"متحف الموت" على بعد خطوات من ممشى المشاهير في هوليوود

من نجوم الفن إلى أرباب الجريمة

 Mark RALSTON / AFP
Mark RALSTON / AFP
مشهد من داخل "متحف الموت" في هوليوود

"متحف الموت" على بعد خطوات من ممشى المشاهير في هوليوود

شجعنا سقراط على عدم الخوف من الموت حين وصفه بأنه نوم بلا أحلام وعبور إلى مكان آخر قد يمنحنا فرصة اللقاء مع أصحاب العقول العظيمة من الماضي ومحاورتهم. إلا أن أبيقور كان له رأي مختلف كما توضح شذرته الشهيرة: "إن الموت لا يعنينا، وما دمنا موجودين فإن الموت غير موجود، وحين يأتي يكون الفناء قد طالنا“.

جاء لاحقا الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر وقدم رؤية مغايرة لعلها الأقرب إلى روح المكان الذي سنتحدث عنه، حين قال إن وعي الإنسان بحتمية موته هو ما يمنح الوجود الإنساني معناه وفرادته. وحين يتحول الموت إلى مواد بصرية فنية تعرض في غرف متحف، فإن هذا يساعد المرء على التفكير بالموت كجزء جوهري لا ينفصل عن الحياة، ويدفعه إلى اكتشاف غنى حياته ومعنى وأهمية وجوده كصرخة ضد العدم.

يمنع التصوير

غير بعيد عن "ممشى المشاهير"، في هوليوود حيث يتوقف السياح للنظر إلى النجوم التي كتبت عليها أسماء المشاهير من الممثلين والمخرجين والموسيقيين والمذيعين، ثمة معلم آخر يدعوك إلى رؤية وتأمل شيء مختلف تماما. ففي جادة سيلما 6363، يتوضع "متحف الموت" في مبنى يتألف من طابق واحد تغطي واجهته النباتات المتسلقة، كان في السابق استوديو لتسجيل الموسيقى. يبدو المبنى من الخارج بسيطا وذا طابع صناعي، ولا يوحي للمارة بأنه متحف يتسم بالغرابة. ولأنه كان في السابق استوديو للتسجيل، فقد احتفظ بجدرانه العازلة للصوت، مما أشاع في داخله سكونا غير متوقع، يتناقض على نحو صارخ مع الطابع الصادم لكثير من الأشياء التي يعرضها. كما أن التصوير ممنوع في المتحف، والهواتف المحمولة يجب أن تبقى في الجيب لأن القائمين عليه يريدون أن يعيش الزوار تجربة حية من دون وسيط.

يتنقل الزائر بين غرف تغص بخزائن العرض والصور والوثائق، فتبدو التجربة أقرب إلى دخول أرشيف ضخم منها إلى متحف بالمعنى المألوف. تبدأ الجولة بغرفة أرشيف القتلة المتسلسلين، التي تضم ملفات لعدد من أشهر المجرمين، من بينهم آكل لحوم البشر الفرنسي نيكولا كلو، الذي أدين في تسعينات القرن العشرين بقتل رجل في فرنسا، وأثارت قضيته اهتماما إعلاميا واسعا بسبب ادعاءاته المتعلقة بأكل لحوم البشر.

تبدأ الجولة بغرفة أرشيف القتلة المتسلسلين التي تضم ملفات لعدد من أشهر المجرمين

وتحتوي الغرفة أيضا على ملف جون واين غايسي، المغتصب والقاتل المتسلسل الأميركي، الذي اشتهر بارتكاب سلسلة من جرائم القتل راح ضحيتها ما لا يقل عن 33 شابا ومراهقا بين عامي 1972 و1978 في ولاية إلينوي. ألقي القبض عليه عام 1978، وأدين بالقتل، ثم أعدم بالحقنة المميتة عام 1994. وتعد قضيته من أشهر قضايا القتل المتسلسل في تاريخ الولايات المتحدة.

