المغرب… للحلم غير المكتمل بقية في كأس العالم

البطولة التي حيرت المغاربة طيلة نصف قرن

جاسون ليون
جاسون ليون

المغرب… للحلم غير المكتمل بقية في كأس العالم

عيون الجالسين في مقصورة ملعب "مولاي عبد الله" في الرباط، لم تكن جاهزة لاستيعاب ما يجري أمامها؛ خلف أحد المرميين كان رجال الأمن يكافحون لاحتواء المد الغاضب من لكمات المشجعين السنغاليين وركلاتهم، التي لا تتسق مع ألوان ملابسهم المبهجة، وإيقاعات راقصة رتيبة متتالية، التزموا بأدائها على مدار شوطي المباراة، حتى حانت لحظة الهبوط لأرض الملعب، استجابة لاحتجاج فريقهم ومدربه على ركلة جزاء احتسبت ضدهم في الثانية الأخيرة من نهائي كأس الأمم الأفريقية.

وعلى الطرف الثاني من الملعب خلف المرمى الآخر، كان مصورو الوكالات العالمية قد احتشدوا مصوبين عدساتهم نحو المغربي إبراهيم دياز نجم الفريق، وإن كان أقصر اللاعبين قامة في الملعب، والرجل الذي ترك وحيدا مع هواجسه وخيالاته، وأكثر كوابيسه جموحا في دقائق الاحتجاج السنغالية، بينما كان يتأهب للحظة يعرف أن حياته بعدها لن تكون كما كانت قبلها.

بين المرميين كان الآلاف من مشجعي المغرب يتأهبون للحظة التتويج التي عاشوا على إيقاعها لشهور، موعودين بانتهاء القطيعة بين منتخب بلادهم، واللقب الأفريقي التي تجاوزت الخمسين عاما، وبينهم وبين تلك اللحظة كانت يدا حارس السنغال إدوارد ميندي اللتين التقطتا بهدوء قاتل، كرة لم يسدد إبراهيم دياز أضعف منها منذ كان طفلا يخطو خطواته الأولى في مكان ما بمدينة مالاجا الإسبانية حيث نشأ. المشهد الذي اختلطت فيه دموع دياز ورفاقه بمطر لم يتوقف عن الهطول، بينما كان اللاعبون السنغاليون يتراقصون مع جمهورهم العائد من الاشتباك إلى المدرجات، حاملين لكأس استعصت على المغرب منذ نصف قرن، كان أقسى من أن يستوعبه من حضروا أنفسهم لكل ما يمكن توقعه من أحداث، إلا أن يضيع الحلم على يد هداف البطولة الذي عجز عن تسديد ركلة جزاء، كانت كل ما تبقى بينهم وبين أن يطلقوا على أنفسهم لقب أبطال القارة الأفريقية، محولا النهاية السعيدة المنتظرة إلى مجرد حلقة جديدة في حلم يستمر عصيا على التحقق، بينما اكتفى الاتحاد الأفريقي في عقوباته، بتوزيع حفنة من الغرامات المالية على الاتحادين المغربي والسنغالي، مع إيقافات محدودة للاعبين من كلا الفريقين، فيما بدا وكأنه محاولة عاجلة لطي صفحة موقف محرج لسمعة الكرة الأفريقية تصدره مدرب السنغال باب ثياو، الذي ربما لا يكترث كثيرا لغيابه عن خمس مباريات بحكم الإيقاف، إذا كان ذلك ثمن استقبال الأبطال الذي ناله هو ولاعبوه في داكار، بعد أن خرجوا بطريقة ما أبطالا لأفريقيا من مشهد أخير، بدأوه منسحبين من الثواني الأخيرة للمباراة النهائية.

قبل ذلك المشهد في الرباط بأسابيع قليلة كان المغرب قد تعهد للقارة السمراء، بأن يقدم البطولة الأكبر في الكرة الأفريقية بشكل لم يألفه العالم من قبل. كأس الأمم التي تقام كل عامين كظاهرة تقدم باختصار غير مخل كل ما في أفريقيا من كنوز ومواهب بشرية وعشوائية تكسو إدارتها، وظروف اقتصادية وسياسية أكثر تقلبا من أن تتوقعها الهيئات المنظمة، عانت لسنوات من تأجيلات وتغييرات في أماكن إقامتها لم تعد تتناسب مع الكم الكبير من المواهب، التي تشارك مع المنتخبات الأفريقية، وتضيء بموهبتها كشافات الملاعب الأوروبية، وخزائن أنديتها بمئات الملايين من الدولارات.

