في بكين... شي يمسك بجدول الأعمال وليس ترمب

التهديد الجمركي الذي انتزع التنازل الصيني لم يعد قائما في صورته الأصلية، وأدوات التعويض عنه لم تتضح بعد

إدواردو رامون
إدواردو رامون

في بكين... شي يمسك بجدول الأعمال وليس ترمب

يتحرك الزعيمان الأميركي والصيني دونالد ترمب وشي جينبينغ، في بكين هذا الأسبوع، على توقيتين سياسيين مختلفين. حيث إن شي جينبينغ يضع عينه على خريف 2027، حين سيقرر المؤتمر الحادي والعشرون لـ"الحزب الشيوعي" مصير ولايته الرابعة، تثبيتا أو إنهاء، وسيفرض عليه حسم مسألة الخليفة الذي امتنع حتى الآن عن تسميته. أما دونالد ترمب فعينه على الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني، حين سيقرر الناخبون الأميركيون ما إذا كانوا سيمنحونه مجلس نواب ديمقراطيا، وما قد يستتبع ذلك من إجراءات عزل.

لذلك يحتاج الزعيمان إلى أن تظهر قمة 14 مايو/أيار وكأنها انتصار للاستقرار. وهذا التفاوت في الأفق السياسي، بين شي الذي يستعد لمؤتمر بعد ثمانية عشر شهرا، وترمب الذي يواجه انتخابات بعد ستة أشهر، هو العامل الأهم في رسم حدود ما سيحدث في بكين وما لن يحدث. وما تبقى أقرب إلى الإخراج المسرحي.

يستعد شي جينبينغ للمؤتمر الحادي والعشرين لـ"الحزب الشيوعي" في خريف 2027. وهو يحتاج إلى استقرار خارجي يتيح له إدارة انتقال جيلي داخل بنية السلطة، والتعامل مع مسألة خلافة لا تزال معلقة، ومع اقتصاد انكماشي مثقل بديون خفية للحكومات المحلية تتراوح بين 12 و15 تريليون دولار. في المقابل، يستعد ترمب لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، وسط تراجع واضح في شعبيته: 30 في المئة فقط يؤيدون أداءه في ملف التضخم، و38 في المئة في ملف الرسوم الجمركية، بينما أظهرت ست انتخابات فرعية أن المزاج الانتخابي يميل ميدانيا لمصلحة الديمقراطيين، بمتوسط تحول بلغ 15 نقطة. لذلك يحتاج كل من ترمب وشي إلى إنجازات إيجابية، ولا يملك أي منهما ترف إشعال اضطراب كبير في العلاقات الأميركية-الصينية.

يحتاج ترمب إلى انتصارات واضحة في السياسة الخارجية، ولا سيما كل ما يمكن تسويقه دليلا على أن أجندته في الرسوم الجمركية وإعادة التصنيع تؤتي ثمارها

ستخرج القمة بنتائج ملموسة، لكنها لن تفتح صفحة جديدة في العلاقة. وهذا تمييز مهم، لأن أوساط السياسة في واشنطن ما زالت تقرأ قمة بكين بمنظار كيسنجري (نسبة إلى وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر)، يقوم على أن القوى الكبرى تتبادل التنازلات الاستراتيجية. غير أن هذا النموذج لم يعد صالحا. فما سيعرض في بكين سيبقى محصورا في صفقات محددة ودقيقة. ويسعى كل طرف إلى تسجيل مكاسب مرئية، مع احتفاظه الكامل بقدرته على التصعيد لاحقا.

