هل تتحول الملاعب إلى بؤرة وباء عالمي جديد؟

كأس العالم 2026 واختبار العدوى الكبير...

Sara Padovan
Sara Padovan

هل تتحول الملاعب إلى بؤرة وباء عالمي جديد؟

لا تعد بطولة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مجرد حدث رياضي ضخم يجمع 48 منتخبا وملايين المشجعين. فمن منظور الصحة العامة، تمثل هذه النسخة واحدا من أكبر اختبارات "الاختلاط البشري العالمي" في السنوات الأخيرة، فالمشجعون قادمون من قارات مختلفة، والرحلات الجوية متتابعة، والمطارات مزدحمة، والفنادق والحانات ممتلئة، ووسائل النقل العامة تعمل تحت ضغط استثنائي على مدى أسابيع.

هذا المشهد لا يعني في الضرورة أن كأس العالم ستفجر وباء كبيرا، إذ يخبرنا التاريخ أن التجمعات الرياضية الكبرى نادرا ما تقود وحدها إلى كوارث وبائية واسعة، خاصة في الدول ذات البنية الصحية القوية. لكنها تخلق بيئة مثالية لانتقال أمراض بعينها، كالأمراض التنفسية التي تنتشر في الزحام، والعدوى الشديدة السراية مثل الحصبة، والأمراض المعوية مثل نوروفيروس، والعدوى المنقولة جنسيا، وأمراض ينقلها البعوض يمكن أن تجد فرصة محدودة للظهور في مناطق جديدة.

لكن البطولة لا تصنع الخطر من العدم، فهي تضخم ما هو موجود بالفعل. فإذا كانت الحصبة تنتشر في بلد ما، أو كانت الإنفلونزا نشطة في نصف الكرة الجنوبي، أو كانت حمى الضنك تسجل أرقاما مرتفعة في أميركا اللاتينية، فإن كأس العالم تتحول إلى شبكة نقل بشرية سريعة تربط هذه البؤر بعضها ببعض. لذلك لا يسأل خبراء الصحة العامة هل سيأتي المرض إلى البطولة؟ بل يسألون أي مرض سيصل؟ وهل سيجد الظروف المناسبة لينتشر؟

"إيبولا"... الخطر الذي يخيف الجمهور

أكثر ما يثير القلق الشعبي عادة، الأمراض ذات السمعة المرعبة، وفي مقدمها "إيبولا". ومع وجود تفش في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا بسلالة "بونديبوغيو" النادرة، يصبح من السهل تخيل سيناريو درامي يصل فيه مصاب إلى ملعب مزدحم. لكن التحليل الوبائي لا يتعامل مع الرعب، بل مع طريقة انتقال المرض واحتمالاته الواقعية.

REUTERS
عاملون في الصليب الأحمر بمعدات الوقاية الشخصية ونعش لرجل توفى جراء فيروس إيبولا، في الوقت الذي تكثف فيه منظمات الإغاثة جهودها لاحتواء تفشي الفيروس بجمهورية الكونغو الديمقراطية

"إيبولا" لا ينتقل مثل الإنفلونزا أو الحصبة، فلا يكفي أن يجلس شخص مصاب بجوار آخر في المدرجات كي ينقل العدوى، فانتقاله يحتاج إلى تماس مباشر مع سوائل جسم شخص مريض، مثل الدم أو القيء أو اللعاب أو سوائل أخرى، وغالبا ما يكون الخطر أعلى في الرعاية الصحية غير المحمية أو أثناء التعامل مع الجثامين في بيئات التفشي. كما أن المصاب لا يصبح معديا عادة قبل ظهور الأعراض.

لذلك، فإن وصول حالة مستوردة يظل ممكنا من الناحية النظرية، لكنه ليس السيناريو الأكثر ترجيحا داخل المدرجات. وإذا حدث، فسيكون التحدي في سرعة الاشتباه والعزل والتتبع، لا في منع انتشار هوائي واسع بين آلاف المشجعين. ولهذا تضع السلطات الصحية "إيبولا" ضمن خانة "منخفض الاحتمال عالي التأثير".

خطورة الحصبة في كأس العالم لا ترتبط فقط بالمشجع المريض داخل الملعب، بل بما يحدث بعد المباراة. مشجعون يعودون إلى ولايات ومدن ودول مختلفة

إذا كان "إيبولا" يجذب العناوين، فإن الحصبة هي ما يقلق كثيرا من خبراء الصحة بالفعل كونه واحد من أكثر الأمراض المعدية قدرة على الانتشار بين البشر، إذ يكفي وجود شخص معد في مطار أو حانة أو منطقة جماهيرية أو مدرج مغلق جزئيا كي يعرض عددا كبيرا من غير الملقّحين للخطر.

