كأس العالم... أكبر سوق رهانات في العالم

تسعون دقيقة على أرض الملعب... وأكثر من 50 مليار دولار قد تتنقل بين القارات مع كل هدف وصافرة

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
جماهير مباراة الإكوادور وكارساو ضمن منافسات كأس العالم، التي أقيمت في كانساس، الولايات المتحدة الأميركية 20 يونيو 2026

كأس العالم... أكبر سوق رهانات في العالم

منذ إطلاق الحكم صافرة البداية لأول مباراة في كأس العالم 2026، لم يعد اللاعبون وحدهم الأطراف التي دخلت المنافسة. ففي اللحظة نفسها، بدأت مليارات الدولارات رحلتها عبر تطبيقات الهواتف الذكية ومنصات المراهنات ومراكز البيانات المنتشرة في أنحاء العالم. في لندن مثلا، يراهن مشجع على فوز إنكلترا. وفي نيويورك، يختار آخر عدد الأهداف التي ستشهدها المباراة. وفي سنغافورة، يضع شخص ثالث رهانه على هوية أول لاعب يحصل على بطاقة صفراء.

وبينما تتابع الجماهير الكرة وهي تنتقل بين أقدام اللاعبين، تتابع الخوارزميات شيئاً آخر، وهي احتمالات الربح والخسارة التي تتغير مع كل تمريرة وتسديدة وقرار تحكيمي. هكذا أصبحت كأس العالم في القرن الحادي والعشرين. فهي تتخطى حدود المستطيل الأخضر ولم تعد أكبر حدث كروي على الكوكب، لتصبح أيضا أحد أكبر المسارح العالمية لصناعة المراهنات الرياضية، واقتصاد موازٍ يتحرك على إيقاع المباريات نفسها.

وتتوقع بنوك استثمار وشركات أبحاث متخصصة أن تتجاوز قيمة الرهانات العالمية على كأس العالم 2026 حاجز 50 مليار دولار، مقارنة بنحو 35 مليار دولار خلال مونديال 2022، وهو ما قد يجعل البطولة أكبر حدث مراهنات رياضية منفرد على الإطلاق من حيث حجم الأموال المتداولة. ولإدراك ضخامة هذا الرقم، يكفي القول إنه يقترب من الناتج المحلي الإجمالي السنوي الخاص ببلد بحجم المملكة الأردنية الهاشمية، الذي يدور حول 53-62 مليار دولار وفقا لآخر التقديرات الدولية، ويتجاوز القيمة السوقية لعدد كبير من الشركات العالمية المعروفة. لكن قصة هذه المليارات لا تتعلق بالرياضة وحدها. إنها قصة التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي والتشريعات والاقتصاد الرقمي، وقصة العلاقة المتشابكة بين لعبة شعبية يتابعها مليارات البشر وصناعة عالمية تلهث وراء كل فرصة لتحقيق الربح.

خمسون مليار دولار... لكن من يربحها؟

عندما نقرأ أن الرهانات على كأس العالم من المتوقع أن تتجاوز 50 مليار دولار، قد يتبادر إلى أذهاننا أن شركات الرهانات ستحقق أرباحا بالقيمة نفسها. غير أن الواقع مختلف تماما. لا يمثل الرقم أرباح الشركات، بل إجمالي الأموال التي يضعها المراهنون على مختلف المباريات والأحداث المرتبطة بالبطولة. وفي لغة القطاع يُعرَف هذا الرقم باسم "حجم الرهانات" أو "حجم التداول".

حصة شركات الرهانات تتراوح بين 5 و10 في المئة من إجمالي الأموال المتداولة

لا يمثل حجم الرهانات الأرباح التي تحققها شركات المراهنات، بل إجمالي الأموال التي يضعها المشاركون على مختلف النتائج. فإذا راهن شخص بمئة دولار، ثم راهن شخص آخر بمئة دولار على حدث آخر، يُضاف المبلغان معا إلى حجم الرهانات ليبلغ 200 دولار، سواء ربح المراهنون أم خسروا. أما الشركات المشغلة للمنصات فتحتفظ بجزء محدود من هذه الأموال بعد سداد المكاسب للفائزين، وهو ما يُعرف في القطاع بـ"الهامش" أو "الاحتفاظ" (Hold Rate). وتتراوح حصة الشركات المشغلة عادة بين 5 و10 في المئة من إجمالي الأموال المراهن بها، مما يعني أن الأرباح الفعلية للقطاع تقل كثيرا عن حجم الرهانات المتداول في وسائل الإعلام، على الرغم من أنها تبقى ضخمة بمقاييس معظم القطاعات الاقتصادية.