EUGENE GARCIA / AFP
متظاهرون يؤيدون تنفيذ حكم الإعدام في حق القاتل المتسلسل جون واين غايسي في شيكاغو

اللحية الزرقاء

في الغرفة أيضا رسائل كتبها قتلة متسلسلون، ولوحات رسموها داخل السجون، ومقتنيات شخصية، وصور لهم أصبحت مع مرور الزمن جزءا من الثقافة الشعبية الأميركية، وفيها الرأس المحنط للقاتل الفرنسي المتسلسل هنري ديزيريه لاندرو (1869-1922) الذي أعدم بالمقصلة واشتهر بلقب "اللحية الزرقاء" لأنه شبه بشخصية أسطورية في حكاية فرنسية شهيرة نشرت سنة 1697 بعنوان "اللحية الزرقاء" للكاتب شارل بيرو. تدور القصة حول أريستوقراطي ثري له لحية زرقاء مخيفة يتزوج شابة، ويمنحها مفاتيح غرف قصره كلها، ولكنه يحذرها من فتح غرفة واحدة صغيرة. وحين تفتح الزوجة الغرفة بدافع الفضول، تكتشف جثث زوجاته. استدرج لاندرو أثناء الحرب العالمية الأولى عددا من الأرامل والنساء الوحيدات من طريق إعلانات الزواج، ثم استولى على أموالهن وقتلهن، ويعتقد أن عدد ضحاياه بلغ إحدى عشرة امرأة بالإضافة إلى ابن إحداهن.

 by AFP
القاتل الفرنسي هنري ديزيريه لاندرو خلال محاكمته عام 1921

في الغرفة المخصصة لتاريخ الجنازات والعناية بالموتى يتعرف الزائر الى تطور ممارسات الدفن والتحنيط. وتضم هذه الغرفة أدوات قديمة لتحنيط الجثث استخدمها متعهدو الدفن والأطباء الشرعيون، وأكياسا لحفظ الجثامين والتوابيت، ومقتنيات تعود إلى العصر الفيكتوري استخدمت في طقوس الحداد، وعربات نقل موتى قديمة وتذكارات جنائزية متنوعة وجماجم وهياكل عظمية بشرية. ومن أشهر غرف المتحف الغرفة التي تتناول الجرائم وعلم الأدلة الجنائية وتعرض صورا أصلية التقطت في مواقع الجرائم، وصورا من المشارح، ووثائق تتعلق بالتحقيقات الجنائية، علاوة على صور لسيارات محطمة ومحترقة تشير إلى حوادث سير قاتلة، ومواد مرتبطة ببعض أشهر القضايا الجنائية في الولايات المتحدة. وتؤكد نشرة المتحف أن الغاية من عرض هذه الصور والأدوات ليست الإثارة، وإنما إطلاع زوار المتحف على الواقع الذي يتعامل معه خبراء الطب الشرعي ومحققو الجرائم.

طوائف الجريمة

يضم المتحف أيضا غرفة مخصصة لجرائم "آل مانسون" وهي من أشهر الجرائم في التاريخ الأميركي الحديث. ففي أغسطس/ آب 1969 دفع تشارلز مانسون (وهو زعيم جماعة صغيرة ذات طابع شبه ديني) أتباعه إلى ارتكاب سلسلة من جرائم القتل الوحشية في لوس أنجليس، كان أبرز ضحاياها الممثلة الأميركية شارون تيت، زوجة المخرج رومان بولانسكي، التي كانت حاملا في شهرها الثامن، مع أربعة أشخاص آخرين كانوا في منزلها في حي بيل إير.

في الغرفة المخصصة لتاريخ الجنازات والعناية بالموتى يتعرف الزائر الى تطور ممارسات الدفن والتحنيط منذ العصر الفيكتوري

وفي الليلة التالية قتل أفراد الجماعة رجل الأعمال لينو لابيانكا وزوجته روز ماري في منزلهما. ورغم أن مانسون لم يرتكب جرائم القتل بيديه إلا أنه أدين بتهمة أنه العقل المدبر لها، وحكم عليه بالإعدام قبل أن يخفف الحكم إلى السجن المؤبد بعد إلغاء عقوبة الإعدام في ولاية كاليفورنيا عام 1972. أصبحت هذه الجرائم رمزا لنهاية حقبة الستينات في الولايات المتحدة، وما زالت تستقطب اهتمام المؤرخين والباحثين ووسائل الإعلام حتى اليوم. وتعرض الغرفة صورا أصلية ورسائل ومقتنيات شخصية وقصاصات صحافية وأدلة ووثائق مرتبطة بالتحقيقات، في محاولة لوضع تلك الجرائم ضمن سياق ثقافي واجتماعي شهدته ولاية كاليفورنيا في أواخر ستينات القرن الماضي.

