مع استمرار بطولة كأس أفريقيا للأمم في المغرب، التي انطلقت في 21 ديسمبر/ كانون الأول الماضي وتستمر إلى 18 من هذا الشهر، يعود النقاش حول كرة القدم الأفريقية إلى ما هو أبعد من حدود المستطيل الأخضر، ليتقاطع مع أسئلة الثقافة والهوية والذاكرة الجماعية على امتداد القارة السمراء. فهذه اللعبة التي توحد الملايين لم تعد مجرد ممارسة رياضية، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية كثيفة الدلالات، وجدت طريقها إلى قلب المتن الأدبي الأفريقي. في الرواية والقصة والمذكرات، لم يعد الملعب مشهدا عابرا، بل تحول إلى بنية رمزية عميقة وأداة سردية تتيح قراءة المصير الأفريقي المعاصر. فالمباراة نص تكتب فصوله في المدرجات وتسطر ملاحمه في الصفحات، حيث تلتقي "الساحرة المستديرة" بسحر الكلمة لتصوغ حكاية قارة تبحث عن مكانها تحت الشمس.
الكرة مرآة للهوية والواقع
دخلت كرة القدم إلى أفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية، لكنها سرعان ما تحولت من رياضة وافدة إلى عنصر بنيوي في الحياة اليومية. استوعبتها المجتمعات المحلية وأعادت تشكيلها وفق إيقاعاتها الثقافية والاجتماعية، حتى غدت "لغة شعبية مشتركة" تتجاوز الانقسامات الإثنية واللغوية. هذا التحول التقطه الأدب الأفريقي مبكرا، حين بدأ الكتاب في توظيف اللعبة كمرآة للواقع، وأداة لكشف الفوارق الطبقية، ومتنفسا رمزيا في مواجهة الإقصاء. فالملعب في هذه النصوص لا يقل أهمية عن القرية أو المدينة أو المنفى، بل هو مسرح مكثف للصراعات التاريخية التي خاضتها القارة ضد الفقر والتهميش وأوهام الخلاص الفردي.
تعد رواية "بطن الأطلسي" للكاتبة السنغالية فاطو ديوم العتبة الأهم في تشريح "ميتافيزيقا الكرة" بوصفها حلم الهجرة المؤجل. تروي ديوم قصة الشاب ماديكي في جزيرة نيودور، الذي يرى في احتراف الكرة في أوروبا "تأشيرة خروج" من واقع البؤس. الكرة هنا ليست رياضة، بل "أسطورة حديثة" تعد بالخلاص، وجسر رمزي بين ضفتي الأطلسي. تكشف ديوم الوجه المظلم لهذا الحلم، حيث تتحول كرة القدم إلى فخ اجتماعي يغذي الأوهام ويعمق الفجوة بين الشمال والجنوب، فالفوز في الملعب الأوروبي يصبح معادلا لاستعادة الكرامة المسلوبة، لكنه غالبا ما ينتهي بالانكسار والاغتراب.




