كرة القدم في الأدب الأفريقي... سرد الهوية ومرآة الواقع

شاهدة على إبداع الشعوب وقدرتها على صنع البهجة

AFP
AFP
طفلان يلعبان كرة القدم في مخيم نارسيا للاجئين في جنوب السودان، 2014

كرة القدم في الأدب الأفريقي... سرد الهوية ومرآة الواقع

مع استمرار بطولة كأس أفريقيا للأمم في المغرب، التي انطلقت في 21 ديسمبر/ كانون الأول الماضي وتستمر إلى 18 من هذا الشهر، يعود النقاش حول كرة القدم الأفريقية إلى ما هو أبعد من حدود المستطيل الأخضر، ليتقاطع مع أسئلة الثقافة والهوية والذاكرة الجماعية على امتداد القارة السمراء. فهذه اللعبة التي توحد الملايين لم تعد مجرد ممارسة رياضية، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية كثيفة الدلالات، وجدت طريقها إلى قلب المتن الأدبي الأفريقي. في الرواية والقصة والمذكرات، لم يعد الملعب مشهدا عابرا، بل تحول إلى بنية رمزية عميقة وأداة سردية تتيح قراءة المصير الأفريقي المعاصر. فالمباراة نص تكتب فصوله في المدرجات وتسطر ملاحمه في الصفحات، حيث تلتقي "الساحرة المستديرة" بسحر الكلمة لتصوغ حكاية قارة تبحث عن مكانها تحت الشمس.

الكرة مرآة للهوية والواقع

دخلت كرة القدم إلى أفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية، لكنها سرعان ما تحولت من رياضة وافدة إلى عنصر بنيوي في الحياة اليومية. استوعبتها المجتمعات المحلية وأعادت تشكيلها وفق إيقاعاتها الثقافية والاجتماعية، حتى غدت "لغة شعبية مشتركة" تتجاوز الانقسامات الإثنية واللغوية. هذا التحول التقطه الأدب الأفريقي مبكرا، حين بدأ الكتاب في توظيف اللعبة كمرآة للواقع، وأداة لكشف الفوارق الطبقية، ومتنفسا رمزيا في مواجهة الإقصاء. فالملعب في هذه النصوص لا يقل أهمية عن القرية أو المدينة أو المنفى، بل هو مسرح مكثف للصراعات التاريخية التي خاضتها القارة ضد الفقر والتهميش وأوهام الخلاص الفردي.

تعد رواية "بطن الأطلسي" للكاتبة السنغالية فاطو ديوم العتبة الأهم في تشريح "ميتافيزيقا الكرة" بوصفها حلم الهجرة المؤجل. تروي ديوم قصة الشاب ماديكي في جزيرة نيودور، الذي يرى في احتراف الكرة في أوروبا "تأشيرة خروج" من واقع البؤس. الكرة هنا ليست رياضة، بل "أسطورة حديثة" تعد بالخلاص، وجسر رمزي بين ضفتي الأطلسي. تكشف ديوم الوجه المظلم لهذا الحلم، حيث تتحول كرة القدم إلى فخ اجتماعي يغذي الأوهام ويعمق الفجوة بين الشمال والجنوب، فالفوز في الملعب الأوروبي يصبح معادلا لاستعادة الكرامة المسلوبة، لكنه غالبا ما ينتهي بالانكسار والاغتراب.

تتحول كرة القدم إلى فخ اجتماعي يغذي الأوهام ويعمق الفجوة بين الشمال والجنوب، فالفوز في الملعب الأوروبي يصبح معادلا لاستعادة الكرامة المسلوبة

في روايته "غراسيلاند"، يقدم كريس أباني صورة لمدينة لاغوس تتقاطع فيها الكرة مع الفقر والعنف. البطل الشاب يلعب في الأزقة المكتظة، لا طمعا في النجومية فحسب، بل كوسيلة للهروب المؤقت من واقع قاس. هنا تصبح الكرة "فعل مقاومة يوميا"، وجزءا من ثقافة البقاء في المدينة الأفريقية المعاصرة، التي تعيد إنتاج الفرح من قلب العوز.

