يواجه التعاون الدولي تهديدا من تصاعد النزعة القومية العرقية، فيما تتآكل ثقة العالم بالمؤسسات العالمية. وخلقت مكانة كأس العالم، بوصفها أكبر حدث ترفيهي على الكوكب، وهماً مفاده أنها واحدة من آخر المشاريع العالمية القادرة على التحليق فوق قوى الانكفاء المحلي الضيق. غير أن التصدعات في هذه الواجهة تتسع شيئا فشيئا، مما يدفعنا للتساؤل: هل يمكن أن تكون هذه آخر نسخة من كأس العالم؟
قد يبدو السؤال عبثيا، لكن تمهلوا قليلا. فقد ازدهرت البطولة في بداياتها، ولو جزئيا، لأنها شكلت أداة استثنائية لخدمة الأجندات السياسية للحكومات الوطنية. ويظل كأس العالم 1934 الذي نظمه موسوليني، والنسخة التي استضافها المجلس العسكري الأرجنتيني عام 1978، من بين أكثر الأمثلة شهرة على ذلك. وحتى الأمثلة الأقل قتامة، مثل فرنسا 1998 وألمانيا 2006، نجحت إلى حد بعيد لأنها انسجمت مع أجندات وطنية واضحة. ففي فرنسا، كان الهدف إبراز التعددية الثقافية، وفي ألمانيا ترسيخ الوحدة وتقديم وطنية جديدة أكثر لطفا. كما دفعت "فيفا" نفسها، منذ زمن، أجندتها السياسية الخاصة، سواء عبر الضغط على اليابان وكوريا الجنوبية لقبول استضافة مشتركة عام 2002، أو عبر هندسة أول كأس عالم في أفريقيا عام 2010.
لكن العالم دخل، خلال العقد الماضي، طورا جديدا أكثر مدعاة للقلق. فنحن نتجه الآن إلى نسخة ثالثة متتالية من كأس العالم تلاحقها دعوات المقاطعة، بسبب سجل الدولة المضيفة في حقوق الإنسان أو في السياسة الخارجية.
وعلى الرغم من التغطية السلبية التي سبقت بطولتي روسيا وقطر، نجح البلدان في نهاية المطاف في استضافة نسختين ناجحتين عامي 2018 و2022 على الترتيب. فهل تمضي النسخة المقبلة، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بشكل مشترك من 11 يونيو/حزيران إلى 19 يوليو/تموز، بالسلاسة نفسها؟ أم تكون هذه هي النسخة التي تزج البطولة في دوامة هبوط لا تقوم لها بعدها قائمة؟

فيما يلي بعض ما يجعل "كأس عالم ترمب" بطولة غير مسبوقة: إنها أول نسخة تخوض فيها دولة مضيفة حربا غير مشروعة ضد دولة مشاركة، وأول نسخة يخضع فيها مواطنو أربع دول مشاركة لحظر سفر تفرضه الدولة المضيفة، وأول نسخة يهدد فيها زعيم دولة مضيفة، علنا، بضم إحدى الدول الشريكة في الاستضافة، بينما ينقض اتفاقات تجارية مع الدولة الشريكة الأخرى. ورغم أن كأس العالم يفترض أن يكون مهرجانا للسفر الدولي، فإن السياسات الأميركية المتعلقة بدخول البلاد، إلى جانب استهداف المهاجرين داخلها، فضلا عن أسعار التذاكر الباهظة، أثارت قلق كثير من المشجعين.