ما الذي يريده كل طرف؟

أولويات شي داخلية ومتدرجة. فالخطة الخمسية الخامسة عشرة، التي صدرت هذا الربيع، ستوجه توزيع الموارد حتى عام 2030، وستمنح شي سندا من الشرعية يحمله معه إلى المؤتمر الحادي والعشرين للحزب. ويتزامن إعداد الخطة مع معضلة 2027، إذ يتعين على شي أن يعيد بناء المستويات العليا في "جيش التحرير الشعبي" والسلك الدبلوماسي في وقت واحد، بعدما شهد سقوط قيادات عليا في مجالين يقعان في صميم سلطة الدولة. ولا يمكن إعادة تشكيل الكوادر على هذا النطاق بالتوازي مع صراع خارجي عالي الحدة. لذلك يدخل شي قمة بكين باحثا عن قدر من قابلية التوقع في الخارج، وعن كبح لمزيد من التصعيد في التوتر الأميركي-الصيني.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء عزف النشيدين الوطنيين لبلديهما خلال حفل استقبال أقيم في قاعة الشعب الكبرى في بكين في 14 مايو 2026

أما أولويات الرئيس ترمب فانتخابية وداهمة. فخريطة مجلس الشيوخ تميل لمصلحة الجمهوريين، أما مجلس النواب فلا. وإذا صار مجلس النواب ديمقراطيا، عاد خطر العزل إلى الواجهة، وشلت الأجندة التشريعية في النصف الثاني من ولايته. ويحتاج ترمب إلى انتصارات واضحة في السياسة الخارجية، ولا سيما كل ما يمكن تسويقه دليلا على أن أجندته في الرسوم الجمركية وإعادة التصنيع تؤتي ثمارها. ويحتاج إلى انخفاض أسعار الطاقة عاجلا لا آجلا. كما يحتاج إلى مشاهد القمة، من عشاء الدولة إلى قاعة الشعب الكبرى، كي يعيد ضبط صورة رئاسة تراجعت نسبة تأييدها في الأداء الاقتصادي العام إلى 37 في المئة. ويجب أن تقدم القمة بوصفها رصيدا انتخابيا لمنتصف الولاية، لا مواجهة سياسية محتدمة.

التهديد الجمركي الذي انتزع التنازل الصيني لم يعد قائما في صورته الأصلية، وأدوات التعويض عنه لم تتضح بعد. ويدرك شي ذلك تماما

يمنح هذا الاختلال بكين وقتا أطول، لكنه لا يمنحها بالضرورة موقعا تفاوضيا أقوى. فمنذ آخر زيارة دولة قام بها ترمب إلى بكين عام 2017، تعزز الوضع الاقتصادي الأميركي كثيرا مقارنة بالصين. وعلى ترمب أن ينتزع نتائج ملموسة قبل أن يغادر، وسيفعل. ويبقى السؤال: ما الذي سيكون مستعدا لتقديمه لبكين؟

تهديد الرسوم الجمركية... من دون رسوم

كان التطور الأشد أثرا منذ هدنة بوسان في أكتوبر/تشرين الأول هو ذلك الذي لن يذكره أي من الزعيمين علنا في بكين. ففي 20 فبراير/شباط، قضت المحكمة العليا، بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لا يجيز فرض الرسوم الجمركية، فأبطلت الأساس القانوني الذي استند إليه معظم هيكل الرسوم لعام 2025. وأنهى الحكم رسم الفنتانيل البالغ 10 في المئة، والرسم المتبادل البالغ 10 في المئة على السلع الصينية، وخفض متوسط معدل الرسوم الأميركية المرجح بالتجارة على الصين من 36.8 في المئة إلى 29.7 في المئة. ولا تزال رسوم المادة 301، التي تعود إلى ولاية ترمب الأولى، قائمة، كما لا تزال الرسوم القطاعية بموجب المادة 232 على الصلب والألومنيوم والمركبات وأشباه الموصلات سارية. لكن الزيادة الخاصة بالصين، التي منحت ترمب ورقة تفاوض في بوسان، زالت.

