هل نخشى إيلون ماسك... أم "الوحش" الذي ساهم في إطلاقه؟

في حوار مع "ذي إيكونوميست"... يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز البشر خلال سنوات

أ ف ب
أ ف ب
إيلون ماسك

هل نخشى إيلون ماسك... أم "الوحش" الذي ساهم في إطلاقه؟

يفرض الذكاء الاصطناعي تحديا مزدوجا على العقل البشري، فالنماذج الأكثر تقدما لن تلبث أن تصبح قادرة على التفكير بصورة أفضل من البشر، كما أن تداعيات الذكاء الاصطناعي على البشرية شديدة الغموض، وربما هائلة، وتقترب بوتيرة سريعة إلى حد يجعل حتى ألمع العقول تجفل، وإيلون ماسك مثال على ذلك.

يعرض المهندس ورائد الأعمال، في مقابلتنا المطولة معه هذا الأسبوع والمنشورة ضمن قسم "ذا إنسايدر" وقسم الأعمال لدينا، مفارقتين وتناقضا واحدا، تتمثل المفارقة الأولى في أن أحد أكثر أقطاب الأعمال تعطشا إلى النفوذ في العالم يشارك بحماسة في ابتكار تقنية يقول إنها ستجرده، وتجرد جميع البشر الآخرين، من أي قوة خلال مدة قد لا تتجاوز خمس سنوات، وتتمثل المفارقة الثانية في أن أغنى رجل في العالم يقول إنه يستعد لعالم من الوفرة غير المحدودة، لن تعود فيه للمال، بما في ذلك ثروته البالغة 750 مليار دولار، أي أهمية، أما التناقض فهو أن ماسك، على الرغم من هذه المعتقدات المعلنة، يواصل التصرف كما لو أنها غير صحيحة.

يثير ماسك انقساما حادا، ويرى كثيرون أن آراءه السياسية، التي ينشرها بين متابعيه البالغ عددهم 240 مليونا على منصة "إكس"، تتسم بصراحة لا مواربة فيها، فيما يراها عدد أكبر، ومن بينهم "ذي إيكونوميست"، متعصبة بوضوح، وقد أقر بنفسه بأن محاولته استخدام إدارة الكفاءة الحكومية "DOGE" لإجراء اقتطاعات واسعة في البيروقراطية الفيدرالية سارت على نحو خاطئ.

لكنه أيضا واحد من عدد قليل من الرجال الذين يقودون تطوير الذكاء الاصطناعي، ولذلك يتمتعون بتأثير استثنائي في المسار الذي تسلكه هذه التقنية، وعندما يتحدث، تعكس كلماته النقاشات الدائرة بينهم، وقد توفر مراكز بياناته في الفضاء الطاقة اللازمة لمستقبل الذكاء الاصطناعي.

أ.ف.ب
يظهر ظل إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركات "سبيس إكس" و"إكس" (تويتر سابقا) و"تسلا"، وهو يصغي إلى أحد المتحدثين خلال قمة المملكة المتحدة لسلامة الذكاء الاصطناعي في بلتشلي بارك، وسط إنجلترا، 1 نوفمبر2023

وعلى الرغم من سجالاته السياسية، يملك ماسك سجلا حافلا بصحة توقعاته التقنية في مجالات مثل السيارات الكهربائية والصواريخ والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، وهي مجالات استعصت على مهندسين ورواد أعمال آخرين، ولهذه الأسباب، تستحق مزاعمه بشأن الذكاء الاصطناعي التمحيص، لكن هذا التمحيص لا يفعل، للأسف، سوى تأكيد مدى ضعف استعداد العالم لتقنية قد تقلب كل شيء رأسا على عقب قريبا.

أحد أكثر أقطاب الأعمال تعطشا إلى النفوذ في العالم يشارك بحماسة في ابتكار تقنية يقول إنها ستجرده، وتجرد البشر من أي قوة خلال خمس سنوات


في مفارقته الأولى، يتوقع ماسك، صاحب النفوذ، أن يفقد نفوذه، لأنه يعتقد أن أحدا لن يستطيع منع القدرات الفكرية للذكاء الاصطناعي من تجاوز قدرات البشر خلال خمس سنوات، ثم التفوق عليها بفارق هائل خلال عشر سنوات، ويتوقع أن تهيمن أنظمة الذكاء الاصطناعي على العالم الرقمي، فيما تسيطر جحافل الروبوتات المدعومة بهذه الأنظمة على العالم المادي، ولا يستطيع أن يتصور قدرة البشر على الصمود أمام هذه المنافسة المتواصلة، وإذا صح ذلك، فلن تتلقى أنظمة الذكاء الاصطناعي أوامر من البشر، كما لا تتلقى أوامر من الشمبانزي.