تزداد حساسية الوضع لأن البطولة تأتي في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ارتفاعا في حالات الحصبة، وسط تراجع أو تفاوت في معدلات التطعيم في بعض المجتمعات. والحصبة لا تحتاج إلى علاقة وثيقة طويلة مثل بعض الأمراض الأخرى، فالفيروس يمكن أن يبقى عالقا في الهواء لفترة بعد مغادرة الشخص المصاب، وهو ما يجعل الأماكن المزدحمة ذات الحركة السريعة بيئة مثالية لانتقاله.

خطورة الحصبة في كأس العالم لا ترتبط فقط بالمشجع المريض داخل الملعب، بل بما يحدث بعد المباراة. مشجعون يعودون إلى ولايات ومدن ودول مختلفة، بعضهم يزور عائلته، وبعضهم يستكمل رحلة سياحية، وبعضهم يركب طائرة أخرى قبل ظهور الأعراض بوضوح. هنا يصبح التتبع الوبائي معقدا.

ولهذا تمثل الحصبة اختبارا مباشرا لمناعة المجتمع، وليس فقط لمناعة الأفراد. إذا كان معظم الحاضرين حاصلين على اللقاح، ينكسر مسار الانتشار بسرعة. أما إذا دخل الفيروس إلى جيوب منخفضة التطعيم، فقد تتحول حالة واحدة إلى سلسلة تفشيات.

الإنفلونزا وكوفيد... أمراض مألوفة لكنها لا تزال مؤثرة

الإنفلونزا وكوفيد-19 أقل إثارة للذعر اليوم مقارنة بسنوات الجائحة، لكنهما أكثر واقعية بكثير في سياق بطولة عالمية. الزحام، والغناء، والصراخ، والقرب الجسدي، والسفر الطويل، وقلة النوم، والاحتفال في أماكن مغلقة، كلها عوامل تزيد فرص انتقال الفيروسات التنفسية.

قد يتصور مشجع في أميركا الشمالية أن الصيف ليس موسما للإنفلونزا، لكن كأس العالم لا تجمع سكان أميركا الشمالية فقط، فهناك مشجعون ولاعبون وصحافيون وطواقم قادمون من نصف الكرة الجنوبي، حيث يكون موسم الإنفلونزا مختلفا، يمكن أن يحملوا فيروسات نشطة إلى مدن البطولة. وحتى إذا لم ينتج من ذلك وباء كبير، يمكن أن يؤدي إلى زيادات موضعية في العدوى، وغياب عاملين، وضغط على العيادات والطوارئ.

أما كوفيد-19، فلم يعد يوقف العالم كما حدث في 2020، لكنه لا يزال يتسبب بدخول المستشفيات، خصوصا بين كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة وضعف المناعة. وفي حدث مثل كأس العالم، لا يكون السؤال فقط عن عدد الإصابات، بل عن الفئات التي ستصاب: مشجع شاب قد يتعافى سريعا، لكنه قد ينقل العدوى لاحقا إلى قريب مسن أو مريض.

تمثل الأمراض المنقولة بالبعوض طبقة مختلفة من الخطر، فهي لا تنتقل مباشرة من مشجع إلى آخر في المدرجات، بل تحتاج إلى ناقل حي عبارة عن بعوضة تلدغ شخصا مصابا ثم تنقل الفيروس أو الطفيل إلى آخر

وفي خلفية المشهد، يراقب العلماء إنفلونزا الطيور، خاصة مع استمرار دورانها في الطيور وبعض الثدييات مثل الأبقار الحلوب في الولايات المتحدة. حتى الآن، لا يوجد دليل على انتقال مستقر من إنسان إلى إنسان، وهذا هو العامل الحاسم. طالما بقي الفيروس عاجزا عن الانتقال بكفاءة بين البشر، فلن يصبح تهديدا جماهيريا في الملاعب.

لكن وجود ملايين المسافرين لا يلغي أهمية المراقبة، فأي تغير جيني يمنح الفيروس قدرة أفضل على الانتقال البشري سيكون حدثا مهما بغض النظر عن كأس العالم.