أ.ف.ب
صورة جوية لحاويات في ميناء تشينغداو، في مقاطعة شاندونغ شرقي الصين، 9 مايو 2026

الأرقام صارخة. فبعد حكم المحكمة العليا، انخفض متوسط الرسوم الأميركية المرجح بالتجارة على جميع الواردات بين ليلة وضحاها من 15.3 في المئة إلى 8.3 في المئة. ورد ترمب بفرض رسم عالمي نسبته 10 في المئة بموجب المادة 122 من قانون التجارة لمدة 150 يوما، غير أن المادة 122 أداة تتآكل قيمتها. فهي محددة بسقف 15 في المئة، وتنتهي بعد 150 يوما ما لم يمددها الكونغرس، والأهم أنها لا تستطيع استهداف الصين تحديدا. وقد فتحت الإدارة تحقيقات جديدة بموجب المادة 301 في فائض الطاقة الإنتاجية الصينية، لكن المسارات البديلة قد تستغرق ما يصل إلى اثني عشر شهرا، وتتطلب نتائج إثباتية.

هذه هي الحقيقة السياسية التي يحملها ترمب معه إلى بكين. فالتهديد الجمركي الذي انتزع التنازل الصيني لم يعد قائما في صورته الأصلية، وأدوات التعويض عنه لم تتضح بعد. ويدرك شي ذلك تماما. فقد وصل فريقه التجاري إلى المفاوضات التي أفضت إلى هدنة بوسان وهو يواجه احتمال رسوم قد تبلغ 125 في المئة. أما هذه المرة في بكين، فستواجه الصين رئيسا أميركيا جرد حكم قضائي سلاحه الاقتصادي الأساسي، وتحتاج أدواته البديلة إلى تسعة أشهر أو اثني عشر شهرا لاكتساب مشروعية، فيما تراجعت نسبة التأييد الداخلي لسياساته الجمركية إلى أقل من 40 في المئة. ستستمر تهديدات ترمب الجمركية، لكنها ستفتقر إلى الأنياب.

بدأت ملامح العرض الصيني تتضح بالفعل في التصعيد الدبلوماسي المتدرج خلال الأسبوعين الماضيين. فقد كان لافتا استقبال وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي

في القمة، ينتظر أن تماطل بكين في تقديم تنازلاتها بشأن المعادن النادرة، وأن تعرض تخفيفا شكليا من دون التزام جوهري. أما أدواتها التجارية القسرية، من ضوابط تصدير المعادن النادرة، إلى إجراءات مكافحة الاحتكار ضد الشركات الأميركية، وصولا إلى قاعدة المنع التي استحضرت في مواجهة العقوبات الأميركية على مصافي النفط الصينية، فستبقى جميعها في وضع التشغيل الكامل.

الانقلاب الإيراني

كانت قمة بكين، المقرر عقدها أساسا في مارس/آذار، قد أجهضها اضطراب خليجي غير متوقع. فقد أشعلت الضربة الأميركية-الإسرائيلية على إيران صراعا لا يزال مستمرا حتى اليوم. وأدى الرد الإيراني إلى إغلاق مضيق هرمز أمام الحركة التجارية، فيما تعترض البحرية الأميركية، في إطار عملية أطلق عليها اسم "مشروع الحرية"، ناقلات متجهة إلى الموانئ الصينية. ونتيجة لذلك، عاشت أسواق النفط أطول صدمة سعرية منذ عام 1973. وبات استمرار هذه الحرب، على نحو غير متوقع حتى مايو/أيار، المتغير الأهم في قمة بكين.

رويترز
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الصيني وانغ يي في بكين، الصين، 6 مايو 2026

انقلب ميزان النفوذ. فحين كانت الزيارة مقررة للمرة الأولى، افترضت الإدارة الأميركية أنها ستصل إلى بكين وسيف الرسوم الجمركية مرفوع، فيما تشكل إيران ورقة ضغط ثانوية. أما الآن، فتصل بعدما أغمدت المحكمة العليا ذلك السيف، وصارت إيران العامل الذي يحدد ما إذا كان المستهلك الأميركي سيرى سعر البنزين يتجاوز ستة دولارات قبل انتخابات التجديد النصفي.