.أ.ف.ب
جماهير يبانية تحتفل خلال مباراة تونس واليابان، في غوادالوبي، المكسيك 20 يونيو 2026

لكن شركات المراهنات ليست المستفيد الوحيد من هذا النشاط المتنامي، إذ  ستفيد من ازدهاره منظومة كاملة تشمل شركات البيانات الرياضية التي تزود المنصات المعلومات الفورية، وشركات التكنولوجيا التي تطور الخوارزميات، ومزودي خدمات الدفع الإلكتروني، وشركات البث الرياضي، وحتى بعض الاتحادات الرياضية والأندية التي تحصل على عوائد مباشرة أو غير مباشرة من الرعاية والإعلانات. ولهذا أصبحت المراهنات جزءا من اقتصاد رياضي أوسع بكثير من مجرد رهان يضعه مشجع على نتيجة مباراة.

حتى وقت قريب، كان الرهان الرياضي يستند إلى سؤال بسيط: من سيفوز؟ أما اليوم، فأصبح هذا السؤال واحدا من مئات الأسئلة الممكنة. يمكن المستخدم أن يراهن على أول لاعب يسجل، أو عدد الركنيات، أو عدد البطاقات الصفراء، أو عدد التسديدات التي سيقوم بها لاعب بعينه، أو توقيت الهدف المقبل، أو ما إذا كان الحكم سيحتسب ركلة جزاء خلال فترة زمنية محددة. بل إن بعض المنصات تتيح رهانات شديدة الدقة تتعلق بتفاصيل صغيرة داخل المباراة، وهو ما يُعرَف عالميا بالرهانات الدقيقة أو micro-betting.

لم يكن هذا التحول ليكون ممكنا لولا التطور الكبير في تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، مما يتيح تحويل كل حدث يقع داخل الملعب في جزء من الثانية إلى معلومة جديدة تدخل في حسابات الاحتمالات. وإذا تعرّض لاعب مؤثر إلى إصابة، أو حصل فريق على بطاقة حمراء، أو تغيرت مجريات اللقاء في صورة مفاجئة، تعيد الخوارزميات تسعير الاحتمالات فورا. لهذا السبب أصبحت شركات المراهنات من أكبر المستثمرين في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الرياضية.

وتشير تقارير حديثة إلى أن حجم سوق المراهنات الرياضية العالمية بلغ نحو 113.8 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 126.5 مليار دولار في 2026، قبل أن يتجاوز 295 مليار دولار في حلول عام 2034. ويعكس هذا النمو المتسارع اتساع نطاق تقنين المراهنات عبر الإنترنت في عدد متزايد من الدول، إلى جانب ارتفاع معدلات استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، وتنامي الإقبال على التجارب الرقمية التفاعلية. كما تعمل شركات المراهنات على تطوير منصاتها الإلكترونية من خلال تطبيقات الهاتف المحمول وأنظمة المراهنات الحية وأدوات التحليل المتقدمة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي وحلول الدفع الرقمي الآمنة بهدف استقطاب شرائح أوسع من المستخدمين.

قد تصل قيمة المراهنات الرياضية غير المشروعة عالميا إلى نحو 1.7 تريليون دولار سنويا، وهو ما يفسر المخاوف المتزايدة من ارتباطها بعمليات التلاعب بالمنافسات وغسل الأموال والجريمة المنظمة

كذلك يسهم الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الفورية في تحسين دقة التسعير وتخصيص تجربة المستخدم، فيما يواصل توسع منظومة المراهنات عبر الهاتف المحمول دعم نمو القطاع في مختلف الأسواق. وبالتالي، تخطت المنافسة حدود العملاء، لتبلغ امتلاك أفضل المعلومات وأسرعها وأكثرها دقة.