غلاف رواية "بطن الأطلسي"

أما في الرواية النيجيرية "طريق الجوع" لبن أوكري، فلا تشغل كرة القدم مركز السرد، لكنها تحضر ضمن المشاهد الجماعية بوصفها نشاطا شعبيا يعكس الفوضى الاجتماعية والهشاشة الوجودية. فاللعب، مثل الحياة في النص، محكوم بالمصادفة، وبغياب العدالة، وبالاندفاع الجماعي الذي لا يقود في الضرورة إلى خلاص، لتصبح الكرة استعارة للحياة والموت، وللعلاقات الإنسانية المعقدة في بيئة غير مستقرة.

في الأدب الإيفواري، تبرز رواية "الله ليس مجبرا" لأحمدو كوروما، حيث تصبح كرة القدم الملاذ الوحيد للأطفال الجنود، الذين يركضون خلف كرة مصنوعة من الخرق والنفايات وسط أزيز الرصاص. تمثل اللعبة البراءة المهددة، والذاكرة التي يحاول العنف محوها، فالمباراة تصبح استعارة للمقاومة الإنسانية في أقسى ظروف النزاع.

كرة القدم والمقاومة الاجتماعية والسياسية

تمتد الدلالات السياسية للكرة لتشمل بناء "الأمة المتخيلة". في جنوب أفريقيا، خلال حقبة "الأبارتهايد"، كانت اللعبة فضاء للمقاومة الصامتة. السجناء السياسيون في سجن "روبن آيلاند" أسسوا اتحادا لكرة القدم (اتحاد ماكانا) للحفاظ على كبريائهم الإنساني وتنظيم صفوفهم، وهو ما التقطته نصوص سيرية عديدة صورت الملعب كـ"منطقة محررة" من الفصل العنصري.

غلاف رواية "غراسيلاند"

وفي كينيا، يصف نغوغي وا ثيونغو كيف كانت الملاعب ساحات لتجريب الوحدة الوطنية أمام فشل المؤسسات السياسية، فالفوز على فريق المستعمر كان رمزا لمقاومة الهيمنة، والمنتخب الوطني أصبح "العقد الاجتماعي" الوحيد الذي يوحد الشعوب رغم الانقسامات العرقية. أما في الأدب الكاميروني، فتحضر ملحمة "الأسود غير المروضة" في نصوص باتريس نغانانغ بوصفها قصة صعود أمة، حيث تصبح المباريات أحداثا سردية تتقاطع فيها السياسة والإعلام والجماهير لتشكيل لحظة إجماع نادرة، فيصبح المنتخب رمزا للسيادة والكرامة بعد الاستقلال.

كانت الملاعب ساحات لتجريب الوحدة الوطنية أمام فشل المؤسسات السياسية، فالفوز على فريق المستعمر كان رمزا لمقاومة الهيمنة، والمنتخب الوطني أصبح "العقد الاجتماعي" الوحيد الذي يوحد الشعوب

من جهة أخرى، لا تشغل كرة القدم مركز السرد في رواية "طريق الجوع" للكاتب النيجيري بن أوكري، لكنها تحضر ضمن المشاهد الجماعية بوصفها نشاطا شعبيا يعكس الفوضى الاجتماعية والهشاشة الوجودية التي تطبع عالم الرواية. فاللعب، مثل الحياة في النص، محكوم بالمصادفة، وبغياب العدالة، وبالاندفاع الجماعي الذي لا يقود في الضرورة إلى خلاص. هنا، تتقاطع اللعبة مع الرؤية الرمزية للرواية، حيث يصبح الجسد المتحرك في الملعب صورة للإنسان المحاصر بقوى أكبر منه.