بكين أكبر مشتر للخام الإيراني، وهي الراعي الدبلوماسي الذي اعتادت طهران الاتكاء عليه تاريخيا. وتستطيع الصين أن تعرض على إيران ما لا تستطيع روسيا ولا أي وسيط آخر تقديمه: ضمان استمرار عائدات النفط على نطاق واسع، وتسويتها خارج النظام الدولاري، وتحدي العقوبات الأميركية عبر قواعد المنع التي فعلتها أخيرا. ويحتاج ترمب إلى إعادة فتح هرمز. والسؤال هو ما الذي ستطلبه الصين في المقابل، وإلى أي مدى سيذهب التنازل.

بدأت ملامح العرض الصيني تتضح بالفعل في التصعيد الدبلوماسي المتدرج خلال الأسبوعين الماضيين. فقد كان لافتا استقبال وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي في مطلع مايو/أيار، ثم لجوء الصين للمرة الأولى إلى قواعد المنع الصادرة عام 2021 في مواجهة العقوبات الأميركية على خمس مصافٍ صينية. لذلك سيكون شي، في القمة، مستعدا لأن يقول لترمب، وبصدقية، إن الصين قادرة على تأمين عائدات النفط الإيراني بموافقة الولايات المتحدة أو من دونها.

قد يكون اقتراح شي، على الأرجح، كالآتي: تستخدم الصين نفوذها لدى طهران لدعم إعادة فتح هرمز تدريجيا، في مقابل أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات الثانوية، أو تضيق نطاقها، عن المصافي الصينية وشركات التأمين البحري ومشغلي الموانئ المتعاملين مع الخام الإيراني. وسترجَأ صراحة المناقشات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وتعويضات الحرب. أما أي حديث عن نقل أسلحة صينية إلى طهران، وهو ملف سيعامله شي بوصفه قضية منفصلة، فسيستبعد من قمة الزعيمين.

من بين جميع البنود المدرجة على جدول أعمال بكين، يحمل الذكاء الاصطناعي أوسع فجوة بين الطموح والنتيجة المرجحة

إعادة فتح هرمز لا تكلف الصين شيئا. فعمل مضيق هرمز بصورة طبيعية مصلحة حيوية لبكين، نظرا إلى أن نحو نصف وارداتها من الخام يأتي من الشرق الأوسط. في المقابل، فإن التنازل الذي يطلبه شي من ترمب يفكك آلية إنفاذ العقوبات الأميركية، ويوحي بأن العقوبات الثانوية على الكيانات الصينية مشروطة وليست مطلقة. وستكون هذه الخطوة، بما تنطوي عليه من كسر لسابقة قائمة، أكثر قيمة استراتيجية لبكين من أي إنجاز محدد آخر.

أما الإدارة الأميركية فتدخل القمة بأولويات ثلاثية الطبقات. الأولى، وهي الأشد إلحاحا، إعادة فتح هرمز بما يخفض أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي. الثانية، منع مزيد من التصعيد الذي يجر الولايات المتحدة إلى التزام بري مستدام في الخليج. الثالثة، وهي الأصعب دفاعا على المستوى العملي، الحفاظ على إطار العقوبات الثانوية ضد الكيانات الصينية، وهو إطار استغرق بناؤه سنوات. وتشير الأولويتان الأوليان إلى طريق التنازلات، أما الثالثة فتدفع نحو المواجهة. وسيكون على ترمب أن يختار ما الذي سيضحي به.