استثمر المغرب المليارات ليقدم نفسه للعالم كبلد متطور جاهز بالفعل لاستضافة كأس العالم، مع جارتيه الأوروبيتين إسبانيا والبرتغال في 2030

وملاعب المغرب الذي استثمر المليارات ليقدم نفسه للعالم كبلد متطور جاهز بالفعل لاستضافة كأس العالم، مع جارتيه الأوروبيتين إسبانيا والبرتغال في 2030 كانت الملاذ المطلوب، لتحصل أفريقيا أخيرا على مستضيف مستقر، يقدم صورة قريبة لما يقدم في بطولات أوروبا وكأس العالم، مثلما كانت في نظر المغاربة مسرحا لفرصة قد لا تتكرر للانقضاض على كأس أفريقيا وسط الأرض والجمهور، كإعلان لنهاية عقدة تاريخية، وتتويج لحقبة فاز خلالها المغرب بكل ما يمكن الفوز به على الصعيد الكروي.

رويترز
لاعبو المنتخب المغربي يلتقطون صورة جماعية قبل مباراة نهائي السنغال ضد المغرب، استاد الأمير مولاي عبد الله، الرباط، المغرب، 18 يناير 2026.

مع كل هذا الهوس بفك العقدة دخل لاعبو المغرب البطولة، مثقلين بتاريخ من خيبات الأمل التي خيمت على مسيرة أجيال سابقة، عانت من أجل أن تترجم جودة أثبتتها على المستوى الدولي، إلى إنجاز قاري يضع نجمة ثانية على قميص المنتخب الأحمر. فمنذ أن خطف "أسود الأطلس" اللقب الوحيد في مرتفعات إثيوبيا، في نسخة غير اعتيادية، من كأس الأمم أقيم دورها النهائي بنظام المجموعة عام 1976 تعددت الخيبات في اللحظات الأخيرة، لتعقد علاقة المغاربة بالبطولة نسخة تلو الأخرى. جيل الثمانينات بقيادة الحارس العملاق بادو زاكي، ونجم الوسط الفنان عزيز بودربالة، الذي أبدع في مونديال المكسيك عام 1986 ليصبح أول فريق عربي يصل للدور الثاني في كأس العالم، كان أقصى ما وصل إليه نصف النهائى عندما استضافت المغرب البطولة لأول مرة عام 1988. والجيل الذي خلفه في التسعينات كان مدججا بنجوم في قمة الكرة الأوروبية، على رأسهم نور الدين النيبت ومصطفى حجي، لكنه اصطدم في نسخة تلو الأخرى بقسوة الظروف الأفريقية، من ملاعب غير ممهدة وطقس لم يعتادوا اللعب تحت وطأته، ليفشل الفريق المتألق في مونديال فرنسا 1998 في الاقتراب من اللقب القاري، قبل أن يحاول جيل أقل شهرة من اللاعبين الصاعدين في مطلع الألفية الاقتراب من الحلم الكبير، ليتحطم حلمه في نهائي نسخة 2004 عندما التقى بفريق تونسي، يلعب على أرضه متسلحا بالرغبة ذاتها في أن يجلب لبلاده اللقب لأول مرة في تاريخها، ليصبح المغرب البلد الوحيد بين أقرانه من عمالقة شمال أفريقيا الذي لم يتمكن من رفع الكأس الأفريقية على أرضه.

كانت نسخة 2026 الموعد المثالي لرجال المغرب، لكي يفكوا الارتباط مع أشباح الماضي في كأس أفريقيا. السمعة الدولية التي اكتسبها المنتخب المغربي بعد عروض مبهرة في مونديال 2022 في قطر، جعلت منه أول فريق أفريقي يقتحم دائرة الأربعة الكبار في تاريخ بطولات كأس العالم، والسجل الحافل من الانتصارات المتتالية على المستوى الدولي، كان لها ما يبررها مع تشكيلة مميزة من اللاعبين، فيها ما يكفي من المواهب في كل خطوط الملعب، بدءا بالحارس العملاق ياسين بونو، الرجل صاحب الابتسامة الهادئة والحضور الذي يعطي الاطمئنان في أصعب المواقف، لعشرة من زملائه على أرض الملعب، وعشرات الآلاف في المدرجات، ومرورا بالظهير أشرف حكيمي، ابن مدرسة ريال مدريد الذي صقلته السنوات، ليتحول إلى أحد من أعادوا تعريف ما يمكن للظهير الأيمن تقديمه في كرة القدم مع ناديه الحالي، وبطل أوروبا باريس سان جيرمان.