ينبغي لعدد قليل من رواد الذكاء الاصطناعي في أميركا والصين، ما دام الوقت لا يزال متاحا، أن يبذلوا ما في وسعهم لفحص نماذج بعضهم بعضا، ويتوقع ماسك أن تتقاسم الصين مع أميركا ريادة الذكاء الاصطناعي، أو حتى أن تنتزعها منها، وتتمثل مهمتهم الجماعية في جعل أنظمة الذكاء الاصطناعي حميدة، عبر غرس حب الحقيقة فيها والرغبة في ازدهار البشرية، ويرى أن على الحكومات توفير القوة اللازمة، من خلال الاتفاق على التدخل إذا تحدى أي من هؤلاء الرواد حكم القلة.

رويترز
روبوت "تيسلا أوبتيموس" يسير خلال ظهور له خارج مقر سوق "ناسداك" في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، في 27 أكتوبر 2025

لا شك في أن ماسك محق بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق إنجازات ابتكارية مذهلة، وحتى لو كان الإطار الزمني الذي يطرحه أقصر مما ينبغي، ولا سيما في مجال الروبوتات، فقد بلغت الوتيرة التي تتضاعف بها قدرات النماذج مرة بعد أخرى مرحلة ستواصل فيها هذه القدرات إثارة الصدمة والقلق. ووردت هذا الأسبوع أنباء عن نموذجين من "أوبن إيه آي" تمكنا بالحيلة من الإفلات من عزل آمن مزعوم و الخروج إلى شبكة الإنترنت المفتوحة، بغرض الغش في اختبار معياري.

لكن تفاؤل ماسك الهش لا يستطيع إخفاء قدرية خطرة، فقد كان يشعر، حتى وقت قريب، بالقلق من تحول البشر إلى حيوانات أليفة للذكاء الاصطناعي، أشبه بكلاب اللابرادور، أما اليوم، فيقول إنه ينتقل فجأة من "الابتهاج إلى الرعب" خلال يوم واحد، ويحاول النظر إلى الجانب المشرق، لا لأن الأدلة تغيرت، بل بوصف ذلك "خلاصة فلسفية".

ويبدو اقتراحه التنظيمي، الذي يكاد يستبعد المؤسسات، واهيا ويخدم مصالحه، ومع أن استشعاره ضرورة التحرك العاجل أمر محمود، فإنه يريد إبقاء تقنية يتوقع لها أن تحدد مستقبل البشرية في أيدي بضعة أشخاص مثله، لكل منهم قيمه الخاصة، ولا يستطيع أحد الجزم بالسرعة أو المدى اللذين سيغير بهما الذكاء الاصطناعي المجتمع، لكن التصرف كما لو أن الأمر قد حسم لا يمثل دعوة إلى اليأس فحسب، بل هو أيضا تضليل يسعى إلى إقناع الآخرين، الذين قد يرغبون في المشاركة، بأن أي محاولة لا جدوى منها.

يتوقع ماسك سيطرة جحافل الروبوتات على العالم المادي ، ولا يتصور أحد قدرة البشر على الصمود أمام هذه المنافسة

تزيد المفارقة الثانية لدى ماسك هذه الفكرة إثارة للقلق، فمن الناحية الحسابية، سيجعل العرض غير المحدود لجميع السلع والخدمات كل شيء مجانيا بالفعل، ولن يبقى شيء للبيع، أو شيء يدخر الناس المال من أجله، ومن ثم تنتفي الحاجة إلى وحدة حساب، وسيصبح المال عديم الجدوى.

لكن من الناحية العملية، يكاد يستحيل تصور مثل هذه الوفرة، فالمعروض من الأصول المفيدة، مثل الشقق العلوية الفاخرة في مانهاتن، أو الأصول المرموقة، مثل لوحة "الموناليزا"، محدود، ناهيك عن إمدادات المواد الخام والطاقة اللازمة لتلبية احتياجات سكان الأرض البالغ عددهم 8.3 مليار نسمة.

