هل تساعد الصين ترمب في إيجاد مخرج من الحرب على إيران؟

مع أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الصين على أنها "منافس استراتيجي"، فإنها لا تزال تراقب صعودها بقلق

المجلة
المجلة

هل تساعد الصين ترمب في إيجاد مخرج من الحرب على إيران؟

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يأمل في إنهاء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران قبل زيارته إلى الصين، حتى إنه أرجأ الزيارة مرة من قبل. غير أن شهرا مضى، ولا تزال نهاية الحرب بعيدة المنال. فإيران والولايات المتحدة عالقتان اليوم في منطقة رمادية، لا هما في حرب كاملة ولا في سلام فعلي. وعلى الرغم من التفوق العسكري الأميركي-الإسرائيلي الكاسح، رفضت إيران حتى الآن الجلوس مجددا إلى طاولة واحدة مع الولايات المتحدة، ناهيك عن الرضوخ لمطالبها. وبدلا من ذلك، راحت طهران توظف قدراتها في الحرب غير المتكافئة لإعادة شيء من التوازن إلى المعادلة.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وتراجع شعبيته إلى مستوى قياسي، لم يعد أمام ترمب خيار سوى التوجه إلى الصين، حتى إن كان ذلك يعني أنه سيفاوض من موقع ضعف، على أمل أن ينتزع اتفاقا تجاريا يستطيع تسويقه في الداخل على أنه انتصار. والأهم أن ترمب يراهن على أن الصين، أكبر شريك تجاري لإيران، ستستخدم نفوذها لدى طهران لدفعها إلى قبول اتفاق يجنب الولايات المتحدة مظهرا مهينا.

لكل شيء ثمن

دخل ترمب البيت الأبيض رافضا التدخلات العسكرية الأميركية في الخارج، ومتعهدا بوضع "أميركا أولا". غير أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران جاءت نقيضا لهذا التعهد. فقد جرّت الولايات المتحدة إلى مستنقع جديد في الشرق الأوسط، واستنزفت مواردها، وعمقت اغتراب حلفائها عنها، إلى حد دفع بعض منتقديها إلى السخرية منها باعتبارها نموذجا مدرسيا لشعار "إسرائيل أولا".

ومع أن الصين مستعدة لتحمل التبعات الاقتصادية لمثل هذا الطارئ الجيوسياسي، فإنها، مثل بقية العالم، وجدت نفسها عالقة في مرمى هذه الحرب. ومع ذلك، لا تنوي بكين معالجة نتائج أفعال خصمها، على الأقل من دون أن تعرض واشنطن الثمن المناسب.

مع تراجع الموقف الأميركي، سيتمكن شي من التحدث من موقع قوة. ومن المرجح أن يطالب ترمب بوقف ما تعتبره بكين تفريغا لمبدأ الصين الواحدة من مضمونه، وأن يعلن صراحة أن الولايات المتحدة لا تؤيد استقلال تايوان

فإذا كان مطلوبا من الصين أن تنقذ الولايات المتحدة من مأزقها، فماذا ستقدم واشنطن في المقابل؟ صحيح أن الصين تسعى إلى تخفيف وطأة عقيدة "الساحة الصغيرة والسياج العالي" الأميركية، غير أن مطلبها الأهم هو أن تسحب الولايات المتحدة ضمانها الأمني الفعلي لتايوان، وهي مصلحة صينية جوهرية. لكن، في الوضع الراهن، لا يبدو مرجحا أن تتخلى الولايات المتحدة عن أحد أبرز حلفائها، وعن "حاملة طائرات لا تغرق".

ومع أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الصين على أنها "منافس استراتيجي"، فإنها لا تزال تراقب صعودها بقلق. وإذا لمح ترمب مجرد تلميح إلى أن الولايات المتحدة قد تتخلى عن سياسة الغموض الاستراتيجي التي اتبعتها منذ عقود تجاه الإقليم الصيني المتمرد، متعهدا بعدم التدخل إذا اندلع نزاع بين تايوان والبر الرئيس الصيني، فسيواجه عاصفة اعتراض عنيفة، من الديمقراطيين ومن صقور المعادين للصين داخل "الحزب الجمهوري" على السواء.

تايوان هي الثمن

على الأرجح، سيخفض ترمب مستوى الدعم الأميركي لتايوان، لكنه سيتجنب الذهاب إلى حد تغيير الوضع القائم. فقبل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وفي خضم الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، ضغط الأمين العام شي جينبينغ على ترمب، الذي كان يواجه آنذاك سلسلة من النكسات الداخلية، لتأجيل صفقة أسلحة لتايوان تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.