أما في مذكراته "يوما ما سأكتب عن هذا المكان"، فيوظف الكيني بينيانغا وايناينا كرة القدم بطريقة أكثر مباشرة وسخرية. إذ يبتكر مشهدا تخييليا لمباراة تجمع فرقا تمثل قرونا تاريخية مختلفة، في لعبة بلا قواعد واضحة سوى الرغبة في اللعب. هذا المشهد لا يكتفي بالتلاعب بالزمن، بل يطرح سؤالا جوهريا حول الهوية الأفريقية الحديثة: هل يمكن لعبة واحدة أن تكون مساحة توافق رمزي في قارة مثقلة بالتاريخ والانقسامات؟ في هذا السياق، تصبح كرة القدم استعارة لهوية محتملة، غير مكتملة لكنها قابلة للتشارك.

غلاف "طريق الجوع"

تتجلى كرة القدم أيضا في الأدب الأفريقي المعاصر بوصفها إطارا سرديا للعلاقات الإنسانية. ففي القصة القصيرة "أطفال الله، أشياء صغيرة مكسورة" للكاتب النيجيري أرينزه إيفيكاندو، تفتتح الحكاية بمباراة كرة قدم، لكنها سرعان ما تتحول إلى مساحة لاستكشاف الحب والذاكرة والجندر. حضور قميص نادي "أرسنال" ليس تفصيلا عرضيا، بل علامة على تشابك المحلي بالعالمي، وعلى كيفية تسلل الثقافة الكروية العالمية إلى التجربة الشخصية، بحيث تصبح اللعبة خلفية عاطفية لا تقل تأثيرا عن المكان أو اللغة.

تساهم اللعبة أيضا في كشف الفوارق الاجتماعية والطبقية، وهو ما يظهر في روايات مثل "ابنة جاغوا نانا" لسيبريان إكوينسي، حيث تعكس المباريات الجماعية هشاشة المدن والفوضى اليومية، فتتحول الكرة إلى وسيط لفهم العلاقات الاجتماعية والسياسية، وفعل ثقافي قادر على توظيف الترفيه الجماعي في تحليل الواقع.

تتحول المباراة أحيانا إلى منصة للتفكير في الديمقراطية والعدالة والتكافؤ الاجتماعي، وتعكس حضور الفرد ضمن الجماعة وصراعه مع القوى الأكبر منه

ولا يغيب حضور النساء عن هذا الفضاء السردي. ففي رواية "ظروف عصبية" لتسيتي دانغاريبما، يظهرن كمشجعات ومنسقات، حافظات لذاكرة الحي، وأحيانا كمحرك رئيس لطموح اللاعبين. الملعب الأفريقي هنا ليس عالما ذكوريا خالصا، بل فضاء اجتماعي مركب تتقاطع فيه أدوار الجنسين في صناعة الحلم والفرح.

AFP
أطفال يلعبون كرة القدم في شوارع حي كينسوكا في كينشاسا، 2014

بين الواقع والخيال: أداة سردية متعددة المستويات

تتحول كرة القدم في الأدب الأفريقي المعاصر إلى "استعارة كبرى" للحياة والموت، وللعلاقة المعقدة مع العولمة. في نصوص أرينزه إيفيكاندو، يرتبط قميص ناد أوروبي عالمي بالحياة اليومية للشخصيات، مؤكدا قدرة اللعبة على ربط المحلي بالعالمي. الركض والاصطدام والهتاف، وحتى الصمت الذي يسبق الهدف، كلها تتحول إلى صور شعرية تعبر عن أقصى حالات التوتر الإنساني، فتقترب الكتابة عن كرة القدم من الشعر، حيث اللحظة العابرة تصبح مرآة للوجود ذاته.