بطولة تضاعف سوقا... ومخاطرها

إذا كانت صناعة المراهنات تنمو مع كل نسخة من كأس العالم، تبدو نسخة 2026 مصممة تقريبا لتوسيع هذا النمو. للمرة الأولى في تاريخ البطولة، يرتفع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخبا، كما يرتفع عدد المباريات من 64 إلى 104 مباريات. هذا التوسع يعني ببساطة مزيدا من المباريات ومزيدا من الجماهير ومزيدا من الفرص للمراهنة. كذلك تضيف إقامة البطولة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك عاملا آخر لا يقل أهمية. منذ أن ألغت المحكمة العليا الأميركية في عام 2018 الحظر الفيديرالي الذي كان يقيد المراهنات الرياضية في معظم الولايات، يشهد القطاع نموا سريعا وغير مسبوق. وخلال سنوات قليلة فقط تحولت الولايات المتحدة إلى واحدة من أسرع أسواق المراهنات الرياضية نموا في العالم. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن حجم الرهانات القانونية في السوق الأميركية خلال كأس العالم 2026 قد يبلغ عدة مليارات من الدولارات، مدفوعا بالانتشار الواسع للمراهنات الرياضية القانونية وكون البطولة ستقام جزئيا على الأراضي الأميركية. ويرى مراقبون كثيرون أن كأس العالم 2026 قد تمثل لحظة فارقة في إعادة رسم خريطة صناعة المراهنات العالمية، مع صعود أميركا الشمالية إلى جانب المراكز التقليدية في أوروبا وآسيا.

.أ.ف.ب
رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو يلتقط صورة وهو يرتدي قميص فريق مونتريال كنديانز خلال جولة كأس العالم التي ينظمها الفيفا وكوكاكولا في ملعب بارك لاندزداون في أوتاوا، كندا، في 24 مايو 2026.

في قلب هذه الصناعة، مفارقة يصعب تجاهلها، إذ لا تتوقف الهيئات الرياضية والاتحادات الكروية عن التحذير من مخاطر المقامرة والإدمان والتلاعب بالمباريات. وفي الوقت نفسه، تصبح شركات المراهنات من أكبر الأطراف الراعية والمعلنة في عالم كرة القدم. على مدى العقدين الماضيين من الزمن، ظهرت شعارات هذه الشركات على قمصان الأندية الأوروبية، وفي الملاعب، وعبر شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية. وتحوّلت بعض عقود الرعاية إلى مصادر دخل مهمة للأندية والبطولات.

أثار هذا الواقع انتقادات متزايدة، خصوصا مع تزايد القلق من أثر الإعلانات المكثفة في الشباب وصغار السن. ولذلك بدأت بعض الحكومات الأوروبية والهيئات الرياضية تفرض قيودا على هذا النوع من الإعلانات والرعايات. ومع ذلك، لا يزال من الصعب تصور اقتصاد كرة القدم الحديثة من دون الأموال التي يضخها قطاع المراهنات. ولهذا تبدو العلاقة بين الطرفين مربحة من جهة، ومحرجة من جهة أخرى.

الوجه الآخر للمليارات

إذا كانت الأسواق القانونية تمثل الوجه المرئي للصناعة، فإن السوق غير القانونية تشكل الوجه الأكثر غموضا. تحذّر الأمم المتحدة وهيئات النزاهة الرياضية من أن المراهنات غير المشروعة تُعَدّ من أبرز العوامل التي تغذي الفساد الرياضي والتلاعب بالمنافسات. كذلك ترتبط في بعض الحالات بشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. ووفق تقرير أممي حول الفساد في الرياضة، قد تصل قيمة المراهنات الرياضية غير المشروعة عالميا إلى نحو 1.7 تريليون دولار سنويا، وهو ما يفسر المخاوف المتزايدة من ارتباطها بعمليات التلاعب بالمنافسات وغسل الأموال والجريمة المنظمة.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 11.9 في المئة من الرجال و5.5 في المئة من النساء حول العالم يواجهون مستويات متفاوتة من المخاطر أو الأضرار المرتبطة بالمقامرة، بما في ذلك المشكلات المالية والنفسية والاجتماعية

تكمن الخطورة في أن هذه الأموال لا تسعى دائما إلى الربح فقط، بل قد تسعى أحيانا إلى التأثير في بعض الأحداث الرياضية أو استغلال الثغرات التنظيمية لتحقيق مكاسب غير مشروعة. لا يعني ذلك أن بطولات كأس العالم شهدت تلاعبا منظّما بنتائجها، إذ أن أنظمة المراقبة الدولية تصبح أكثر تطورا بمرور الزمن وتجدد المناسبات. غير أن تضخم حجم الأموال المتداولة يجعل الحاجة إلى الرقابة المستمرة أكثر إلحاحا.

بعيدا من لغة المليارات والأسواق، ثمة جانب آخر لا يحظى بالاهتمام نفسه. فلم تعد المقامرة تُناقَش فقط بوصفها نشاطا اقتصاديا أو ترفيهيا، بل أصبحت أيضا قضية صحة عامة.

