عيون الجالسين في مقصورة ملعب "مولاي عبد الله" في الرباط، لم تكن جاهزة لاستيعاب ما يجري أمامها؛ خلف أحد المرميين كان رجال الأمن يكافحون لاحتواء المد الغاضب من لكمات المشجعين السنغاليين وركلاتهم، التي لا تتسق مع ألوان ملابسهم المبهجة، وإيقاعات راقصة رتيبة متتالية، التزموا بأدائها على مدار شوطي المباراة، حتى حانت لحظة الهبوط لأرض الملعب، استجابة لاحتجاج فريقهم ومدربه على ركلة جزاء احتسبت ضدهم في الثانية الأخيرة من نهائي كأس الأمم الأفريقية.
وعلى الطرف الثاني من الملعب خلف المرمى الآخر، كان مصورو الوكالات العالمية قد احتشدوا مصوبين عدساتهم نحو المغربي إبراهيم دياز نجم الفريق، وإن كان أقصر اللاعبين قامة في الملعب، والرجل الذي ترك وحيدا مع هواجسه وخيالاته، وأكثر كوابيسه جموحا في دقائق الاحتجاج السنغالية، بينما كان يتأهب للحظة يعرف أن حياته بعدها لن تكون كما كانت قبلها.
بين المرميين كان الآلاف من مشجعي المغرب يتأهبون للحظة التتويج التي عاشوا على إيقاعها لشهور، موعودين بانتهاء القطيعة بين منتخب بلادهم، واللقب الأفريقي التي تجاوزت الخمسين عاما، وبينهم وبين تلك اللحظة كانت يدا حارس السنغال إدوارد ميندي اللتين التقطتا بهدوء قاتل، كرة لم يسدد إبراهيم دياز أضعف منها منذ كان طفلا يخطو خطواته الأولى في مكان ما بمدينة مالاجا الإسبانية حيث نشأ. المشهد الذي اختلطت فيه دموع دياز ورفاقه بمطر لم يتوقف عن الهطول، بينما كان اللاعبون السنغاليون يتراقصون مع جمهورهم العائد من الاشتباك إلى المدرجات، حاملين لكأس استعصت على المغرب منذ نصف قرن، كان أقسى من أن يستوعبه من حضروا أنفسهم لكل ما يمكن توقعه من أحداث، إلا أن يضيع الحلم على يد هداف البطولة الذي عجز عن تسديد ركلة جزاء، كانت كل ما تبقى بينهم وبين أن يطلقوا على أنفسهم لقب أبطال القارة الأفريقية، محولا النهاية السعيدة المنتظرة إلى مجرد حلقة جديدة في حلم يستمر عصيا على التحقق، بينما اكتفى الاتحاد الأفريقي في عقوباته، بتوزيع حفنة من الغرامات المالية على الاتحادين المغربي والسنغالي، مع إيقافات محدودة للاعبين من كلا الفريقين، فيما بدا وكأنه محاولة عاجلة لطي صفحة موقف محرج لسمعة الكرة الأفريقية تصدره مدرب السنغال باب ثياو، الذي ربما لا يكترث كثيرا لغيابه عن خمس مباريات بحكم الإيقاف، إذا كان ذلك ثمن استقبال الأبطال الذي ناله هو ولاعبوه في داكار، بعد أن خرجوا بطريقة ما أبطالا لأفريقيا من مشهد أخير، بدأوه منسحبين من الثواني الأخيرة للمباراة النهائية.
قبل ذلك المشهد في الرباط بأسابيع قليلة كان المغرب قد تعهد للقارة السمراء، بأن يقدم البطولة الأكبر في الكرة الأفريقية بشكل لم يألفه العالم من قبل. كأس الأمم التي تقام كل عامين كظاهرة تقدم باختصار غير مخل كل ما في أفريقيا من كنوز ومواهب بشرية وعشوائية تكسو إدارتها، وظروف اقتصادية وسياسية أكثر تقلبا من أن تتوقعها الهيئات المنظمة، عانت لسنوات من تأجيلات وتغييرات في أماكن إقامتها لم تعد تتناسب مع الكم الكبير من المواهب، التي تشارك مع المنتخبات الأفريقية، وتضيء بموهبتها كشافات الملاعب الأوروبية، وخزائن أنديتها بمئات الملايين من الدولارات.


