في ظهر يوم 24 يونيو/حزيران 1994، لم تكن مباراة المكسيك وأيرلندا في ملعب سيتروس بول بمدينة أورلاندو الأميركية مجرد مواجهة في دور المجموعات من كأس العالم. كانت، في ذاكرة كثيرين، اختبارا قاسيا لقدرة كرة القدم على البقاء لعبة عالية الإيقاع تحت شمس لا ترحم. وصلت الحرارة في ذلك اليوم إلى نحو 43 درجة مئوية، وانهار أكثر من 100 مشجع في المدرجات بسبب الإجهاد الحراري، بينما وصف لاعبون أجواء الملعب بأنها خانقة إلى حد جعل المباراة تبدو أقرب إلى تجربة فيزيولوجية مفتوحة منها إلى مباراة كرة قدم.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، عادت كأس العالم إلى أميركا الشمالية في نسخة 2026، لكن السؤال الحراري عاد معه بصورة أكبر. الفارق هذه المرة أن البطولة أوسع، والملاعب أكثر، والجماهير أكثر عددا، والقلق المناخي أشد وضوحا. فقد أعلن "فيفا" أن نسخة 2026 حطمت رقم الحضور التاريخي المسجل في مونديال 1994، بعدما تجاوزت حاجز 3.6 مليون مشجع في حلول 25 يونيو/حزيران، مع بقاء عشرات المباريات على نهاية البطولة.
هذه الأرقام تمنح البطولة وهجا جماهيريا غير مسبوق، لكنها تكشف أيضا حجم التحدي. فالملايين لا ينتقلون فقط بين ملاعب ومدن، بل يتعرضون لحرارة ورطوبة وموجات طقس متطرفة، بينما يطلب من اللاعبين تقديم أعلى مستويات الجري والضغط والقرار في ظروف قد تضع الجسم البشري عند حافة قدرته على التبريد.
درجة حرارة البصيلة الرطبة
لا تكمن المشكلة في درجة حرارة الهواء وحدها. في الرياضة، يستخدم الخبراء مؤشرا أكثر تعبيرا عن الخطر، هو "درجة حرارة البصيلة الرطبة الكروية" كونه يجمع بين حرارة الهواء والرطوبة وسرعة الرياح والإشعاع الشمسي. أي أن يوما بدرجة حرارة أقل، لكنه شديد الرطوبة وتحت شمس مباشرة، قد يكون أخطر من يوم أعلى حرارة لكن أكثر جفافا وتهوية. وتقول مبادرة إسناد الطقس العالمي إن هذا المؤشر أكثر ملاءمة لتقييم العبء الحراري على الجسم أثناء النشاط البدني من درجة الحرارة العادية وحدها.
في كرة القدم الحديثة، لم يعد اللاعب يركض فقط، بل يضغط، ويغير اتجاهه، وينطلق لمسافات قصيرة بأقصى سرعة، ويتخذ قرارات في أجزاء من الثانية، ويعيد تمركزه عشرات المرات خلال المباراة. لذلك، عندما ترتفع الحرارة، لا يظهر التأثير فقط في صورة تعب عام، بل يتسلل إلى تفاصيل اللعبة التي تشمل عدد الانطلاقات، والمسافات المقطوعة بسرعات عالية، وسرعة الارتداد الدفاعي، وجودة التمريرة الأخيرة، وحتى قدرة اللاعب على قراءة المساحة قبل استلام الكرة.


