات المتحدة ودول الخليج في بحر العرب، عند نقطة اتصاله بمضيق هرمز، ثم جنوبا نحو المحيط الهندي. وبعد انسحاب الولايات المتحدة، عقب مهلة الستين يوما المخصصة لتقليص قواتها، ستعمل باكستان، بالتنسيق مع شركائها الخليجيين، على إبقاء خطوط الملاحة البحرية مفتوحة. وبالفعل، بدأت سفن تابعة لدول ثالثة بالمغادرة بإذن أميركي وتنسيق باكستاني. 

(أ.ف.ب)
حوار بين فانس وقادة من باكستان قبل مغادرة إسلام آباد بعد تعثر المفاوضات، 12 أبريل 2026

وفي نهاية المطاف، تبقى مسألة العقوبات بندا يبدو كأنه مستقى من "كتاب قواعد" أوباما، وهو ما يضيق به ترمب ولا يحب الاعتراف به. أما حجم الأموال التي سيفرج عنها، وما سيحصل عليه الإيرانيون في المقابل، فتفاصيل تحتاج إلى وقت أطول قبل أن تستقر في صيغتها النهائية، وربما يمتد ذلك أشهرا. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، لن يستطيع ترمب الهروب من اسم أوباما كلما دار الحديث عن العقوبات والاتفاق مع إيران. ويقول العارفون باللغة التقنية لهذه الملفات إن ما يجري سيعيد إنتاج ترتيبات حقبة أوباما، وربما بصيغة أضعف، في ظل تشدد الموقف الإيراني. أما في ما يتعلق بإسرائيل، فعلى الرغم من قول ترمب إن "بيبي سيفعل ما أقول"، فإن ترجمة هذا الكلام إلى واقع ليست بهذه السهولة، خصوصا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، ومع اعتماد نتنياهو على التصعيد والحروب للبقاء في السلطة. وحتى الآن، لا يبدو أن شيئا حسم نهائيا، باستثناء خطوط الملاحة ومحادثات فض الاشتباك العسكري على الأرض. ولا يستطيع الجيش الباكستاني أن يقدم أكثر من ذلك. أما العقوبات والعامل الإسرائيلي، فيبقيان خارج نطاق صلاحيات باكستان، وسيجري حسمهما في الصيغة النهائية عندما تستأنف المحادثات في إسلام آباد بعد العيد. ويحتاج ترمب إلى العودة إلى ساحته السياسية الداخلية، لكنه لا يبدو مستعجلا. ومع ذلك، يبدو الخيار العسكري مستبعدا من الحسابات لبضعة أشهر على الأقل. وعندما تنعقد الجولة المقبلة في إسلام آباد، سيتضح المسار الذي ستسلكه مسألة العقوبات، وطريقة التعامل مع الملفات الإقليمية الأوسع. 

font change

مقالات ذات صلة