HO / California State Prison / AFP
القاتل المتسلسل تشارلز مانسون في صورة صادرة عن سجن ولاية كاليفورنيا

كما يخصص المتحف غرفة لجماعة "بوابة السماء"، وهي جماعة دينية أميركية أسسها مارشال أبلوايت وبوني نيتلز في سبعينات القرن العشرين اعتنقت معتقدات دينية وأفكارا مرتبطة بالأجسام الطائرة المجهولة، وآمن أعضاؤها بأنهم سيتمكنون من الانتقال إلى مستوى أعلى من الوجود بعد التحرر من أجسادهم. وفي مارس/ آذار 1997 أقدم 39 من أعضاء الجماعة، بمن فيهم مؤسسها أبلوايت، على الانتحار الجماعي داخل منزل في منطقة رانشو سانتا فيه، في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا، اعتقادا منهم بأن أرواحهم ستلتحق بمركبة فضائية ترافق مذنب "هيل-بوب".

هزت الحادثة الرأي العام الأميركي، وأصبحت إحدى أشهر وقائع الانتحار الجماعي المرتبطة بالحركات الدينية الحديثة. ويضم "متحف الموت" مقتنيات أصلية من المنزل الذي وقعت فيه الحادثة، وقطع أثاث وملابس ووثائق تشرح معتقدات الجماعة، وتعد هذه القطع من أبرز معروضات المتحف وأشدها إثارة لدى الباحثين والزوار. وهناك أيضا مجموعة من الصور الفوتوغرافية لعمليات قطع رؤوس من ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين في الصين. 

يحتوي المتحف أيضا على غرفة تلقي الضوء على المساعدة الطبية في القتل الرحيم، وتعرض جهاز "ثاناترون" الذي صممه الطبيب الأميركي جاك كيفوركيان في أواخر ثمانينات القرن العشرين لمساعدة مرضى مصابين بأمراض عضال على الانتحار. كان الجهاز يعمل من طريق ضخ عقاقير وريدية بعد أن يقوم المريض بتشغيله بنفسه، وهو ما جعل كيفوركيان يؤكد أن القرار النهائي يعود للمريض. وقد أثار الجهاز جدلا قانونيا وأخلاقيا حاميا في الولايات المتحدة.

يعرض "مسرح الموت" أفلاما وثائقية وتسجيلات تاريخية تتناول موضوعات مثل تشريح الجثث وطقوس الدفن

لا تقتصر مقتنيات المتحف على صور وأعضاء البشر، إذ يضم غرفة أخرى مخصصة لتحنيط الحيوانات، تعرض نماذج متنوعة وتقنيات مختلفة لحفظها. وفي المتحف ما يعرف باسم "مسرح الموت"، وهو غرفة صغيرة تعرض فيها أفلام وثائقية وتسجيلات تاريخية تتناول موضوعات مثل تشريح الجثث وطقوس الدفن والإجراءات الطبية وبعض الأفلام الوثائقية المتعلقة بالموت. ونظرا لما تحتويه من مشاهد قد تكون قاسية أو صادمة، فإنها تعرض أساسا للزوار البالغين.

FSP/MMR
زوار في قاعة التوابيت بـ"متحف الموت" في هوليوود

متحف مثير للجدال

أسس متحف الموت عام 1995 كل من جيمس دين هيلي وزوجته كاثي شولتز، وكان مقره الأول في مدينة سان دييغو قبل أن ينتقل إلى هوليوود في لوس أنجليس. انبثق المشروع عن "صالة ريتا دين للفنون"، التي كانت تهتم بالفن التجريبي وعرض فيها المؤسسان أعمالا مثيرة للجدال تناولت موضوعي الجرائم والعنف. واستقطب أحد المعارض، الذي خصص لفنون القتلة المتسلسلين، اهتماما جماهيريا غير متوقع أقنع الزوجين بأن لدى المجتمع افتتانا هائلا بالموت، وإن كان هذا الافتتان غير معلن. ووفقا للنشرة الرسمية للمتحف، كان الهدف من تأسيسه سد الفراغ في ثقافة المجتمع الأميركي حول الموت.