البعوض يدخل المباراة

تمثل الأمراض المنقولة بالبعوض طبقة مختلفة من الخطر، فهي لا تنتقل مباشرة من مشجع إلى آخر في المدرجات، بل تحتاج إلى ناقل حي عبارة عن بعوضة تلدغ شخصا مصابا ثم تنقل الفيروس أو الطفيل إلى آخر. لذلك يعتمد خطرها على الطقس، وانتشار البعوض، ووجود حالات قادمة من مناطق موبوءة، وقدرة النظام الصحي على التشخيص المبكر.

REUTERS
كأس العالم لكرة القدم 2026

في المدن الجنوبية بالولايات المتحدة والمكسيك، ومع حرارة الصيف، تصبح هذه المخاطر أكثر أهمية، فحمى الضنك تحديدا شهدت توسعا عالميا في السنوات الأخيرة، وأميركا اللاتينية والكاريبي من المناطق التي تسجل أعباء كبيرة. معظم الحالات في الولايات المتحدة تكون مرتبطة بالسفر، لكن ظهور حالات محلية في بعض المناطق يذكر بأن الحدود بين "مرض مستورد" و"انتقال محلي محدود" قد تصبح أقل وضوحا مع تغير المناخ وانتشار البعوض الناقل.

وتدخل "الشيكونغونيا" والملاريا و"أوروبوش" ضمن قائمة المراقبة كذلك. "أوروبوش"، الذي كان أقل شهرة، شهد تفشيا كبيرا في أميركا اللاتينية، وقد يتسبب بمضاعفات عصبية أو نزفية في بعض الحالات، كما تثار مخاوف في شأن تأثيره على الحمل. أما الحمى الصفراء، فهي ليست مرضا مستوطنا في الولايات المتحدة، لكنها تظل مهمة للمسافرين القادمين من مناطق في أفريقيا وأميركا الجنوبية.

هناك جانب صحي لا يحظى بالاهتمام الكافي في التغطيات الرياضية وهي العدوى المنقولة جنسيا

والتهديد في تلك الحالة ليس بحدوث انفجار وبائي بل حالات مستوردة قد تربك الأطباء إذا لم تكن ضمن قائمة الاشتباه، وقد يرى طبيب طوارئ في مدينة أميركية حمى وصداعا وآلاما عامة، فيفكر في الإنفلونزا أو كوفيد، بينما يكون المريض عائدا من منطقة ينتشر فيها الضنك أو الملاريا. لذلك تحتاج البطولة إلى يقظة تشخيصية، لا إلى ذعر.

هناك جانب صحي لا يحظى بالاهتمام الكافي في التغطيات الرياضية، وهي العدوى المنقولة جنسيا، فلا تعني التجمعات الكبرى فقط مباريات ومواصلات ومطارات، بل تعني أيضا احتفالات، وكحولا، وسفرا، وعلاقات عابرة، وأحيانا سلوكيات أكثر خطورة من المعتاد.

الزهري والسيلان

تشير دراسات السفر إلى أن نسبة من المسافرين الدوليين ينخرطون في علاقات جنسية عابرة، وأن جزءا كبيرا من هذه العلاقات قد يحدث دون وقاية ويمكن أن يزيد ذلك فرص انتقال عدوى مثل السيلان والكلاميديا والزهري.

وتلك الأمراض أقل قابلية للرصد الفوري، فالمصاب قد لا تظهر عليه أعراض، أو يتجاهلها، أو يعود إلى بلده قبل التشخيص. لذلك يحتاج التعامل معها إلى رسائل صحة عامة عملية مثل إتاحة الواقيات، وتسهيل الفحص، وتقليل الوصمة، وتقديم معلومات واضحة لا أخلاقية ولا عقابية.

في أي تجمع كبير، تدخل الأمراض المعوية إلى الحسابات. "نوروفيروس" مثلا شديد العدوى، ويمكن أن ينتشر عبر الأسطح أو الطعام أو المخالطة القريبة، ويسبب قيئا وإسهالا حادا. غالبا لا يكون قاتلا للأصحاء، لكنه قادر على إفساد الرحلات، وتعطيل العمل، وإحداث موجات إصابة سريعة في الفنادق أو الرحلات أو الأماكن المغلقة.

لكن الفرق بين كأس العالم وأي مهرجان عشوائي في الهواء الطلق هو امتلاك الملاعب بنية صرف صحي ومطاعم منظمة ومعايير سلامة غذائية أعلى مما يقلل الخطر الذي لا يختفي، خاصة في مناطق المشجعين غير الرسمية، أو التجمعات التي تعتمد على طعام شارع، أو الأماكن التي يصعب فيها غسل اليدين بانتظام.