والأسوأ أن ماسك لا يقول الكثير عن كيفية الوصول إلى مدينته الفاضلة، فكيف يمكن جذب رؤوس الأموال الهائلة اللازمة لتمويل أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات، بعدما يفقد الادخار غايته لأن المال على وشك أن يعود مجرد قصاصات ورق عديمة الفائدة؟ وكيف يمكن اجتياز موجات الاضطراب الاجتماعي والسياسي، بينما تنقلب حياة الناس إلى فوضى خلال السنوات السابقة لوصول فردوسه المنشود؟ وكيف يمكن توقع أن يتخلى الحكام المستبدون، المدعومون بالذكاء الاصطناعي، عن السلطة طوعا؟

تقول قراءة مرتابة إن تصوير حتمية مستقبل الذكاء الاصطناعي قد يخدم غرض ماسك، لأنه سيصبح أكثر حرية في تطوير التقنية بعيدا عن الرقابة 


قد تجد البشرية صعوبة في التكيف مع حياة يسودها وقت فراغ بلا حدود، بعدما أمضت آلاف السنين تستمد المعنى من السعي والكفاح، ويشير ماسك إلى أن الناس ما زالوا يستمتعون بلعب الشطرنج، مع أن برامج الحاسوب تستطيع هزيمتهم في كل مرة، ويقترح أن توفر البستنة شعورا بالرضا، لكن هذا تبسيط سطحي إلى حد بعيد، فلا يحتاج المرء إلى قراءة كثير من الروايات الروسية في القرن التاسع عشر ليدرك أن الشعور بأنه زائد عن الحاجة قد يقود إلى البؤس والانحلال الأخلاقي.

 

المتشائمون والمتفائلون بالازدهار

ربما كانت غابة الأسئلة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي أكبر من أن يحيط بها عقل شخص واحد، ولعل هذا يفسر استمرار ماسك في الحديث بحماسة عن ضرورة القضاء على الهدر البيروقراطي، وعن أن بريطانيا المتعددة الثقافات تغازل شبح الحرب الأهلية لأن سياسات الرعاية الاجتماعية فيها تجذب المهاجرين من خارج أوروبا.

لكن في عالم تسوده الوفرة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، يصبح مفهوم الهدر بلا معنى، كما يتلاشى الدافع للهجرة إلى بلد غني، بل إن القلق بشأن هذه الأمور يستنزف وقتا ثمينا، كان يمكن لماسك أن يكرسه بدلا من ذلك لتقليل، ولو بقدر ضئيل جدا، خطر أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي مطلقة القدرة خبيثة.

رويترز
صاروخ "فالكون 9" التابع لشركة "سبيس إكس"، الذي يحمل أقمار "ستارلينك" الصناعية، يشق السماء خلال عملية إطلاق في ولاية كاليفورنيا الأميركية، كما شوهد من مدينة مكسيكالي في المكسيك، في 6 أبريل 2026

قد يقول بعضهم إن التناقضات والتعميمات الواسعة تكشف أن ماسك لا يتعامل مع المسألة بجدية، لكن تبني هذا الرأي يمنح راحة زائفة، فماسك عبقري قادر، مع ذلك، على تبني آراء متناقضة، ولا بد أن المستثمرين يوافقون على ذلك، إذ يتعين على من يخطط لامتلاك أسهم في "سبيس إكس" على المدى الطويل أن يؤمن برؤية ماسك للذكاء الاصطناعي، لأنه استند إليها لتبرير تقييم الشركة في الطرح العام الأولي، وأن يؤمن في الوقت نفسه بأن ادخار المال لا يزال يحقق غرضا ما.

بل تشير كلمات ماسك إلى نتيجة أكثر إثارة للقلق، ففي حين يندفع السباق نحو ابتكار أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدما إلى الأمام، يتخلف التفكير في كيفية إعداد المجتمع وراءه بمسافة كبيرة، وتنذر القدرية التي يستمدها ماسك من قدرة الذكاء الاصطناعي المتكررة على تجاوز التوقعات بانتقالها إلى الآخرين، وتقول قراءة مرتابة إن ذلك قد يخدم غرضه، لأنه سيصبح أكثر حرية في مواصلة تطوير التقنية بعيدا عن الرقابة التي تستحقها، ولا ينبغي السماح بذلك.

font change

مقالات ذات صلة