ومن المرجح أن يخرج ملف إيران من بكين بصيغة مبهمة عن قصد: بيان مشترك يستحسن إعادة فتح مضيق هرمز، وتمكين تدريجي للملاحة التجارية يبدأ بانحسار الوجود البحري الأميركي في المنطقة، وتعديلات أميركية هادئة على نطاق عقوبات هنغلي في الأسابيع التالية، مع استمرار الدعم الصيني لإيران في مجالي الدفاع والتكنولوجيا من دون ضغط واشنطن. ومن المرجح أن تبقى المفاوضات والبنية الأوسع للعقوبات على إيران قائمة. سيعلن ترمب انتصاره في ملف أسعار النفط، وسيعلن شي انتصاره في مواجهة الإكراه العابر للحدود، وستعلن طهران انتصارها في ضمان الاستمرارية الاقتصادية. وستعرض كل عاصمة النتيجة بطريقتها. أما كلفة البنزين الرخيص قبل نوفمبر/تشرين الثاني، فستدفع من بنية العقوبات التي سيتعين على الإدارة الأميركية المقبلة إعادة بنائها.

ورقة ترمب في الهجرة غير القانونية

واصل ترمب توظيف خطاب ترحيل المهاجرين غير القانونيين أولوية داخلية. وقد صنفت الإدارة المواطنات والمواطنين الصينيين ضمن الفئات البارزة المرشحة للترحيل على أسس تتصل بالأمن القومي، مع تكرار الحديث عن رجال صينيين في سن الخدمة العسكرية يعبرون الحدود الجنوبية.

أ.ف.ب
سفينة الركاب "أطلس بيشرو" التي ترفع العلم الإيراني وهي تبحر بالقرب من سفن راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس جنوب إيران، 2 مايو 2026

بالنسبة إلى ترمب، يتوجه هذا الخطاب إلى قاعدته الداخلية ويضع الصين في إطار تهديد أمني. أما بالنسبة إلى شي، فكلفته محدودة. فقد أعلنت الحكومة الصينية أنها ستقبل المواطنات والمواطنين الصينيين الذين يجري التحقق من هوياتهم، غير أن الحجم الفعلي للتعاون الصيني في إعادة غير المسجلين من الولايات المتحدة ظل متواضعا ومتأخرا. لذلك ستكون الهجرة بندا سهلا في البيان الختامي للقمة، غير أن ما تحقق فعليا، كما في مفاوضات الفنتانيل، لا يزال ضئيلا جدا رغم الالتزام المعلن على نطاق واسع.

أما الدلالة الأهم فتتصل بما يكشفه تأطير ملف الهجرة عن موقف ترمب الأوسع من الصين. فعبارة "رجال في سن الخدمة العسكرية" لا تنسجم بسهولة مع السعي المتزامن إلى استمالة الأعمال الصينية، ودعوة "إنفيديا" و"آبل"، وصفقات "بوينغ". ولم تحل الإدارة تناقضها الداخلي بين التعامل مع الصين خصما في الأمن القومي، والتعامل معها شريكا مقابلا في ازدهار اقتصادي مدار. ولن تحل القمة هذا التناقض، بل ستكتفي بحجبه عن الكاميرات.

الذكاء الاصطناعي... مسار بلا تقدم

من بين جميع البنود المدرجة على جدول أعمال بكين، يحمل الذكاء الاصطناعي أوسع فجوة بين الطموح والنتيجة المرجحة. فقد أرسلت إدارة ترمب إشارات متباينة بشأن إحياء مشاورات الذكاء الاصطناعي التي أطلقها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في وودسايد عام 2023. ودعا خبراء ومسؤولون سابقون، عبر مسارات الحوار غير الرسمية، إلى إنشاء خط ساخن أميركي صيني للذكاء الاصطناعي، على غرار آليات إدارة الأزمات النووية في الحرب الباردة، وإلى محادثات على مستوى فرق العمل في هذا المجال شبيهة بمحادثات ضبط السلاح النووي.