وترى بعض النماذج البحثية أن كأس العالم لن تغير خريطة الأمراض في أميركا الشمالية بشكل جذري. والسبب أن الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تستقبل أصلا ملايين المسافرين سنويا من كل أنحاء العالم.

ويضع هذا التحليل البطولة في حجمها الواقعي، فهناك زيادة في السفر والاختلاط، لكن ليست كل حالة مستوردة تتحول إلى تفش، وكثير من الأمراض لا ينتقل بسهولة في ظروف الملاعب وبعضها يحتاج إلى ناقل مثل البعوض، أو تماس محدد مثل سوائل الجسم، أو فترة طويلة من المخالطة مثل السل. لذلك خلصت بعض التقديرات إلى أن معظم مسببات الأمراض المحتملة لن تسبب عبئا كبيرا، وأن قائمة المراقبة الأهم تضم عددا محدودا من الأمراض ذات الاحتمال أو الأثر الأعلى.

لا تنتظر المراقبة امتلاء المستشفيات، بل تستخدم العديد من الوسائل للتنبؤ باحتمال حدوث عدوى، فمياه الصرف مثلا يمكن أن تكشف ارتفاعا في فيروسات تنفسية أو معوية قبل أن تتضح الصورة سريريا، وسجلات الطوارئ قد ترصد زيادة غير معتادة في أعراض معينة

لكن الطمأنة هنا ليست دعوة للتراخي، فالنماذج تفترض درجة معينة من جاهزية الصحة العامة، من الترصد والتشخيص والتواصل والتطعيم والاستجابة المحلية. فإذا ضعفت هذه الحلقات، يمكن لحدث صغير أن يكبر، وحالة حصبة واحدة في مجتمع غير مطعم، أو تفش في فندق، أو تأخر تشخيص مرض نادر، قد يكون كافيا لاختبار النظام.

بطولة لا يراها الجماهير

وبينما يشاهد الجمهور المباريات، تعمل بطولة الترصد الصحي في خلفية المشهد، فالسلطات في الدول الثلاث، ومعها مؤسسات أكاديمية وشركات ومنظمات صحية، تراقب إشارات مبكرة للأمراض. هذا يشمل بيانات المستشفيات، ومياه الصرف الصحي، والتنبيهات الدولية، والبلاغات المحلية، وربما حتى النقاشات العامة على الإنترنت لرصد مخاوف صحية ناشئة.

REUTERS
ملعب ميتلايف بولاية نيو جيرسي الأميركية

ولا تنتظر المراقبة امتلاء المستشفيات، بل تستخدم العديد من الوسائل للتنبؤ باحتمال حدوث عدوى، فمياه الصرف مثلا يمكن أن تكشف ارتفاعا في فيروسات تنفسية أو معوية قبل أن تتضح الصورة سريريا، وسجلات الطوارئ قد ترصد زيادة غير معتادة في أعراض معينة. والإنذارات الدولية تساعد الأطباء على التفكير في أمراض غير مألوفة في مدنهم لكنها مألوفة في بلدان القادمين.

مع ذلك، تثار مخاوف من أن أي ضعف في البنية العامة للصحة، أو خفوضات في الكوادر والتمويل، قد يقلل سرعة الاستجابة، وفي الأوبئة، السرعة ليست رفاهية والفارق بين احتواء تفش صغير وتحوله إلى أزمة قد يكون أياما، وأحيانا ساعات.

رسالة الوقاية ليست معقدة، وأهم خطوة هي تحديث التطعيمات قبل السفر، خاصة لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، ولقاحات كوفيد والإنفلونزا للفئات التي تنطبق عليها التوصيات. كما يجب على المشجع الذي يعاني حمى أو طفحا أو أعراضا تنفسية قوية عدم التعامل مع الأمر كإزعاج بسيط، بل كخطر محتمل على من حوله.

على الأرجح، لن تكون كأس العالم 2026 بداية وباء عالمي جديد، لكن البطولة قد تكشف نقاط ضعف في التطعيم، والترصد، والتشخيص، والتواصل الصحي. وأكثر ما يستحق القلق ليس المرض الأكثر رعبا في المخيلة العامة، بل الأمراض الأكثر قدرة على استغلال الزحام والسفر كالحصبة، والإنفلونزا، وكوفيد، ونوروفيروس، وبعض الأمراض المنقولة بالبعوض أو الجنس.

font change

مقالات ذات صلة