رويترز
المدمرة الصاروخية الموجهة يو إس إس ميليوس (DDG 69) من فئة أرلي بيرك، والمنتشرة في منطقة عمليات الأسطول السابع الأميركي، وهي تعبر مضيق تايوان في موقع غير مُعلن، ونُشرت في 17 أبريل 2023

ومنذ ذلك الحين، ازداد الموقف الأميركي تدهورا. فالحرب استنزفت مخزون الذخائر الأميركي، ودفعت ترمب إلى مضاعفة الضغط على إيران عبر تخصيص مزيد من الأصول العسكرية الأميركية للشرق الأوسط. والأهم أن بعض هذه الأصول حوّل من منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في عودة جديدة تعيد ثقل واشنطن العسكري إلى الشرق الأوسط.

والأسوأ بالنسبة إلى ترمب أنه يواجه الآن انتكاسات كبيرة بعدما قضت المحكمة العليا الأميركية ومحكمة التجارة الدولية مؤخرا ضد كثير من رسومه الجمركية، معتبرتين أنه تجاوز صلاحياته. وعلى الرغم من أن لدى ترمب خطة بديلة، ولا يزال قادرا على فرض رسوم جمركية على الصين- وقد فعل ذلك بالفعل- فإن هذه الأحكام جعلت استخدام أداته المفضلة في السياسة الخارجية أكثر صعوبة.

وقد زادت هذه الأحكام القضائية جرأة الصين. فبعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على خمس شركات بتروكيماويات صينية لتعاملها التجاري مع إيران، أوعزت بكين إلى الشركات المحلية غير المشمولة بالعقوبات بتحدي الولاية القضائية الأميركية خارج الحدود، على الرغم من تهديدات واشنطن بفرض عقوبات ثانوية. ومن الواضح أن الصين ترى أن الولايات المتحدة ليست في وضع يسمح لها حاليا بخوض حرب تجارية مع ثالث أكبر شركائها التجاريين.

ومع تراجع الموقف الأميركي، سيتمكن شي من التحدث من موقع قوة. ومن المرجح أن يطالب ترمب بوقف ما تعتبره بكين تفريغا لمبدأ الصين الواحدة من مضمونه، وأن يعلن صراحة أن الولايات المتحدة لا تؤيد استقلال تايوان. وقد يبدو ذلك مجرد خطاب سياسي، غير أنه ينسجم مع تكتيك الصين القائم على التقدم المتدرج: انتزاع مكاسب صغيرة متراكمة مع تفادي رد أميركي، إلى أن يصبح الوقت قد فات على واشنطن للتحرك بفاعلية.

وبالنسبة إلى الصين، فإن "فخ ثوسيديدس" نبوءة لا وجود لها إلا بقدر ما يدفع الإيمان بها إلى تحققها. والأهم أن الوقت يعمل لصالحها. لذلك، لا تسعى بكين إلى فرض مواجهة حاسمة مع الولايات المتحدة. فعلى الصعيد الاقتصادي، ورغم التباطؤ، ظل الاقتصاد الصيني ينمو بنسبة 5 في المئة عام 2025، متقدما على الاقتصاد الأميركي الذي نما بنسبة 2.1 في المئة. أما عسكريا، فهي تضيق الفجوة مع الولايات المتحدة بثبات، بل تجاوزتها بالفعل في بعض المجالات.

على الرغم من تأكيد طهران أن السفن الصينية يمكنها العبور بحرية، كان من الصعب عليها، وهذا غير مستغرب، أن تحدد أي السفن تستحق هذا الوصف

وفوق ذلك، لا تتبنى بكين عقلية اللعبة الصفرية التي تحكم واشنطن. فقد استفادت الصين استفادة هائلة من النظام الدولي القائم على القواعد الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. فمن دون منظمة التجارة العالمية مثلا، لما كان الصعود الصيني السريع ممكنا. ومن هنا، فإن للصين مصلحة راسخة في الحفاظ على "تشايمريكا"، "حجر الزاوية" في العلاقات الصينية-الأميركية، وتجنب فك الارتباط مع الولايات المتحدة أو حلفائها، مفضلة تسوية أي خلافات مع واشنطن على طاولة التفاوض، لا في ساحة المعركة.

الصين تريد هي الأخرى نهاية الحرب

في المقابل، تأمل الولايات المتحدة أن تخفف الصين قيودها على تصدير المعادن النادرة، وأن تزيد مشترياتها من الطاقة والسلع المصنعة والمنتجات الزراعية الأميركية. والأهم أن تستخدم بكين نفوذها لدى طهران لدفعها إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وصولا، في أفضل السيناريوهات، إلى قبول اتفاق يستطيع ترمب تسويقه في الداخل على أنه انتصار.

وعلى الرغم من أن الصين والولايات المتحدة عالقتان في ما يشبه حربا باردة جديدة، فإنهما تشتركان في مصلحة إنهاء الحرب واستعادة قدر من السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. فمن الناحية الاقتصادية، تعد الدول العربية وإيران شركاء تجاريين مهمين للصين، وإن كان الوزن الاقتصادي للدول العربية يتجاوز وزن إيران بكثير.