رسالة المتحف المعلنة هي "أن يجعل الناس سعداء لأنهم ما زالوا على قيد الحياة"، لكن هذه الجملة لم تقنع نقادا رأوا أن عرض صور الجرائم الدموية ومقتنيات القتلة المتسلسلين يحول المآسي الإنسانية إلى نوع من الترفيه أو الإثارة الرخيصة. واعتقدوا أن التركيز المكثف على شخصيات إجرامية معروفة قد يمنحها شهرة إضافية لا تستحقها، ويصرف الانتباه عن الضحايا ومعاناتهم الحقيقية.

رفض هيلي الانتقادات التي وصفت متحفه بأنه يقوم على الإثارة الرخيصة ورد على منتقدي المتحف في تصريح لصحيفة "لوس أنجليس تايمز" موضحا: "نحن لا نملي على الناس ما ينبغي أن يفكروا فيه، ومتحفنا ليس متحفا لإثارة الرعب، ولا نسعى إلى إخافة الناس". أضاف أن فهم حقيقة الفناء يمكن الإنسان من أن يقدر الحياة تقديرا أعمق، وأن هدفه هو وضع المجتمع أمام مرآة وأن يغادر الزوار متحفه وقد ازدادوا حبا للحياة.

Mark RALSTON / AFP
إحدى قاعات "متحف الموت" في هوليوود

ورغم الجدل الذي أثاره، حظي المتحف بتقدير عدد كبير من الزوار والباحثين الذين رأوا أنه يؤدي وظيفة تعليمية مهمة من خلال معالجة موضوع غالبا ما يستبعد من النقاش العام. كما ينظر بعض المختصين في علم النفس والأنثروبولوجيا والطب الشرعي إليه بوصفه مستودعا مهما لوثائق ومواد قد تختفي أو تضيع لولا حفظه لها.

لا يكتفي المتحف بعرض مقتنيات مرتبطة بالموت، بل يحولها إلى تجربة تدفع الزائر إلى التفكير في أسباب انجذاب الإنسان إلى هذا الموضوع

ليست لوس أنجليس، المدينة المعروفة بولعها بالعروض والمتاحف غير التقليدية، الوحيدة التي خصصت متحفا للموت. ففي مدينة أغواسكالينتس المكسيكية يقدم المتحف الوطني للموت (Museo Nacional de la Muerte) قراءة ثقافية لمفهوم الموت، مسلطا الضوء على المعتقدات والتقاليد المكسيكية، ولا سيما المخيال الشعبي الذي يتجلى في احتفالات "يوم الموتى". وفي فيينا يعرض متحف الجنائز تاريخ الطقوس الجنائزية في النمسا وتطورها عبر العصور، بينما تحتفظ متاحف طبية في لندن وفيلادلفيا بمجموعات تشريحية ووثائق تلقي الضوء على تاريخ علم الأمراض وتطور الممارسات الطبية. غير أن هذه المؤسسات تختلف اختلافا جوهريا عن "متحف الموت" في لوس أنجليس. فهي تتناول الموت بوصفه ظاهرة تاريخية أو ثقافية أو طبية، في حين يقدمه متحف لوس أنجليس بوصفه ظاهرة اجتماعية وإعلامية وثقافية معاصرة، جامعا بين الجريمة والثقافة الشعبية وعلوم الأدلة الجنائية والتمثيلات الفنية والإعلامية للموت. وبهذا لا يكتفي بعرض مقتنيات مرتبطة بالموت، بل يحولها إلى تجربة تدفع الزائر إلى التفكير في أسباب انجذاب الإنسان إلى هذا الموضوع، وفي الكيفية التي تصوغ بها المجتمعات صورته ومعانيه. ولعل هذه المقاربة المركبة هي ما يجعل المتحف مختلفا عن غيره، ويمنحه مكانة فريدة بين متاحف العالم التي تتناول الموت.

font change

مقالات ذات صلة