خط الهجوم حفل بموهوبين يحملون في قصصهم ملامح شغف المغاربة، بمختلف طبقاتهم، بكرة القدم

خط الوسط المغربي حفل أيضا بمواهب تتنوع في مزاياها وقصصها، لتقدم مزيجا يحمل في تنوعه عوامل النجاح الكروي المغربي الأخير. ما بين نايل العيناوي، الشاب طويل القامة الذي خرج من ظل والده أسطورة التنس المغربية، ليصبح نجما وصل ليمثل نادي روما الإيطالي، وعز الدين أوناحي، صاحب الجسد النحيل الذي التقطته عيون كشافي "أكاديمية محمد السادس" ليصنعوا منه أحد أهم لاعبي الوسط في أفريقيا، مظهرين قيمة الاستثمار الذي ضخته الدولة المغربية في قواعد الناشئين. أما إسماعيل الصيباري وبلال الخنوس، فوجدا نفسيهما ممثلين للجيل الثاني من أبناء المهاجرين، الذين وجدوا في كرة القدم جسرا يعيدهم للجذور، وتحقيق حلم الآباء رغم البدايات في ملاعب بلجيكا وهولندا.

رويترز
ياسين بونو، حارس مرمى المغرب، يتصدى لتسديدة شريف ندياي، حارس مرمى السنغال خلال مباراة نهائي السنغال ضد المغرب، استاد الأمير مولاي عبد الله، الرباط، المغرب، 18 يناير 2026.

خط الهجوم حفل بموهوبين يحملون في قصصهم ملامح شغف المغاربة، بمختلف طبقاتهم، بكرة القدم. فمن أزقة حي درب ميلا الشعبي بالدار البيضاء خرج أيوب الكعبي، مضطرا لاستراق لحظات على الملعب بين ساعات العمل بالنجارة لمساعدة أسرته قبل أن يكتشفه الراسينغ البيضاوي، ومن درب السلطان في المدينة ذاتها، حيث اللون الأخضر يسود فوق بقية الألوان، جاء سفيان رحيمي ليحقق حلم أبيه الموظف بنادي الرجاء، ويصبح نجم الفريق الذي اعتنى والده بأمتعة لاعبيه لعقود، أما يوسف النصيري فجاء حضوره ليثبت قيمة الاستمرارية، والاجتهاد الذي حوله من صبي في "أكاديمية محمد السادس" إلى لاعب قفز أعلى من الجميع ذات ليلة في الدوحة، ليسجل للمغرب هدف الفوز أمام البرتغال الذي صعد بفريقه لنصف نهائي كأس العالم.

قائمة المغرب لكأس أفريقيا حملت عناصر النجاح المغربي في السنوات الأخيرة، من استثمار مباشر في مواهب شابة، تمثل بصعودها للاحتراف الكروي أملا لتغيير الواقع الاقتصادي لأسرها، وتواصل مستمر مع الجاليات المهاجرة لاجتذاب اللاعبين الباحثين عن مسيرة دولية، مع منتخب مصنف عالميا يمنحهم تقديرا معنويا قد لا يحصلون عليه مع منتخبات أوروبية ربما يكونون مؤهلين لتمثيلها بحكم المولد والنشأة.

الفريق المغربي الأول، المكتمل على الورق، والذي يعيش الفترة الأفضل في تاريخه، كان المنتج الأفخر في تشكيلة من المنتخبات المغربية التي تفننت في تحقيق الألقاب القارية والدولية

في قيادة كل هؤلاء وغيرهم كان المدرب وليد الركراكي، المدافع الدولي السابق، الذي ذاق مرارة خسارة النهائي الأفريقي مع جيله في تونس عام 2004، والمدرب الشاب الذي نشأ في فرنسا محتفظا بمغربية تكفيه لأن يتحدث باللهجة الدارجة أمام وسائل الإعلام، ولأن يدرك أن الطريق نحو تحقيق المجد في مونديال قطر، يمر عبر اصطحاب والدات اللاعبين إلى معسكر يمكن لوجودهن تحويله لأسرة واحدة، بشكل قد يتخطى ما يمكن لأقوى مختصي علم النفس الرياضي تقديمه. الفريق المغربي الأول، المكتمل على الورق، والذي يعيش الفترة الأفضل في تاريخه، كان المنتج الأفخر في تشكيلة من المنتخبات المغربية التي تفننت في تحقيق الألقاب القارية والدولية، إلى حد وصول منتخب الشباب للتتويج بلقب كأس العالم قبل أشهر قليلة في تشيلي، بينما كان المنتخب الرديف المكون من لاعبين لم يحالفهم الحظ في دخول خيارات الركراكي، يعيد الذكريات في قطر مقتنصا لقب كأس العرب قبل أيام قليلة من انطلاقة البطولة الأفريقية، التي بدت وكأنها ستضطر أخيرا للخضوع للطموح المغربي المدعوم بعشرات الآلاف من المشجعين المحليين.