من الناحية النفسية والاجتماعية، توفر الكرة متنفسا للتوترات اليومية، وتتيح التعبير عن الانفعالات الجماعية من الفرح والغضب إلى الأمل واليأس. في أعمال ج. م. كوتزي، تتحول المباراة أحيانا إلى منصة للتفكير في الديمقراطية والعدالة والتكافؤ الاجتماعي، وتعكس حضور الفرد ضمن الجماعة وصراعه مع القوى الأكبر منه. فالكرة هنا أداة لاستعادة الكرامة الإنسانية، وتحويل العنف الاجتماعي إلى طاقة سردية، فالأدب الإفريقي أعاد الى اللعبة معنى ثقافيا وسياسيا وجماليا.

كما يمتزج البعد الروحي مع الجمالي في أعمال مثل "ذيل الأزرق الداكن" لني أيكوي باركس، حيث تصنع الكرة من أكياس بلاستيكية رمزا للفقر والابتكار، ويتدخل السحر التقليدي (جوجو) في تحديد مسار المباراة، ليصبح الملعب طقسا جماعيا يمزج بين المادي والغيبي، وبين الحياة اليومية والموروث الثقافي.

صارت كرة القدم جزءا لا يتجزأ من كتابة التاريخ الأفريقي المعاصر، لأنها تجربة حياتية وثقافية متكاملة، شاهدة على مقاومة الشعوب وإبداعها

من الناحية الجمالية، تسمح كرة القدم للكتابة الأفريقية بتكثيف اللغة واستثمار الجسد والحركة والصوت. فالركض، والاصطدام، والهتاف، والصمت الذي يسبق الهدف، كلها تتحول في النص إلى صور شعرية قادرة على التعبير عن أقصى حالات التوتر الإنساني. في هذا المستوى، تقترب الكتابة عن كرة القدم من الشعر، حيث تصبح اللحظة العابرة مرآة للوجود نفسه.

غلاف رواية "الله ليس مجبرا"

إن تداخل كرة القدم مع الأدب الأفريقي يعكس قدرة اللعبة على إدماج عناصر عالمية داخل سياق محلي، وعلى إعادة إنتاجها وفق حساسية ثقافية خاصة. فالاهتمام الأفريقي بالبطولات الأوروبية، وحضور الأندية العالمية في المخيال الشعبي، لا يلغي الخصوصية المحلية، بل يعيد تشكيلها داخل سرديات جديدة تجمع بين المحلي والعالمي. هذا التفاعل يبرز كرة القدم كأحد أبرز مظاهر العولمة الثقافية، وكحقل خصب لإعادة كتابة الهوية.

من ملاعب الطين في القرى إلى الأزقة الحضرية المكتظة في لاغوس وكينشاسا، وصولا إلى الملاعب الأوروبية المتخيلة، ترسم كرة القدم مسارا سرديا يعكس تاريخ أفريقيا الحديث بكل تناقضاته. إنها نص مفتوح يكتب بالأقدام كما يكتب بالكلمات، ويحول الظواهر الشعبية إلى أدوات تفكير نقدي وجمالي. لقد نجحت الرواية الأفريقية في انتشال "المباراة" من عارضها الرياضي لتجعل منها "حدثا وجوديا" يلخص رحلة القارة من الهامش إلى قلب العالم.

خاتمة القول، إن الأدب الأفريقي، عبر تعامله مع كرة القدم، يكشف قدرة الثقافة على تحويل اللعب إلى فعل تفكير، حيث لم تعد الكرة مجرد هدف يسجل في شباك، بل "استعارة كبرى" لمسار الإنسان الأفريقي في عالم غير متكافئ. لهذا نفهم اليوم جيدا كيف أصبح الملعب فضاء للسرد، من خلال أعمال ديوم، وكوروما، وأباني، وغيرهم، وكيف صارت كرة القدم جزءا لا يتجزأ من كتابة التاريخ الأفريقي المعاصر، لأنها تجربة حياتية وثقافية متكاملة، شاهدة على مقاومة الشعوب وإبداعها، وقدرتها على صناعة الهوية والبهجة حتى في أقسى الظروف وأكثرها قسوة.  

font change

مقالات ذات صلة