تقدم تركيبة الوفد المرافق لترمب من كبار الرؤساء التنفيذيين دليلا على الكيفية التي تطور بها جدول أعمال القمة في أيامه الأخيرة

ينبغي خفض سقف التوقعات. فالحكومة الصينية تنظر إلى أي إطار لسلامة الذكاء الاصطناعي بوصفه صيغة من صيغ ضبط التسلح، فيما يتعامل الفكر الاستراتيجي الصيني مع ضبط التسلح بكثير من الريبة. وتفضل بكين إطارا يقيّد ضوابط التصدير الأميركية في سلاسل الإمداد الحيوية للذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على الاستقلال الوطني في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية. أما المقترح الأميركي فيسعى إلى العكس، تقييد تطور الذكاء الاصطناعي الصيني مع إطلاق اليد الأميركية كاملة في هذا المجال. لذلك لن تتجاوز النتائج المرجحة في ملف الذكاء الاصطناعي اتفاقا رمزيا على مستوى فرق العمل بشأن حالات الاستخدام السلبية، وربما إطارا لخط ساخن. ولا يشكل أي من ذلك نزعا لسلاح الذكاء الاصطناعي، ولا يمس جوهر المنافسة على القدرة الحاسوبية، أو النماذج المتقدمة، أو الوصول إلى الرقائق.

تركيبة الوفد تكشف النتيجة

تقدم تركيبة الوفد المرافق لترمب من كبار الرؤساء التنفيذيين دليلا على الكيفية التي تطور بها جدول أعمال القمة في أيامه الأخيرة. فقد نشر البيت الأبيض يوم الاثنين قائمة تضم نحو عشرين مسؤولا تنفيذيا، وهي قائمة أكبر من العدد الذي جرى التلميح إليه في الأسبوع الماضي وكان يقارب اثني عشر اسما، لكنها تبقى أقل بقليل من التسعة والعشرين الذين رافقوا ترمب إلى بكين عام 2017. والأسماء كاشفة: إيلون ماسك من "تسلا"، وتيم كوك من "آبل"، وجنسن هوانغ من "إنفيديا"، ولاري فينك من "بلاك روك"، وستيفن شوارزمان من "بلاكستون"، وديفيد سولومون من "غولدمان ساكس"، وجين فريزر من "سيتي غروب"، ومايكل ميباخ من "ماستركارد"، وراين ماكينيرني من "فيزا"، وكيلي أورتبرغ من "بوينغ"، ولاري كالب من "جي إي أيروسبيس"، وكريستيانو آمون من "كوالكوم"، وسانجاي ميهروترا من "ميكرون"، وجيم أندرسون من "كوهيرنت"، وجاكوب ثايسن من "إلومينا"، وبراين سايكس من "كارجيل"، ودينا باول ماكورميك من "ميتا".

وتستحق تركيبة الوفد قراءة متأنية. فثلاث كتل رئيسة تهيمن عليه، وكل منها تقود إلى نتيجة بعينها تبدو الإدارة مستعدة للتفاوض بشأنها.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال مراسم استقبال ترمب في قاعة الشعب الكبرى ببكين، الصين، في 14 مايو 2026

الكتلة الأولى هي التكنولوجيا وأشباه الموصلات: ماسك، وكوك، وهوانغ، وآمون، وميهروترا، وأندرسون، وباول ماكورميك. وهذه هي الأسماء التي تقف شركاتها عند نقاط الاختناق في بنية ضوابط التصدير. فهناك "إنفيديا" و"ميكرون" في الرقائق المتقدمة، و"كوالكوم" في الشرائح المحمولة، و"كوهيرنت" في الفوتونيات، و"آبل" و"تسلا" في سلاسل الإمداد المعتمدة على الصين، و"ميتا" في طبقة نماذج الذكاء الاصطناعي. ويشير حضورهم الجماعي إلى أن ترمب يعتزم استخدام القمة للتفاوض على تخفيف هامشي لضوابط التصدير في الفئات الأقل استراتيجية، مقابل تنازلات صينية في المعادن النادرة وربما في الوصول إلى الأسواق المالية. ويظل إدراج هوانغ في اللحظة الأخيرة مؤشرا شديد الدلالة. فقد كانت تقارير سابقة قد رجحت غيابه، أما وجوده في الساعات الأخيرة فيوحي بأن "إنفيديا" حصلت من الإدارة على تعهد ذي وزن بشأن صادرات الرقائق، يكفي لتبرير الصورة السياسية لوجوده في الغرفة.