ولو بقيت الحرب محصورة داخل الأراضي الإيرانية، لربما تحملت الصين كلفتها. غير أنها تمددت عبر الحدود، من خلال الهجمات الإيرانية على جيرانها العرب، مهددة المصالح الاقتصادية الصينية في المنطقة بأسرها.

ويزيد المشهد تعقيدا إغلاق إيران مضيق هرمز. فعلى الرغم من تأكيد طهران أن السفن الصينية يمكنها العبور بحرية، كان من الصعب عليها، وهذا غير مستغرب، أن تحدد أي السفن تستحق هذا الوصف. وينشأ هذا الغموض من أن معظم السفن اليوم تبحر تحت أعلام ملاءمة، لا تحت أعلام الدول التي تنتمي إليها ملكيتها أو منشؤها.

ثم إن تعبير السفن الصينية يتسع ليشمل أكثر من السفن المملوكة للصين؛ فهو يشمل السفن التي تحمل بضائع صينية، أو تنقل بضائع متجهة إلى الصين، أو تضم بين أطقمها بحارة صينيين. ونتيجة لذلك، بقيت سفن توصف بأنها صينية عالقة عند طرفي المضيق، وتعرضت سفينة أخرى لهجوم، وصودرت واحدة كانت تحمل نفطا إيرانيا، في مفارقة لافتة.

ودبلوماسيا، قوّضت الحرب، ولا سيما هجمات إيران على جيرانها العرب وسيطرتها على مضيق هرمز، سنوات من الجهود الصينية الهادفة إلى المصالحة بين إيران وجيرانها العرب. ومع أن الصين تتعاطف مع إيران بعدما جُرّت إلى حرب غير قانونية شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها تؤكد أن شريعة الغاب لا مكان لها في العلاقات الدولية المعاصرة، سواء مارسها الأميركيون والإسرائيليون أم مارستها إيران.

بالنسبة إلى الدول العربية، لا ينبغي لها أن تراهن على الشرق أو الغرب. فمصلحة الصين في المنطقة اقتصادية إلى حد بعيد. ومن جهة أخرى، جرّت الولايات المتحدة هذه الدول إلى حرب لم توافق عليها

وتسعى معظم الدول العربية إلى إقامة علاقات ودية مع إيران، لكنها ترفض أي علاقة لا تقوم على الاحترام المتبادل، وترفض بالتأكيد علاقة تبقى فيها إيران معلقة كسيف ديموقليس فوق شريانها الاقتصادي.

نفوذ الصين له حدوده

وعلى الرغم من المصلحة المشتركة بين الصين والولايات المتحدة، لا يزال مدى نفوذ بكين على طهران موضع اختبار. فقد أدانت الصين الهجمات الإيرانية العشوائية على دول الخليج، ودعت إيران إلى إعادة تأمين المرور الآمن عبر مضيق هرمز. غير أن صعود المتشددين في إيران، وخوض البلاد ما تعده حربا وجودية، دفعاها إلى تبني رؤية صفرية للعالم، ترى في أي اعتراض موقفا عدائيا، حتى حين يصدر عن أكبر شركائها التجاريين.

رويترز
سفن في مضيق هرمز، مسندم، عُمان، 8 مايو 2026

ومع ذلك، فإن ادعاء ترمب أن الصين ساعدت في التوسط لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يشير إلى أن بكين لا تزال تملك قدرا من النفوذ على طهران. لكن استعداد الصين لاستخدام هذا النفوذ يبقى مشروطا بحجم ما تستطيع الولايات المتحدة تقديمه في المقابل، ثمنا لمخاطرة بكين بعلاقتها مع إيران.

لا شرق ولا غرب

بالنسبة إلى الدول العربية، ينبغي أن يكون ذلك جرس إنذار. فلا ينبغي لها أن تراهن على الشرق أو الغرب. فمن جهة، تبقى مصلحة الصين في المنطقة اقتصادية إلى حد بعيد، فيما تتجه أولوياتها إلى ملفات أخرى. من جهة أخرى، جرّت الولايات المتحدة هذه الدول إلى حرب لم توافق عليها، وتحول ضمانها الأمني إلى عبء يفوق قيمته كأصل استراتيجي.

لذلك، لم يعد على الدول العربية أن تنتظر القوى الكبرى كي تعيد السلام والاستقرار إلى المنطقة. فقد تركت مصيرها، طوال زمن طويل، رهينة قرارات قوى بعيدة. ومع صعود منطق "القوة تصنع الحق"، بات عليها أن تمسك زمام أمرها بيديها، وأن تنوع مزوديها الأمنيين، وأن تصبح، قبل كل شيء، أكثر اعتمادا على ذاتها. ليس سعيا إلى فرض إرادتها على الآخرين، وإنما دفاعا عن مصالحها في مواجهة طموحات الهيمنة التي تحيط بالإقليم.

font change

مقالات ذات صلة