وسط تحولات استراتيجية يمكن أن تعيد رسم خارطة الأمن العالمي، أشعلت الحرب على إيران أزمة جديدة بين الولايات المتحدة وأوروبا وداخل حلف شمال الأطلسي، بسبب عدم تلبية الأوروبيين نداء الرئيس الأميركي بخصوص مضيق هرمز، أو نظرا لرفض الكثير من دول الحلف في القارة القديمة وضع قواعدها بتصرف القوات الأميركية، أو تقديم تسهيلات لواشنطن أو فتح الأجواء أمام طيرانها.
لا تعكس التوترات المتزايدة خلافات عابرة فحسب، بل تشير إلى فوارق في المقاربات وتحولات بنيوية في أولويات الطرفين. وبينما كانت الخطابات الرسمية تتحدث عن "قيم مشتركة"، يكشف التسلسل التاريخي عن تناقضات لها جذورها، وتبرز انعكاسات حرب إيران تباينا متصاعدا في المصالح والاستراتيجيات، يفرض على أوروبا إعادة التفكير في موقعها ودورها، وكيفية بناء دفاع ذاتي قادر.
اضطرابات بين ضفتي الأطلسي
من أبرز التحولات التي طرأت في السنوات الأخيرة: الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي تقلل من مركزية أوروبا في الحسابات الأميركية، وكيفية تحمل وتقاسم الأعباء المالية والدفاعية، والتنافس الاقتصادي والنظرة المختلفة في السياسات الخارجية.
في إطار التباعد الذي يلامس "الطلاق" بين واشنطن وشركائها التاريخيين الأوروبيين، صنف دونالد ترمب بعض الحلفاء بـ"الجبناء" ووصف "الناتو" بأنه "نمر من ورق". أما وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو فقال إن على الإدارة إعادة تقييم قيمة حلف "الناتو"، خاصة بعد رفض دول في الحلف منح الولايات المتحدة حق استخدام قواعد عسكرية لتنفيذ مهام عسكرية. من جهته، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن "الأمر لا يقتصر على شخصية ترمب أو سلوكه"، لأن "الولايات المتحدة، على مدى الخمسة عشر عاما الماضية، قررت أن القضية الأولى هي أميركا أولا. أما الأولوية الثانية فهي الصين... واستراتيجياتها ببساطة لا تضع المصالح الأوروبية في صميم اهتماماتها".