الكتلة الثانية هي المال والتمويل: فينك، وشوارزمان، وسولومون، وفريزر، وميباخ، وماكينيرني. وهذا هو التحول الأوضح مقارنة برحلة 2017، حين بقيت الخدمات المالية على الهامش. فخمس من أكبر المؤسسات المالية الأميركية ممثلة الآن في القمة، إلى جانب شبكتين كبيرتين للمدفوعات. وقد أمضت بكين عقدا كاملا وهي تبقي مديري الأصول الأجانب، وبنوك الاستثمار، وشركات معالجة المدفوعات، خارج السوق المحلية. ولذلك فإن حضور هذه المجموعة دفعة واحدة يدل على أن الوصول إلى قطاع الخدمات المالية مطروح هذه المرة بصورة لم تكن مطروحة من قبل، على أن يكون ثمنا لشيء تريده الصين، مثل التكنولوجيا أو تخفيف العقوبات.

أما الكتلة الثالثة فهي كتلة النتائج الاحتفالية الجاهزة للعرض: أورتبرغ من "بوينغ" لطلبات الطائرات، وكالب من "جي إي أيروسبيس للمحركات"، وسايكس من "كارجيل" لمشتريات فول الصويا. وهذه هي الإعلانات المصممة لالتقاط العناوين والصور، من الصويا إلى الطائرات، التي تصنع عناوين القمم من دون أن تتطلب تنازلات بنيوية من أي من الطرفين.

وما هو حاضر، وما هو غائب أيضا وبالقدر نفسه تقريبا، يحمل الرسالة. فوجود ماسك هو الإشارة الأشد أهمية. إذ تحتفظ "تسلا" بأكبر انكشاف تصنيعي أميركي على الصين بين جميع الشركات الكبرى.

يمكن فهم القمة، في أفضل قراءة لها، باعتبارها أعلى نقطة في انفراج أميركي-صيني مؤقت. فالزعيمان يحتاجان إلى عام 2026 مستقر نسبيا بين البلدين

أما الغيابات فهي بدورها معبرة. فلا شركات سيارات غير "تسلا". ولا رؤساء تنفيذيون لشركات الأدوية، رغم الملفات التنظيمية العالقة بين شركات الدواء الأميركية والجهات الصينية. ولا تكتلات صناعية من النوع الذي طبع قائمة عام 2017. ولا شركات طاقة كبرى، وهو غياب لافت إذا أخذنا في الاعتبار أن القضية المركزية في القمة ستشمل النفط الإيراني ومضيق هرمز. والمطلوب من مجتمع الأعمال الأميركي هنا ليس الاستثمار الواسع في العلاقة مع الصين، بل المصادقة على ترتيب أضيق وأكثر تعاملية: رقائق في مقابل معادن نادرة، ونفاذ مالي في مقابل تخفيف للعقوبات، وطلبات من "بوينغ" لالتقاط الصور. فإذا كانت بعثة 2017 ائتلافا من الرأسمالية الأميركية جاء إلى الصين لعقد الأعمال، فإن وفد 2026 يبدو أقرب إلى فريق عمل جاء لإدارة نمط من الصفقات المحددة.

