تفوق الرئيس دونالد ترمب خلال استقباله الرئيس جوزيف عون على مبعوثه توم باراك في الظهور على معرفة بتفاصيل منطقة المشرق العربي، أو بزعمائها الذين التقى ثلاثا منهم خلال أسبوع تقريبا، الرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة، ثم رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في البيت الأبيض، والثلاثاء الرئيس اللبناني في البيت الأبيض أيضا، حتى إنه بدأ يكوّن فكرة عن ملامح أهل المنطقة، فيقارن بين وجوه العراقيين واللبنانيين والسوريين، وفي حال لم يكن يتبع نظاما غذائيا صارما ربما سيتذوق الدولما العراقية، أو الكبة اللبنانية، أو الكباب الحلبي، أو المنسف الأردني. وربما يصل به التخصص بأهل المنطقة، إلى التمييز بين المنسف الكركي جنوب الأردن وبين منسف سهل حوران بين الجنوب السوري وشمال الأردن. غير أن ترمب مهما بلغ اهتمامه ومعرفته في المنطقة فهو لن يتفوق على إلمام مبعوثه اللبناني الأصل في التاريخ وعلم الاجتماع السياسي، عندما تحدث عن انهيار سايكس-بيكو، وعن انضمام طرابلس إلى سوريا، ومن حينها ثمة رصد دائم لمطابقة هذا التصريح مع الوقائع الميدانية وما إذا كانت واشنطن تطمح حقا إلى تغيير الخرائط في المنطقة، أم إن الأمر مجرد مزاج للمبعوث المخلص لرئيسه. تماما كما هي الحال مع التصريحات الكابوسية لترمب عن تدخل سوريا في لبنان، لكن يبدو أنه تراجع عنها حتى الآن.
في مطلق الأحوال فإن اللقاء بين الرئيسين الأميركي واللبناني قد فاق التوقعات لمجرد حصوله، حتى إنه تفوق على لقاء ترمب بالشرع لهذه الناحية إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم سوريا وإمكاناتها للمستقبل والتغيير الذي حصل فيها بمجرد سقوط نظامها السابق، والذي كان بمثابة انقلاب جيوسياسي في المنطقة عنوانه خروج دمشق من تحت المظلة الإيرانية، ولعل هذا هو المشترك الأساسي بين اللقاءين بالنسبة لواشنطن، أي إن استقبال الشرع ثم استقبال عون هو إعلان أميركي بأن كلا البلدين دخلا تحت المظلة الأميركية، بعد عقود طويلة جدا. ولذلك فإن هاتين الزيارتين هما في المقابل إعلان بفشل الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة والتي كان عنوانها إخراج الولايات المتحدة منها، ولكن هذا العنوان لم يكن يستبعد استعداد طهران للتقاطع مع واشنطن حول الملفات الإقليمية لا بل سعيها إلى هذا التقاطع، غير أن المواجهة المفتوحة بين الجانبين وكأنها تجاوزت هذه المرحلة، أو أنها حصلت لتجاوزها، أي انتقال الاستراتيجية الأميركية من احتواء النفوذ الإيراني إلى محاصرته وتطويعه.