.أ.ف.ب
مشجع يتابع مباراة بلاده كارساو ضد ألمانيا، في مدينة هيوستن، الولايات المتحدة الأميركية 14 يونيو 2026

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 11.9 في المئة من الرجال و5.5 في المئة من النساء حول العالم يواجهون مستويات متفاوتة من المخاطر أو الأضرار المرتبطة بالمقامرة، بما في ذلك المشكلات المالية والنفسية والاجتماعية. وتتراوح هذه الأضرار بين الديون والمشاكل الأسرية والضغوط النفسية، وقد تصل في بعض الحالات إلى الإدمان.

ومع انتقال المراهنات إلى الهواتف الذكية، أصبحت المشاركة أسهل من أي وقت مضى. ولم يعد المستخدم بحاجة إلى زيارة مكتب مراهنات أو كازينو، بل تكفيه نقرات قليلة على شاشة هاتفه للدخول إلى عالم من الاحتمالات والمخاطر في الوقت نفسه. ولهذا السبب تزداد الدعوات في كثير من الدول إلى تشديد الرقابة على الإعلانات، وتعزيز برامج التوعية والعلاج، ووضع ضوابط تحمي الفئات الأكثر عرضة إلى المخاطر.

العالم العربي... ظاهرة تعيش في الظل

في معظم البلدان العربية، لا تزال المراهنات الرياضية محظورة أو مقيدة بدرجات متفاوتة لأسباب دينية وقانونية واجتماعية. لكن الإنترنت غيّر كثيرا من قواعد اللعبة. وأصبح الوصول إلى المنصات الأجنبية أكثر سهولة، في حين تتيح وسائل الدفع الرقمية الحديثة للمستخدمين خيارات لم تكن متوافرة قبل سنوات قليلة.

كم من الأموال العربية يغادر المنطقة سنويا عبر منصات مراهنات تعمل من الخارج؟ لا أرقام موثوق بها تجيب عن هذا السؤال

ومن هنا يبرز سؤال اقتصادي نادرا ما يحظى بالنقاش الكافي: كم من الأموال العربية يغادر المنطقة سنويا عبر منصات مراهنات تعمل من الخارج؟ لا أرقام موثوق بها تجيب عن هذا السؤال في صورة دقيقة، لكن المؤكد أن جزءا من هذه الأموال يخرج من الاقتصادات المحلية من دون أن يمر عبر الأنظمة الضريبية أو التنظيمية المحلية.

.أ.ف.ب
جماهير يبانية تحتفل خلال مباراة تونس واليابان، في غوادالوبي، المكسيك 20 يونيو 2026

وفي المقابل بدأت بعض الدول مراجعة سياساتها تجاه هذه الظاهرة. وتبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها الدولة العربية التي شرعت في إنشاء إطار تنظيمي للألعاب التجارية يشمل المراهنات الرياضية، في محاولة للتعامل مع واقع رقمي يصعب تجاهله بالكامل. ويبدو أن النقاش العربي حول هذه القضية لا يزال في بدايته، لكنه مرشح للتوسع مع استمرار نمو الاقتصاد الرقمي وتزايد شعبية المنصات العابرة للحدود.

بطولة تدور خارج الملاعب

قبل أقل من قرن من الزمن، كانت كرة القدم لعبة يلاحق فيها 22 لاعبا كرة من الجلد أمام بضعة آلاف من المتفرجين. أما اليوم فقد أصبحت صناعة عالمية تتقاطع فيها التكنولوجيا والبيانات والإعلانات وحقوق البث والاستثمارات والمراهنات. وأصبحت كأس العالم، أكثر من أي حدث رياضي آخر، مرآة لهذا التحوّل الكبير. ومع انطلاق مباريات كأس العالم 2026، سينشغل العالم بمعرفة هوية المنتخب الذي سيرفع الكأس في النهاية.

لكن خلف المشهد الرياضي ستدور بطولة أخرى لا تقل إثارة. بطولة لا تُرفَع فيها الكؤوس، ولا تُعزَف فيها الأناشيد الوطنية، بل تُحصَى فيها المليارات. مليارات تتحرك مع كل هدف، وتتغير مساراتها مع كل قرار تحكيمي، وتراقبها الخوارزميات بالاهتمام نفسه الذي يراقب به المشجعون نجومهم المفضلين. وربما لهذا السبب أصبحت كأس العالم أكبر سوق رهانات مؤقتة على وجه الأرض، إذ قد تكون التسعون دقيقة التي يشاهدها الجمهور على الشاشة هي الجزء الأكثر وضوحا فقط من حكاية أكبر بكثير تدور خارج خطوط الملعب.

font change

مقالات ذات صلة