غير أن البداية في كأس أفريقيا كانت أبطأ مما افترضته الأوراق التحليلية، وما استعجله المشجعون في المدرجات. فالفوز الافتتاحي الصعب على جزر القمر في مباراة بطيئة ثم التعادل مع مالي بعد لقاء متوتر أثارت الشكوك في نفوس المغاربة، حول قدرة هذا الفريق على تحمل مسؤولية الإتيان بما عجزت عنه أجيال سابقة، والإعلام الباحث دائما عن اللاعب الذي لا يشارك، بدأ بالفعل في توجيه سهامه للركراكي المتهم دائما- ومهما توالت الانتصارات- بتحجيم قدرات مجموعته حفاظا على طريقة أكثر تحفظا، وصل بها لنصف نهائي كأس العالم.

لم يكن لعيون المتابعين أن تتجاهل حجم الضغط الذي يقع على الركراكي بينما يضطر للدفاع عن لاعبيه، واختياراته التي لا يمكنها أن ترضي الجميع، وبدت مؤتمراته الصحافية وكأنها مرافعات يقدمها متهم لا تثبت براءته إلا بالفوز بالبطولة، في معادلة كفيلة بأن تصنع من كل تمريرة خاطئة أو تغيير متأخر فرصة سانحة للتشكيك في أهليته للحفاظ على الوظيفة الأصعب بين مدربي البطولة.

أ ف ب
حارس مرمى المنتخب المغربي ياسين بونو (رقم 1) يحتفل ومهاجمه إبراهيم دياز (رقم 10) بفوز منتخبي نيجيريا والمغرب في مباراة نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم على ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط بتاريخ 14 يناير 2026.

الفوز على زامبيا بسهولة في ختام دور المجموعات، منح الجميع هدنة من الهمهمات المحيطة بمستوى الفريق وخيارات المدرب، وقدرته على الوصول للمشهد الأخير، ثم كان على المغاربة أن يتعاملوا مع ضغط المباريات الإقصائية، الذي لم يكن أبدا لعبتهم في كأس أفريقيا. ظل خيبات الماضي الجاثمة كان ثقيلا بما يكفي لتضييق الفارق الشاسع بين المغرب وتنزانيا إلى هدف وحيد، عبر به صاحب الأرض إلى ربع النهائي، لكن وفي المباراة أمام الكاميرون في ربع النهائي، قدم الركراكي ولاعبوه ملامح من فريق يلعب متحررا، ولو قليلا من عبء التوقعات وإلزامية تحقيق البطولة، مستبدلا إياها بثقة مستمدة من الاستماع إلى صيحات "سير" الهادرة من الآلاف المحتشدة في "ملعب الرباط" الكبير.

الحلم وصل لذروته بعد أن وقف المغاربة ندا لند أمام فريق نيجيريا، الذي أبهر الجميع على مدار البطولة صانعا من معظم مبارياته استعراضات من طرف واحد، بكرةٍ لا تأبه كثيرا لحسابات المنافس التكتيكية، قبل أن يتكفل ياسين بونو بحضوره الهادئ وثقة لا يحتاج لتصنعها، بإنهاء ركلات الترجيح لصالح فريقه، مرسلا إياه لنهائي أمام السنغال أراده المغرب نهاية لنصف قرن من الانتظار، وأرادته كرة القدم الأفريقية يوما تظهر فيه في أكثر أطوارها جموحا وعبثية، محولة المباراة النهائية إلى أحد أكثر المشاهد درامية في تاريخ اللعبة، ومضيفة دياز والركراكي ومن معهما، إلى قائمة طويلة من ضحايا المعادلة الصفرية التي يفرضها نجاح المغرب الكروي على مشاركات منتخبه في كأس الأمم الأفريقية، تلك البطولة التي حيرت المغاربة في نصف قرن أمضوا معظمه باحثين عن إغلاق الدائرة مع حلم غير مكتمل كتب لهاجسه أن يبقى مخيما على حقبة تاريخية لبلادهم، مع الكرة التي لن يتوقفوا عن الحلم بأن تبتسم لهم يوما ما، حتى وإن لم يحدث ذلك ليلة الثامن عشر من يناير/كانون الثاني.

font change

مقالات ذات صلة