النتائج المرجحة

ما الذي ستنتجه قمة بكين إذن؟

ستكون الحزمة التجارية الاحتفالية واضحة: طلبات شراء طائرات "بوينغ" مدعومة بالتزامات محركات من "جي إي أيروسبيس"، ومشتريات زراعية تقودها كارجيل، وربما إعلانات استثمارية مرتبطة بالبطاريات. وقد يعلن رسميا إنشاء مجلس تجارة ثنائي لإدارة النزاعات المتصلة بالرسوم وما يجاورها. وستقدم بكين بادرة محسوبة في ملف المعادن النادرة، بحجم يكفي لتمديد الاستقرار من دون تقويض أوراق نفوذها. وسيصدر التزام بمكافحة الفنتانيل، يغلب عليه الطابع الاستعراضي من الجانب الصيني، لكنه ضروري سياسيا لترمب. كما سيظهر إطار للحوار حول الذكاء الاصطناعي، ربما يتضمن آلية خط ساخن. وسيجري تخفيف مدروس لضوابط تصدير أشباه الموصلات في الفئات الأقل حساسية، في مقابل البادرة الصينية في المعادن النادرة. وقد يفتح باب ما في قطاع الخدمات المالية، وهو ما يفسر الثقل الكبير لحضور وول ستريت في الوفد المرافق. كما ستشهد القمة دفعا دبلوماسيا منسقا لإعادة فتح مضيق هرمز، مقترنا بتراجع أميركي محدود عن بعض العقوبات الثانوية الأخيرة المفروضة على المصافي الصينية، بما يمنح شي رصيدا سياسيا في الشرق الأوسط، فيما ينتزع ترمب تخفيفا في أسعار النفط. ومن المرجح أيضا ترتيب زيارة مقابلة يقوم بها شي إلى واشنطن في وقت لاحق من هذا العام، بما يثبت دورة الاستقرار التالية. أما البيان المشترك والمؤتمرات الصحافية فغير مرجحين.

وما الذي لن ينتج على الأرجح؟ لن يكون هناك تنازل جوهري بشأن فائض الطاقة الصناعية الصينية، ولا تراجع في الفائض التجاري الصيني البالغ 1.2 تريليون دولار، ولا إعلان ذا معنى يوضح سياسة تايوان، ولا التزام قابل للتحقق في ملف ضبط الذكاء الاصطناعي، ولا تراجع عن ضوابط تصدير المعادن النادرة الصينية، ولا أي قيد على نقل الأسلحة الصينية إلى إيران، ولا تحرك يمس البنية الأساسية للعقوبات التي تستهدف البنوك الصينية المنخرطة في تسويات النفط الإيراني. فالتنافس البنيوي بين الولايات المتحدة والصين سيبقى على حاله من دون مساس.

ما بعد القمة

يمكن فهم القمة، في أفضل قراءة لها، باعتبارها أعلى نقطة في انفراج أميركي-صيني مؤقت. فالزعيمان يحتاجان إلى عام 2026 مستقر نسبيا بين البلدين. وهذا الاحتياج يفتح نافذة تمتد نحو ثمانية عشر شهرا، من الآن وحتى المؤتمر الحادي والعشرين لـ"الحزب الشيوعي الصيني" في خريف 2027، ستسعى خلالها الولايات المتحدة والصين إلى خفض منسوب المواجهات العلنية.

أما النافذة الأخطر فتبدأ بعد نوفمبر/تشرين الثاني 2026. فإذا خسر الجمهوريون مجلس النواب، ازدادت حوافز ترمب للتصعيد على جبهة السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستضيق نافذة شي الداخلية مع اقتراب المؤتمر الحادي والعشرين للحزب، وستدخل عملية إعادة تشكيل كوادره مرحلتها الحاسمة. عندئذ ستبدأ القيود التي تدفع الزعيمين اليوم إلى الاستقرار بالتباعد. وكثيرون في بكين يتوقعون بالفعل عودة سريعة إلى التصعيد الاستراتيجي، إما بعد انتخابات التجديد النصفي، أو مع بداية الولاية الرئاسية التالية عام 2029، ويستخدمون هذه الفترة لترسيخ مواقعهم.

سيغادر الزعيمان بكين ومع كل منهما ما جاء من أجله: إعلان نجاح. وستعلن العاصمتان النصر، صاخبا في واشنطن على "تروث سوشيال"، وهادئا في بكين. غير أن أيا منهما لن يكون قد عالج ما يفصل بينهما. السؤال ليس ما إذا كانت القمة ستنجح، بل أي وقت يشتريه هذا النجاح، ولأي مواجهة مقبلة؟

font change